المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصديق : و النظريات السياسية في الحكم


أبوسمية
03-18-2013, 09:16 AM
الصديق : و النظريات السياسية في الحكم

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=300w__198504_106807 912733739_100002135936978_69400_4726816_ n_1.jpg

من الأحاديث التي اشتهرت بين العامة وأخرجها اصحاب الكتب المعروفة والمشتهرة حديث عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضو عليها بالنواجذ .......
ورسول لله صلي لله عليه وسلم وهو يذكر هذا لحديث فهم منه الصحابة أنه مودع لهم واخبر فيه صلي لله عليه بخلافات
سياسية ستقع بين أمته أرشد صلي لله عليه وسلم اصحابه إلي كيفية الخروج منها فقال
(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين )
وسياق الحديث جاء في الأمور السياسية لأنه بدء بالطاعة لأولي الأمر مما يدل علي أن السنن المقصودة هي السنن السياسية من باب أولي وهي الطريقة التي حكم بها الخلفاء وتعاملوا بها مع الشعوب زمن حكمهم وهي سنن لم تعمل بها أمة من الأمم ولا دولة من الدول إلا وانتصرت وهي سر انتصار أمتنا قديما وهذا ما فهمه مالك رحمه الله تعالي فقد ذكر عنه بن رجب أنه كان يذكر كلاما لابن عبد العزيز يكرره ويعجبه وهو (سن رسول لله صلي لله عليه وسلم والخلفاء من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب لله وقوة علي دين لله وليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر في امر خالفها من اهتدي بها فهو المهتدي ومن استنصر بها فهو المنصور ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه لله من تولي واصلاه جهنم وساءت مصيرا) جامع العلوم والحكم ص 361
وفي هذه الأسطر القليلة سأذ كر بعض السنن السياسية للخليفة الراشد والسياسي المحنك أبو بكر الصديق خليفة رسول لله صلي لله عليه وسلم وهي سنن كما يقول عمر بن عبد العزيز دين يجب الأخذ به فقد ثبت عنه انه قال ألا إن ما سن رسول لله صلي لله عليه وسلم وصاحباه فهو وظيفة دين نأ خذ به وننتمي إليه (جامع العلوم والحكم ص 362)
وأهم هذه السنن يتجلى في الخطاب السياسي الذي ألقاه الصديق بعد اختياره خليفة للمسلمين بعد رسول لله صلي لله عليه وسلم وهو أول خطاب رئاسي يلقي علي هذه الأمة بعد نبيها صلي لله عليه وسلم .
أولاـ أثبت الصديق في أول كلمة من خطابه أن الخيار للأمة في حق من يحكمها (قد وليت عليكم ) ثم قرر مبدأ المساواة (ولست بخيركم ) وانه لا فرق بين الحاكم والمحكوم ولا فضل للحاكم علي المحكوم إلا بالتقوى
فمن أخطر الأمراض التي أصيب بها الحكام بعد الصديق رضي لله عنه مرض الكبر وهو سبب لهلاك الشعوب وخصوصا إذا كان في الحاكم أ والهيئة الحاكمة لأنه يمنع من سماع الحق ومن قبوله ويدل علي ذلك قصة موسي مع حكومة فرعون فما منعهم من سماع الحق إلا الكبر قال تعالي (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ)
ثانيا ـ أثبت الصديق رضي لله عنه في الكلمة الثانية من خطابه طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم وأنها ليست علاقة تنافسية مبنية علي المد والأخذ بل علاقة لطيفة مبنية علي الرفق والرحمة فالحاكم والمحكوم كلاهما طرفان في منظومة واحدة تريد الوصول إلي الأمان والاستقرار والعيش الهنيئ
وهو بهذا يرسي قاعدة الشورى ويثبت أن الشعب هو المراقب الأول علي تصرفات الحاكم (فإن احسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني )
ثالثا ـ أثبت الصديق رضي لله عنه في الكلمة الثالثة من خطابه أن المصارحة بين الحاكم وشعبه ركن أساسي لضمان رقي الدولة وتقدمها وان الحكم إذا بني علي الكذب والخداع ـ كما هو واقعنا للأسف ـ فلا أمل في القيام ولا طموح في الصدارة
فقد اخرج مسلم في صحيحه عن رسول لله صلي لله عليه وسلم أنه قال ثلاثة لا يكلمهم لله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وعائل مستكبر وملك كذاب (مسلم ص 72 رقم 309) والسبب ولله أعلم انهم نزعت منهم مقومات الفساد ومع ذلك أفسدوا
ربعا ـ يرسي الصديق رضي لله عنه ـ في الكلمة الرابعة من خطابه ـ قاعدة من اهم القواعد في بناء الأمم وقيادة الشعوب وهي قاعدة العدل فلا تقوم الدول بدون عدل
