المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معادلة الحرب في مالي والمتغير العشوائي (محمدن ولد محمد أحمد)


رشا
01-23-2013, 01:02 PM
معادلة الحرب في مالي والمتغير العشوائي (محمدن ولد محمد أحمد)

تكتسي الأحداث في العصر الحالي بطابع من السرعة والتلاحق ، يجعل من الصعوبة بمكان تخيل مسار حدث معين ، أو تصور نهايته أو مآلاته. فكثيرا ما ينظر إلى الأحداث في إطار محدود، ويتعامل معها من خلال ظاهر الحدث ، وما يقال عنه علنا من طرف الفاعلين الأساسيين فيه مما يؤدي في النهاية إلى قراءة سطحية جدا لمجمل الأحداث. والتعامل معها بكثير من عدم الفهم والذي يصل في أحيان كثيرة إلي حد السذاجة.
وربما يكون هذا التعامل السطحي مع الأحداث وفهمها فهما قاصرا ناجما عن " صياغة العقول" والتحكم فى طرق فهمها للأشياء من خلال إمطار المتلقي عموما بسيل من المعلومات فى كل جزء من الثانية وبمختلف السبل والوسائل مما يجعله غير قادر على فهم أي حدث بشكل صحيح ، وهناك ممكن الخطر حيث تقع أحداث يمكن أن تؤدى إلى محو دول عن الخريطة وتغيير تركيبتها الديمغرافية ، وينظر إليها في الوقت على أنها أحداث محدودة وعابرة لا تتطلب أي فهم أو تحليل معمق..........
وليس التدخل العسكري الفرنسي فى مالي ببعيد عن هذه " القاعدة" فجل المتتبعين تقريبا ينظر إليه على أنه عمل محدود الأهداف ، واضح المعالم ، يستهدف القضاء على الجماعات المسلحة فى شمال مالي والعمل على الشمال إلى "سيادة الدولة المالية" في حين أن الواقع يثبت عكس هذا تماما.
فالتدخل العسكري الفرنسي فى مالي عند النظر إليه بشيء من التحليل المعمق يتضح أن لديه دوافع بعيدة كل البعد عن ما هو معلن من أهداف، وبالتالي ستتغير احتمالات نهايته التي بنيت على ما هو معلن من أهداف وهى احتمالات مرعبة أصلا.
أما إذا كان التدخل العسكري الفرنسي في مالي تحركه أهداف أكبر وغير معلنة فإن تداعيات هذا التدخل لن تكون أقل من إزالة معظم دول المنطقة عن الخريطة،وما سيرافق ذلك من حروب عرقية متنقلة ، تأتي علي الأخضر واليابس.
وبعيدا عن الدوافع المعلنة للتدخل يمكن بشيء من التحليل فهم دوافع التدخل الفرنسي من خلال بعض المعطيات التي قد تبدو غير مترابطة في الظاهر إلا أنه عندما ينظر إلى الأحداث الجارية الآن في المنطقة بنظرة أكثر شمولية تتجاوز الحدث ـ زمانا ومكاناـ فإن سيتضح بكل جلاء أن الدافع الحقيقي والوحيد تقريبا لكل ما يجرى في المنطقة هو الثروات الطبيعية الموجودة فيها (النفط والغاز واليورانيوم ، والذهب )وهذه الثروات تبرز الحاجة إليها كل في زمان ومكان إلا أن الحاجة إليها فى الوقت الحالي بالنسبة لفرنسا والدولة الصناعية عموما أكثر إلحاحا خصوصا في ظل الأزمة المالية والتى عصفت بأوربا وأثرت على نمط الحياة الفردية " الذي يعتبر أقدس المقدسات بالنسبة لسكان الدول الصناعية عموما والأوربية خصوصا.
فقد اضطرت الأزمة المالية بعض الدول الأوربية إلى انتهاج أساليب قاسية من التقشف ، ظهرت تجلياتها بكل وضوح في اليونان رغم مالها من رمزية ثقافية وتاريخية، والتي أقدم فيها مسن تجاوز السبعين من العمر قبل ما يقارب من السنة على الانتحار بعد أن أطلق النار على نفسه أمام البرلمان اليوناني ، تاركا رسالة قصيرة مفادها أنه لا يمكنه بعد هذا العمر أن يجد نفسه مضطرا للبحث في القمامة عما يقتات به بعد أن قطعت الدولة عنه معونة كانت اجتماعية مخصصة وذلك بفعل الأزمة المالية،والتي مست كل سكان أوربا تقريبا.
وهذه الأزمة تؤثر في كل نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية في أوربا وفرنسا خصوصا، وبما أن فرنسا وغيرها من الدول الأوربية تعتمد في سياساتها على نظرة استشرافية بعيدة جدا فلا يمكن بحال من الأحوال أن تهمل هذه المنطقة الحيوية خاصة بعد تزايد النفوذ الصيني في إفريقيا والذي يعتمد على سياسة واضحة جدا تتمثل في استثمارات غير مشروطة بأي شرط سياسي وتحترم سيادة الدول وتقوم على المصلحة المتبادلة وبعيدة كل البعد عن فرض الثقافة والقيم الصينية عكس فرنسا تماما.
