المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مفارقات بين يومى رحيل مبارك ومجىء د. مرسى (صلاح الدين سلطان)


أبوسمية
02-17-2013, 06:49 PM
مفارقات بين يومى رحيل مبارك ومجىء د. مرسى (صلاح الدين سلطان)

كنت فى اليومين على منصة التحرير، وهناك فرق بينهما كما بين السماء والأرض، وإن اشتركا فى فرحة غامرة ملأت قلوب أكثر المصريين، بل ملايين البشر فى العالم عبروا عن فرحتهم لمصر والأمة والعالم؛ لأن مصر كما قال الشيخ على الطنطاوى -العالم السورى-: هى مصدر الخير والشر لأمة الإسلام؛ فما يجرى فيها ينتقل تلقائيا فى دول العالم العربى والإسلامى بحذافيره. ولذا كان يوم رحيل مبارك أسود يوم على بنى صهيون وأعداء الإسلام، وأشد سوادا منه يوم نجاح د. محمد مرسى بالانتخاب وليس بالقهر والتزوير، وقد عبر القرآن عن فرحة المسلم بذهاب الظالمين فى قوله تعالى: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، واليوم فى ذكرى رحيل مبارك، أذكر لحظة فى غاية الأهمية، وهى وقت صلاة الجمعة، وقصتها أننى جئت وأسرتى كلها من البحرين وأمريكا للتحرير مشاركين الشباب والرجال والنساء والفتيات، واتصلت بأمى الحنون رحمها الله قائلا: أستسمحك أماه أننى لن آتى من المطار إلى حضنك الدافئ كعادتى وحقك، بل سأذهب للتحرير بإذن الله ولن أخرج حتى يرحل عن كاهل مصر حسنى مبارك، فرضيت أمى وأمطرتنى ومصر بوابل من دعواتها الثرية النقية القوية، وفى يوم الخميس توقع العالم كله أن يتنازل لكنه ظل معاندا حتى النفَس الأخير، وهنا رأيت فى التحرير شبابا وفتيات رفعوا الأحذية، وهتفوا صارخين بسقوطه ونظامه، وأغشى على بعضهم، وطلبت الكلمة، وكان مما قلته يومها: إنَّ فتْح العراق وخراسان والشام وفلسطين وليبيا والمغرب العربى، لم يستغرق من كل فاتح سوى عدة أشهر، إلا مصر؛ فقد استغرقت أربع سنوات من الصحابى الجليل، والقائد الحكيم، والسياسى البارع، والعسكرى المحنك، عمرو بن العاص ومعه خيرة أصحاب النبى -صلى الله عليه وسلم- فكيف بنا بذنوبنا، وأن الصحابة قد صبروا لفتح مصر سنوات أربع حتى وصل الإسلام إلينا، فإذا ظننتم أن 18 يوما تكفى لتغيير وجه التاريخ بمصر فأنتم واهمون، ودعوت لصمود الرجال، وصبر الأبطال، وعزائم الأحرار، واحتساب الأبرار، وفى يوم الجمعة صباحًا توافد الملايين على الميدان فاقتُرح أن تكون هناك خطبة ثانية، تستوعب هذه الملايين، وبسرعة تم إعداد منصة أخرى للجمعة فى مواجهة المتحف المصرى، ورُشحت أن أكون خطيب الجمعة فوافقت، وخرجت للجمعة سائلا ربى أن يجعلنى سببا فى رحيل الظالمين عن كاهل مصر، وبدأت خطبتى أرد على المفتى آنئذ وبعض التيارات التى أفتت بحرمة الخروج على حسنى مبارك تحديدا، وأن من فعل ذلك لعنه الله لأن الفتنة نائمة ملعون من أيقظها، وأخذت أدلل على وجوب الرباط حتى يرحل مبارك ونظامه وأوله عمر سليمان، وذكرت من ألوان مخازيهم من الاستهزاء بالله وبرسوله، وبالقهر للمؤمنين، والذلة على الكافرين، خاصة الصهاينة المعتدين، وسلب ونهب عرق وجهد الكادحين، وقلت يومها إن مبارك وعائلته وحاشيته قد سرقوا من كل مواطن 120 ألف جنيه على الأقل، وفى أثناء الخطبة كان هناك أمران: الأول هو الكارت الذى جاءنى من أحد مسئولى الميدان ومنصة الجمعة أمام المتحف المصرى، وهو المهندس سعد الحسينى -محافظ كفر الشيخ الآن- فغير مسار الخطبة فى اتجاه أسهم -بفضل الله- فى سرعة رحيله فى هذا اليوم، وأترك تفصيله للمهندس المحافظ، لكنه كان بحق آية من آيات الله، والأمر الثانى هو الدعاء الذى ألهمه الله للشيخ محمد جبريل بعد خطبة الشيخ مظهر شاهين، وكنت ما زلت فى الخطبة الثانية أدعو على حسنى مبارك وزبانيته، وساعتها أقسم بالله أنى نظرت لوجوه المصريين الصادقين المرابطين، وهم يؤَمِّنون من قلوبهم، ويتوسلون من أعماقهم، ونظرت فى سماء التحرير، وشعرت بأن الأبواب كلها مفتَّحة للقبول، وجاءنى يقين لا شعور بأن هذا آخر أيام مبارك، وخشيت من ذنوبى أن أعلن ذلك، وقد جاءت البشارة ونحن نصلى المغرب فى الحديقة أمام مجمع التحرير، بعد حديث رائق مع الشباب الحيارى عن الأمل والرباط، وكانت كلمات د.