يقول بن تيمية رحمة لله إن لله ينصر الدولة العاد لة ولو كانت كافرة ولا ينصر الظالمة ولو كانت مسلمة
كيف لا والصديق رضي لله عنه يعلم أن هلاك الأمم قبلنا إنما هو بسبب الظلم
فقد اخرج البخاري في صحيحه أن رسول لله صلي لله عليه وسلم قال إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ويم لله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها (البخاري ص 175 رقم 3475)
فلا مكان لقرابة ولا منصب ولا نسب فالكل أمام القانون الإلهي واحد حتى و لو كان عدوا قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)
(فالقوي فيكم ضعيف حتى أخذا لحق منه والضعيف فيكم قوي حثي أخذ الحق له )
خامسا ـ يثبت الصديق رضي لله عنه في الكلمة الخامسة من خطابه أن الجهاد شرط لعزة هذه الأمة وأن مسئولية الحاكم الذود عن حياض الدين والملة وحماية الأمة والدولة (ولا يدع قوم الجهاد في سبيل لله إلا ضر بهم لله بالذل )
سادسا ـ يثبت الصديق رضي لله عنه أن الحاكم مسئول عن المحافظة علي القيم الأخلاقية والدينية وصيانة المجتمع من الانحراف وهو بهذا يرسي قاعدة من أهم القواعد في إصلاح الشعوب وسعادتها وهي طاعة لله والبعد عن الفواحش فما هلكت أمة ولا سقطت دولة إلا بسبب الذنوب قال تعالى ((5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (6))
(ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم لله بالبلاء)
سابعاـ يرسي الصديق رضي لله عنه قاعدة من أهم القواعد التي تدار بها الدول وهي قاعدة المرجعية الدستورية والقانونية ـ وهي الكتاب والسنة في الدولة الإسلامية ـ فكل حاكم خرج عنها وخالفها لا تجب طاعته
(أطيعوني ما أطعت لله ورسوله فإذا عصيت لله ورسوله فلا طاعة لي عليكم)
هذا هو الخطاب السياسي للصديق رضي لله عنه والذي أوضح فيه خطته وبرنامجه السياسي الذي سيحكم به الأمة و ما كذب في ذلك ولا حاد عنه رضي لله عنه وأرضاه
أما ما يتعلق بسننه السياسية العملية فسأحاول إيجازها فيما يلي
أولا ـ ترتيب الأولويات
ورث الصديق رضي لله عنه أمة صعبة للغاية فشبه الجزيرة العربية انتشرت فيه الردة بنوعيها السياسية والدينية كالحال مع مسيلمة الكذاب ومانعي الزكاة وسجاح وطليحة بن خالد الأسدي
والجيش الإسلامي قد عقد النبي صلي لله عليه وسلم لواءه متوجها إلي بلاد الروم
إلا أن كل هذه الأمور أثبتت أن الصديق رضي لله عنه سياسي محنك وقائد ناجح فأول ما قام به إنفاذ الجيش الذي عقد النبي صلي لله عليه وسلم لواءه
ثم تفرغ للردة السياسية ـ الحركة العلمانية ـ التي ظهرت في الجزيرة العربية وهم مانعوا الزكاة
فهم لم يكفروا بالله ولذلك عارض عمر وبعض الصحابة محاربتهم في بداية الأمر إلا أن الصديق رضي لله عنه بفهمه العميق علم بأن هذه العلمانية التي تريد أن تجعل الناحية الاقتصادية خارجة عن القانون الإلهي تجب محاربتها وهي في مهدها فقال (ولله لو منعوني عقالا أو عناقا كانوا يؤد ونه لرسول لله صلي لله عليه وسلم لقاتلتهم عليه ) (البخاري 1399ـ 1400) فجهز رضي لله عنه أحد عشر جيشا لمحاربة أهل الردة واستمرت هذه الحرب سنة كاملة شارك فيها كل الصحابة حتى تم القضاء علي حركة الردة في اليمن واليمامة ونجد وتوحدت الأمة من جديد
ثانيا ـ تحديد راتب الرئيس من مال الدولة (بيت المال )
لما ولي الصديق رضي لله عنه أمر المسلمين وكان تاجرا قبل ذلك وقد شغله أمر الناس عن تجارته فرض له المسلمون راتبا شهريا يغنيه هو وعياله
فقد أخرج ابن سعد في الطبقات وبن عساكر في تاريخ دمشق عن عطاء بن السائب قال لما استخلف ابو بكر أصبح غاديا إلي السوق وعلي رقبته أثواب يتجر بها فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة ابن الجراح فقالا له أين تريد يا خليفة رسول لله صلي لله عليه وسلم قال السوق قالا تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين ؟
قال فمن أين أطعم عيالي ـ سبحان لله ـ قالا له انطلق حتى نفرض لك شيئا فانطلق معهما ففرضوا له كل يوم شطر شاة وكسوة (الطبقات ج 3ـ ص 137)