كل هذه العوامل تدفع بفرنسا إلى وضع يدها على المنطقة مهما كلفها من ثمن لأن العائد من سيطرتها على المنطقة يفوق في مردوديته كل خسارة محتملة.
وأقصر الطرق التي تؤدي إلى سيطرة فرنسا على المنطقة هو خلق مجال من الفوضى الشاملة في المنطقة ، وربما تكون نواته الأولى هي السماح بتدفق السلاح الليبي بعد انهيار نظام القذافي إلى الصحراء الكبرى، وهذه الفوضى ستؤدي إلى خلط الأمور خصوصا بعد التدخل العسكري الإفريقي الداعم لفرنسا والذي يمثل في 5800 جنديا من ثمان دول إفريقية مختلفة.
والتى تدفع حتما إلى الشمال المالي (تمبكتو ، غاو كيدال)، وهذه التماس المباشر مع سكان المنطقة من طرق وعرب ستنجم عنه مخاطر تفوق الخيال ، لأن الصدام بين القوات ذات الخلفيات المتعددة دينيا وعرقيا والطوارق والعرب سيكون صداما مدمرا لأن القوات الإفريقية مهما بلغت من الانضباط فهي قادمة من دول تعاني أصلا من مشاكل داخلية ذات طابع ديني وعرقي(ساحل العاج ، نيجيريا) ولم تجد الفرصة لتصفية الحسابات داخليا وستكون فرصتها النادرة لتحقق في الشمال المالي ما عجزت عنه في دولها(الجيش النيجيري بوكو حرام ) وهذه القوات الإفريقية التي يبدو أنها أرسلت إلى ميدان المعركة بشكل مرتجل ، ومن شاهد طليعة القوات النيجيرية في مطار باماكو وبعض أفرادها يحملون قدرا متوسط الحجم يتصور أنهم قدموا من أجل افتتاح مطعم في كيدال.
وكأن هذه القوات الإفريقية أرسلت في مهمة عبثية يراد منها فقط مقتل أكبر عدد ممكن منهم وهذا الاحتمال ليس مستبعدا لأن سكان الشمال المالي من طوارق وعرب سيجدون أنفسهم مضطرين لخوض المعركة جنبا إلى جنب مع الحركات الجهادية لأن القوات الإفريقية لا تمتلك من التأهيل والإعداد المعرفي والثقافي ما يمكنها من التمييز بين سكان المنطقة والحركات الجهادية والتى حتما يوجد من سكان الشمال المالي من لا يأخذ بطرحها ، بل يعاديها .
والقوات الإفريقية إذا دخلت مدن الشمال المالي ستعامل الكل على أنهم "إرهابيون" وهذا ما سيؤدي إلى خسائر كبيرة القوات الإفريقية التي يبدو أنها تمتلك روحا معنوية عالية جدا ربما مردها إلى أنها يقاتلون جنبا إلى جنبا مع القوات الفرنسية، وهو شرف ربما يحصل مرة واحدة في العمر.
وعند حصول خسائر فادحة في صفوف القوات الإفريقية ستكون لها انعكاسات خطيرة على الجاليات العربية فى إفريقيا عموما والموريتانية خصوصا، والتي يمارس كثيرا من أفرادها نشاطات ذات طابع تجارية فى إفريقيا عموما والبعض منهم يمتلكون ثروات طائلة.
وعندما تعم الفوضى ستخلق المزيد من المبررات لوضع اليد على المنطقة لما لها من بعد إستراتيجي يتمثل في الثروات الطبيعية وقربها الشديد من الحدود الجنوبية لفرنسا خصوصا وأوربا عموما، ووضع اليد على يؤدى إلى التحكم في ثروات كل الدول حتى ولو تطلب الأمر تمزيق تلك الدول وحتى إزالتها عن الخريطة ولا أظن أحدا نسي ما وقع للعراق فقد دفع إلى الدخول فى مجال من الفوضى أدى إلى زوال دولة العراق ونهب ثرواته فما المانع من تجريب نفس السيناريو مع الجزائر عبر دفعها إلى مجال من الفوضى المتدرجة قد يكون المناخ له وجد منذ إلغاء نتيجة الانتخابات التى فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ وحتى عملية عين أمناس يوم الأربعاء الماضي 16/01/13 ، تلك العملية التى لم تنل حظها من الفهم الصحيح لما شابها من غموض، وما خلفته من أسئلة قد لا تجد أجوبة في الوقت الحالي، وإن كان يوجد رابط خفي بينها وبين الحادي من سبتمبر من خلال أن تاريخ الأربعاء السادس عشر من يناير 2013 يختلف عما بعده كما أن الرقم 11 يبرز من خلال خسارة الجزائر اليومية جراء توقف مجمع عين أمناس عن العمل والتى تقدر ب11 مليون دولار يوميا، إضافة إلى ما ستخلفه العملية على الاقتصاد عموما لأن النفط والغاز يشكلان العمود الفقري للصادرات الجزائرية.
وفى ظل هذه الأجواء المشحونة بالترقب والمفتوحة على كل احتمال يمكن لأي حدث أن يقع وأن تكون تبعاته تفوق كل تصور فما هو المنقذ يا ترى للمنطقة عموما من كل هذه الاحتمالات؟ والتي نرجو من الله أن لا تقع، وأن تمتلك شعوب هذه المنطقة زمام أمرها ، وأن تستشار على الأقل في أمور يمكن أن تؤدى إلى زوال كل هذه الدول.

نقلا عن الأخبار