المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علاقة ممتدة (أمينة أبو شهاب)


ابو نسيبة
02-28-2013, 08:54 AM
علاقة ممتدة (أمينة أبو شهاب)

اللغة الأمريكية في الحديث إلى مصر وعنها بخصوص استقرارها وإصلاح أمورها الحالية هي لغة غير معهودة ولا سابق لها من قبل حتى في أيام حسنى مبارك المعروف بعلاقاته الوثيقة بالغرب وأمريكا، إذ كان نظامه يبدي تحسساً من حديث المسؤولين الأمريكيين عن الشأن المصري، وكان في مناسبات عديدة يظهر المناكفة والتذمر إزاء المطالب الأمريكية حين تتعلق بالداخل المصري .
اللغة الأمريكية اليوم وبعد “الثورة؟” التي من المفترض أن تنقل مصر إلى اتجاه مختلف في ما يخص العلاقة، هي في الواقع لغة الولاية المعنوية النافذة، أو الولاية الرعوية المتحملة للمسؤولية عن الآخر المرتبط عضوياً بهذه العلاقة . فلنقل إذن والحال كذلك أنها وباختصار لغة الولاية السياسية ذات النوع “الخاص” التي تحرص واشنطن على القول عنها إنها تبدي رأيها للحكم في مصر فقط من دون أن “تفرضه”، وإنها كذلك تقف على مسافة واحدة من الفرقاء السياسيين سواء كانوا الرئاسة والحكم والإخوان المسلمين أم أحزاب المعارضة .
تتوجه السياسة الأمريكية إلى الرئيس المصري الإسلامي راسمة له خط السياسة الداخلية السليم الذي يضمن الاستقرار لمصر والتخفيف من الصراع الداخلي فتقول له: “عليك بحكومة الوحدة الوطنية التي يشارك فيها كل الأطراف، فإن لم تستطع فعليك ببناء التوافق مع المعارضة للمضي قدماً في مرحلة الانتقال السياسي” . أما الرسالة للمعارضة فهي كما نقلها توماس فريدمان المقرب من الإدارة الأمريكية فهي: “قراركم بمقاطعة الانتخابات هو قرار غير جيد وليس في صالح مصر، والأفضل لكم ولمصر أن تشاركوا في الانتخابات وتحصلوا على مقاعد كثيرة كي تتمكنوا من المشاركة في الحكومة المقبلة” .
هذا الخطاب الذي يحمل لغة الحكم السياسي الذي يملك حق فض الاشتباك بين الأطراف هو تهيئة لزيارة وزير الخارجية الأمريكي الجديد، جون كيري الذي تمثل له مصر انشغالاً بحد ذاته إذ، كما تقول المصادر الأمريكية فإن تركيز واشنطن لم يعد على العلاقة بين تل أبيب والقاهرة، بل على ما يحدث في القاهرة من عدم استقرار للنظام السياسي .
سيأتي جون كيري لا ليجلس مع الرئيس الإخواني والزعامات في الجماعة فحسب، بل ليلتقي كذلك بالقيادات الحزبية المعارضة وبشخصيات في المجتمع المدني، تماماً كما فعلت وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون قبل أشهر قليلة
من الواضح أن مرسي قد انصاع بدرجة مقنعة لما تضمنته اللغة الأمريكية وظهر في حواره التلفزيوني منفتحاً على معارضيه متجنباً عبارات “أهلي” و”عشيرتي” الموجهة إلى جماهير الإخوان، كما أنه في ليلة تالية ترأس حواراً مع أطراف ليست هي تماماً المعارضة ولكن الحوار ولو كان ظاهراً يشير إلى تقدم استحق اتصال أوباما وتجديد دعمه له، يأتي هذا الموقف من مرسي حتى ولو أن واشنطن لم تسمح بقرض بنك النقد الدولي الذي أكد مرسي في حواره التلفزيوني الأخير أنه حلال تماماً ولا تشوبه شائبة الربا، كما حرص على التأكيد كذلك على أن اقتصاد السوق هو نفسه الاقتصاد الإسلامي . أما المعارضة وبعد ما تم توجيهه إليها من نصائح أمريكية، فقد تغير الموقف اللفظي من بعض وجوهها وأخذت تتتالى التصريحات والتغريدات التي تمهد للتراجع عن المواقف “المتصلبة” .
غريب جداً أن تأخذ “الثورة” مصر باتجاه الولاية الأمريكية إلى هذا الحد الذي لا سابق له وبهذا الشكل الواضح والعلني، وما هو أغرب بكثير أن يحدث ذلك حين يتولى الإسلام السياسي حكم مصر . في ظل هذا الحكم يصبح أمراً عادياً ومسلماً به أن تلتقي السفيرة الأمريكية آن باترسون مع رؤساء الأحزاب بشكل دوري ومنتظم، وأن يصدر بيان من السفارة يشرح الهدف وهو: “إحداث نوع من التفاهم والتوافق بين الأطراف السياسية المختلفة” .
هذا الدور هو نفسه الذي كان يلعبه المندوب السامي البريطاني في السياسة المصرية قبل ثورة يوليو/تموز عام 1952 حيث كان يلعب دور الوسيط بين الأحزاب والحكومة، وهذا ما كان سبباً في الثورة بقيادة عبدالناصر الذي أعاد لمصر سيادتها الوطنية واعتبارها القومي .
وها هي تصريحات السفير التركي التي تتدخل في الشأن المصري ناصحة الجيش المصري بتخفيض ميزانيته وتحويلها إلى الاقتصاد اقتداء بالتجربة التركية تضيف جانباً آخر إلى الصورة التي يدخل على خطوطها الحمراء تدخلات عدة من الخارج سواء كان إقليمياً أم غربياً .
إطلاق الإخوان يد التدخل الخارجي في الشأن المصري الداخلي ما هو إلا علاقة ممتدة لهم مع تلك القوى التي اتصلوا بها واحتضنتهم حين كانوا معارضة تبحث عن الوصول إلى الحكم بأي ثمن . ولم يكونوا الفريق المفضل لاستلام الحكم والبقاء فيه، كما هم اليوم، لولا أن حكمهم بتسميته “الإسلامية” كان مرتبطاً بالولاية السياسية الخارجية ورافعاً لجميع الحواجز والموانع الوطنية دونها .

نقلا عن دار الخليج