وفي رواية أخري في الطبقات كذلك لما ولي الصديق رضي لله عنه قال أصحاب رسول لله صلي لله عليه وسلم (افرضوا لخليفة رسول لله ما يغنيه قالوا نعم برداه ـ أي لباسه ـ إذا أخلقهما وضعهما واخذ مثلهما وظهره ـ أي دابته ـ إذا سافر ونفقته علي أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف قال أبو بكر رضيت ) (تاريخ دمشق ج 30ـ ص 321)
ومن خلال هذين الأثرين يظهر أن الصحابة رضي لله عنهم أدركوا وجوب حماية المال العام وصيانته ووجوب صرفه بمقتضي العدل والمسا واة وفهم الصديق رضي لله عنه ذلك فقبل أن تكون نفقته وهو خليفة للمسلمين كنفقته قبل الخلافة
ولما تقدم به الزمن وشغلته الخلافة أكثر تبين له أن القدر الذي فرضوا له لا يكفيه فطلب الزيادة فقد أخرج بن سعد في الطبقات عن عمران بن ميمون عن ابيه قال لما استخلف ابو بكر جعلوا له ألفين ـ أي درهما ـ فقال زيدوني فإن لي عيالا وقد شغلتموني عن التجارة فزادوه خمسمائة (الطبقات المرجع السابق )
ومن هنا أثبت الصديق أن الرئيس لا يحق له التصرف في مال الدولة و لا يجوز له أن يأخذ منه إلا ما فرضه المسلمون له
ثالثا ـ رد مازاد عن حاجته إلي بيت المال
فقد ثبت أن الصحابة فرضوا له في أخر عمره ستة ألاف درهم فلما حضرته الوفاة أمر برد الزائد عنده من المال إلي بيت مال المسلمين فقال عمر لقد أتعبت من بعدك (الطبقات ج ـ 3 ص 139)
وفعل الصديق رضي لله عنه ما لم يفعله أحد قبله فقد صح عنه أنه حين استخلف ألقي كل درهم له ودينار في بيت مال المسلمين وقال كنت أتجر فيه وألتمس به فلما وليت شغلتموني عن التجارة والطلب فيه (أحمد في الزهد ص 113 وابن عساكر 30 ـ 321 )
فجعل ماله في بيت ما المسلمين واستغني بما فرض له الصحابة رضي لله عنه
وهذه السنة الراشدة للأسف الشديد ضيعها حكامنا اليوم
وما الفقر المنتشر اليوم في عالمنا العربي والإسلامي والفساد العريض الذي تعيشه الأنظمة السياسية من عبث بأموال الأمة وثرواتها والتصرف فيها كما يتصرف الإنسان في ملكه الخاص كل ذلك سببه اتباع أنظمتنا للسنن القيصرية والكسروية وتركها للسنن الراشدة حتى بلغت أرصدة بعض الأسر الحاكمة (تريليون) ألف مليار دولار
ولولا انحراف الأمة عن سنن أبي بكر وعمر التي اهتدي لها الغربيون اليوم من خلال هدايات العقول حتى سادوا الأرض بحسن سياستهم لشعوبهم وتسييرهم لأموالهم لما وصلنا إلي هذا الحال ـ ولله المستعان ـ
رابعا ـ الفصل بين السلطات
لما ولي الصديق رضي لله عنه بعد النبي صلي لله عليه وسلم شعر بأنه خليفة وليس بنبي فإذا كان النبي صلي لله عليه وسلم
يمثل السلطة التنفيذية والتشريعية والمالية فذلك خاص به صلي عليه وسلم
فالصديق أراد أن يشرك معه الأمة لتتحمل معه المسئولية
فعين رئيسا للسلطة التشريعية هو عمر بن الخطاب
ووزيرا للمالية أبو عبيدة ابن الجراح (الطبقات ج 3 137 وابن عساكر 30ـ 320)
وتفرغ هو رضي لله عنه للسلطة التنفيذية
وهذه هي أهم المؤسسات التي تقوم عليها الدول فالعدل في القضاء والمسا واة في العطاء هو ما تحتاج إليه شعوبنا اليوم
خامسا ـ المسا واة في العطاء
فقد قرر رضي لله عنه مبدأ ( الأسوة خير من الأثرة ) فساوي بين الأحرار والعبيد والذكر والأنثى والصغير والكبير والسابقين وغيرهم
فقال له بعض الصحابة إنك ساويت بين الناس وفيهم أهل سوا بق وفضل ؟ فقال أما ما ذ كر تم من السوابق والفضل فذلك شيء ثوابه إلي لله أما هذا فمعاش الأسوة فيه خير من الأثرة (الخراج لأبي يوسف ص42 الأموال لأبي عبيد ص 277)
وكان أبو بكر يساوي بين الناس في العطاء فإن زاد الوارد علي بيت المال زادهم قالت عائشة قسم المال فأعطي الحر عشرة والعبد عشرة والمرأة عشرة وأمتها عشرة ثم قسم في العام الثاني فأعطاهم عشرين عشر ين (الطبقات ج 3ص 144)
فمبدأ الأسوة خير من الأثرة هو أصل من أصول سياسة الصديق نحن اليوم في أمس الحاجة له
كانت هذه أهم المعالم في سياسية الصديق التي قاد بها الأمة وتبعه علي ذلك الخلفاء بعده فسعدوا وسعدت البشرية في زمنهم ونحن اليوم نحتاج إلي إحياء هذا التراث وإخراجه إلي العالم ليوفق لله له من يطبقه
........يتواصل مع الخليفة الثاني والنظريات السياسية .

نقلا عن الأخبار