م. محمد سعد، ود. أيمن الغايش بلسمًا لهذا الشباب، وجاءت البشارة ونحن بالمحراب نصلى سجودا نتوسل إلى الله، فمنَّا من أتم صلاته وسجد شكرا لله أولا، ومنا من أخذه الحدث فخرج من صلاته مهللا مكبرا، فرحا باكيا، سعيدا مندهشا، راغبا وراهبا، جاريا وماشيا، صارخا وصامتا، مسلِّما مهنِّئا، ودخلت الميدان مع أسرتى، ثم طلبت من زوجتى وبناتى أن يتخذن مكانا ثابتا، ونزلت لقعر الميدان فكان أول منظر أراه سربًا من الشباب يمسك بطرف الآخر قائلا منشدا بالمصرى: "بُكره أتوظّف وأتجوِّز"، ولا يجوز لنا الآن أن ننسى فى خططنا هذا الشباب توظيفا وتزويجا، فلولا الله ثم صمود الشباب ما كانت ثورة ولا رحيل حسنى مبارك، ومجىء د. محمد مرسى.
أما يوم نجاح د. مرسى، فقد كان آية أخرى؛ حيث كنت على المنصة أجد الشباب والسياسيين يتكلمون ويهددون من تزوير الانتخابات، وقلت يومها على المنصة: أحذر المجلس العسكرى من الإشراف والضغط لتزوير الانتخابات لصالح شفيق -حيث كانت كل الدلائل تشير لذلك- وقد غرد مصطفى بكرى المقرب من المجلس العسكرى "أن الحرس الجمهورى توجه صباحا لبيت أحمد شفيق ليستلم الأمر أول إعلان النتيجة"، وقلت: لن نترك الميدان إن زورت الانتخابات، وقد كان مبارك أقوى شكيمة وقد أودعه الله السجون هو وأولاده بظلمه وتزويره وعناده، وكان الحديث السياسى غالبا، لكنى رأيت رجلا من خيرة العلماء والمرابطين، وأعتقد أنه أكثر العلماء رباطا فى التحرير، ووجودا فى المواقف الصعبة، وهو الشيخ الدكتور جمال عبد الهادى -أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية- وجدته قد نزل من على المنصة واتخذ من دون الناس حجابا تحتها يدعو متوسلا، ويتبتل متضرعا بمنهج: ((فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا))، وهنا جاءتنى فكرة عرضتها على إخوانى فى المنصة وأوصلوها للدكتور أسامة ياسين -وزير الشباب، مسئول المنصة آنذاك- وهى أن نتوقف قبل إعلان النتيجة بساعة عن كل الكلام فى السياسة، وأن ندعو الله مع الميدان كله أن يختار لمصر من يصلحها، وأن يلهم القضاة العدل والإنصاف، وألا يدخلوا على مصر تزويرا بعد الثورة، وكان اقتراحى أن يكون الدعاء من شيخنا د. جمال عبد الهادى، ووافق الجميع على الفكرة؛ لأن القلوب كلها كانت قد بلغت الحناجر من توقع التزوير لصالح شفيق وأذناب مبارك، لكن د. جمال اعتذر لضعف صوته، وقال لهم: "خلُّوا د. صلاح يدعو ونحن نؤَمِّن"، فقلت لهم: والله لدعوة منه -مع ضعف صوته- لخير من دعائنا جميعا، لكنه أصر على الرفض، وقبلت الأمر، وفتح الله قلبى برحمته فى التبتل والدعاء، ورأيت وجوه المرابطين فى التحرير، وتأمينهم من أعماق قلوبهم، فتذكرت لحظة رحيل حسنى مبارك وقت الدعاء فى أثناء وبعد خطبة الجمعة، فأيقنت مرة أخرى أن اليوم سيكون تاريخيا فى نجاح العالم المهندس السياسى الحافظ الدكتور محمد مرسى وجاءت صلاة العصر فصلينا، وجاء الفرج قويا مؤثرا، وسجد الجميع شكرا لله كما سجدوا يوم رحيل مبارك، وعلت الأصوات بالحمد والثناء على الله والتهليل والتكبير، كأن يوم رحيل حسنى مبارك قد افترق فى ذهاب حاكم ظالم ومجىء عالم عادل، أحسبه كذلك ولا أزكى على الله أحدا، واجتمعا فى الفرحة الغامرة بفضل الله على مصر والعالم.
يا قوم بالأمل والعمل والدعاء والقنوت ننال الحسنيين التمكين والنصرة فى الدنيا، والمغفرة والجنة فى الآخرة، والمشوار طويل أكثر من زمن الصحابة قطعا، لكن المفتاح كما هو الأمل والعمل والدعاء وحسن التوكل على الله تعالى، قال تعالى ((لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا)) (سورة الطلاق: من الآية 7).

نقلا عن موقع الحرية والعدالة