المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الطريق من ساحة ابن عباس إلى بلوكات (المحطة1 ) (عبد الفتاح ولد حبيب)


أبوسمية
03-11-2013, 09:10 AM
الطريق من ساحة ابن عباس إلى بلوكات (المحطة1 ) (عبد الفتاح ولد حبيب)

تعيش موريتانيا أوضاعا استثنائية صعبة فرضتها ممارسات الأنظمة المتعاقبة وهو ما حتم على الغيورين من أبناء البلد التحرك لإنقاذه، متخذين في سبيل ذلك وسائل عدة وسالكين طرقا مختلفة، آملين أن يستطيعوا تخليصه من الدكتاتورية وأن يقودوه لديمقراطية حقيقية تصون الحريات وتضمن العيش الكريم وتحقق العدل والمساواة لكل المواطنين.
من أبرز هذه المسارات المتبعة مؤخرا من أجل إحداث التغيير المسار الدستوري المستخدم من طرف الأحزاب السياسية المعارضة والمسار فوق الدستوري الذي تنتهجه الحركات الشبابية غير المرخصة. يُعرف المسار الدستوري بأنه ممارسة الفعل السياسي عبر القنوات "الشرعية" بما لا يخالف نظام الحكم القائم وتحت هذا المسار تندرج مختلف أشكال الاحتجاجات التي تراعي الدستور كالمسيرات المرخصة والمهرجانات التي تهدف إلى تسجيل الحضور وإسماع الصوت في انتظار الانتخابات التي هي الوسيلة الوحيدة لحسم الصراع في هذا المسار.
أما المسار فوق الدستوري السلمي فإنه يرفض الرضوخ لقواعد الخصم وقوانينه "الشرعية" متمسكا بمشروعية انتزاع الحقوق ومقاومة الظلم ومفضلا الطرق السلمية لذلك، فتحتفظ الحركات التي تنتهج هذا المسار لنفسها بالحق في التظاهر السلمي في الزمان والمكان الذي تحدده وفق استراتيجيتها هي دون ترخيص من النظام أو تنسيق معه وهي تسعى بذلك لتجاوز الخطوط الحمراء وخرق المساحات المحرمة في معركة تسعى للنصر فيها من خلال الضغط الشعبي وقوة الشارع لا من خلال الانتخابات المحسومة النتائج مسبقا حسب اعتقادها.
منذ قرابة سنة من الآن خرجت منسقية المعارضة في مسيرة هي الأكبر في تاريخ البلد متجهة نحو ساحة ابن عباس رافعة شعار "رحيل ولد عبد العزيز"، تلتها عدة مسيرات ومهرجانات، ورغم النتائج الواضحة التي حققها حراك المنسقية من كشف لفساد النظام وتوعية للرأي العام وتحريك للساحة إلا أن الصراع ما زال يراوح مكانه لأن طبيعة هذه الأنشطة لا يمكنها أن تحقق غير الذي تحقق، فهي تتم في إطار النظام الذي تريد ترحيله وبحماية منه. فهمت المنسقية فيما يبدو قصور المسار الذي تسلك فحاولت اللجوء لبعض الممارسات غير الدستورية أبرزها اعتصام الأربعاء 2 مايو غير المرخص الذي قمع بقوة من طرف النظام الذي نبيح له القوانين استخدام القوة ضد الخارجين عنه فحاولوا إعادة الكرة الأربعاء الموالي لكنهم انسحبوا قبل المواجهة وعادوا للالتزام بالشرعية الدستورية.
يسعى النظام لكي تبقى المعارضة منحنية للدستور مطيعة للأوامر محدودة الحركة ويذكرها من حين لآخر بأن الانتخابات هي الطريق الوحيد أمامها لكنه يبيح لنفسه خرق الدستور متى شاء فهو أصلا جاء بطريق غير دستوري ويواصل خرقه من خلال سرقة المال العام ونهب الثروات واستخدام السجن التعسفي وتأجيل الانتخابات وإنهاء صلاحية الحالة المدنية دون سابق إنذار وتنفيذ حظر للتجول دون إعلانه وقمع كل مخالف حتى باستخدام اللصوص المأجورين.
لقد استطاعت الحركات الشبابية التي تنتهج المسار فوق الدستوري أن تحقق نصرا مرحليا في ذكرى 25 فبراير الماضية حيث تمكنت من دخول ساحة بلوكات، العصية منذ 2011، مستخدمة تكتيكات جديدة تعتمد أساليب المقاومة السلمية فلم ترخص لنشاطها المطالب بالحقوق واضعة له خطة لإنجاحه فحين قررت الشرطة احتلال الساحة كانت الحركات تملك نقطة بديلة للتجمع محددة سلفا انطلقت منها في مسيرة لم تربك السير وحين وصلت أمام بلوكات تم التظاهر دون إغلاق الشارع ثم كان التوجه للساحة بصفوف تدير ظهرها للشرطة كدليل على عدم الخوف والسلمية مما أربك قوى الأمن، لأن التعامل مع من يدير ظهره لك أصعب بكثير من التعامل مع من يواجهك حتى ولو كنت تحمل الهراوات والقنابل الصوتية ومسيلات الدموع، وهذه هي النقطة التي أراد الشباب العمل عليها فكان رد الشرطة هادئا في البداية وحين بدأ القمع وجدوا أمامهم شبابا تجهز للمعركة بالصمود وباستخدام أسلحة سلمية كالدروع اليدوية والكمامات الطبية ونظارات السباحة والتروس والأهم من ذلك كله الأخلاق الراقية التي جعلت الشباب يؤثِرون بعض الشرطة بالكمامات ويعانقونهم لأنهم يعلمون أن معركتهم أساسها تحريك الضمائر وزلزلة العقول بدل المواجهة المباشرة وأن كسبها في النهاية سيكون من خلال عزل النظام - قدر الإمكان – عن وسائله التي يحكم بها وإقناع الناس برفض طاعته والانصياع له.
واضح أن المواجهة عبر القنوات الدستورية وحدها لن تستطيع تحقيق النصر وأن الحركات التي تنتهج المسار فوق الدستوري ما زالت غير قادرة على الحشد المؤثر نظرا لحداثتها وضعف وسائلها لكنه مما لا شك فيه أننا قطعنا خطوات هامة نحو الهدف وذلك بوجود رؤية جديدة ترفض قوانين الصراع القديمة وكذلك بوجود قوى معارضة قوية قطعت خط العودة مع النظام وآمنت بحتمية التغيير فالمطلوب إذن هو البحث عن السبل الموصلة والبدائل الممكنة في معركة تهدف لكسب الصراع والتضحية في سبيل إنهاء الظلم وإقامة دولة العدل بدل استنزاف الجهود في المعارك المجربة والمحسومة النتائج مسبقا.

نقلا عن الأخبار