المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أعاصير لا تعترف بالحدود (رغيد الصلح)


رشا
01-11-2013, 10:55 AM
أعاصير لا تعترف بالحدود (رغيد الصلح)

قبل سنتين تقريباً اجتاحت الأعاصير السياسية المنطقة العربية، فتنقلت بسرعة بين بلدانها ولم تنتظر حتى تحصل على تأشيرة لدخول هذا البلد أو ذاك، ولا استأذنت أحداً في تنقلها وترحالها: توقفت عند أبواب بعض دولها، ودخلت واستقرت في البعض الآخر منها . وتوقع الكثيرون، خارج المنطقة أن تمر حركة التغيير ببلادهم وأن تفعل فيها ما فعلته في مصر وتونس وليبيا . إلا أن هذه الأعاصير التي انتشرت بسرعة في المنطقة العربية امتنعت عن دخول أي بلد آخر غيرها . عَدّ البعض هذه الظاهرة مؤكدة للرابطة العربية، بينما وجدها البعض الآخر مثيرة للإحباط والاستغراب . ذلك أنه رغم الجهود الكثيرة التي أنفقت من أجل إقناع العرب بتناسي هويتهم المشتركة، ورغم المحاضرات والمواعظ التي ألقيت على العرب في تسفيه فكرة الروابط التي تجمع بينهم، رغم ذلك كله، فقد كان المسار العربي لحركة التغيير مؤشراً إلى ان هذه الجهود لم تحقق أهدافها بعد .
بعد أيام قليلة من الاحتفال بالذكرى الثانية لانطلاقة حركة التغيير العربية، تكرر الأعاصير والعواصف المناخية هذه المرة الدرس نفسه تقريباً . إن دول المنطقة مهما حصنت حدودها ورفعت الأسوار التي تعزلها عن الدول الأخرى، فإنه من الصعب عليها أن تحمي أرضها وثرواتها من المؤثرات المحدقة بها إذا اعتمدت على إمكاناتها المحلية وحدها، فهذه العواصف لم تضرب الدول العربية وحدها، بل اجتاحت دولاً أخرى في المنطقة، ولكن القسم الأكبر من الأضرار لحق بالبلدان العربية التي كانت الأكثر انكشافاً أمام التحديات المناخية .
كانت “خصوصية” المنطقة في الحالتين، السياسية والمناخية، وراء الأثر الذي تركته الأعاصير في أكثر من بلد عربي . فكما دلت مؤشرات عديدة على أن الإقليم العربي يحتل المرتبة الأدنى بين أقاليم العالم بمعايير التنمية السياسية والاقتصادية والتربوية، فقد لوحظ في تقرير مشترك للبنك الدولي وجامعة الدول العربية صدر في مطلع الشهر الفائت، أن الإقليم نفسه هو من أكثر أقاليم العالم تأثراً وتضرراً من التقلبات المناخية . التقرير يشدد على أن هناك تقليداً قديماً من التأقلم مع هذه المتغيرات، ولكن هذا التأقلم كان يحصل عندما كانت التغييرات المناخية بطيئة وليس كما هو شأنها اليوم “تسونامية” الطابع وتقتحم مسارح التغيير بسرعة خاطفة، فضلاً عن أنه كان يحصل على الصعيد الأهلي وليس الرسمي حيث بقي التأقلم محدوداً .
رغم الجهود الرسمية التي بذلت من أجل الحد من آثار الكوارث الطبيعية في الدول العربية، فإن التقرير يلاحظ أن عدد العرب الذين تأثروا سلباً بهذه الكوارث خلال الثلاثين عاماً الفائتة بلغ نحو 50 مليون مواطن ومواطنة، أما الخسائر المالية المباشرة التي تكبدها العرب من جراء هذه الكوارث فقد “وصلت - خلال الفترة نفسها - إلى زهاء 12 ملياراً وإلى أضعاف هذا المبلغ إذا ما حسبت الأضرار والخسائر غير المباشرة” .
إذا تجاوزنا موجة البرد القارس التي تجتاح المنطقة اليوم، فإن التقرير يلاحظ أن عام 2010 كان الأكثر حرارة منذ القرن التاسع عشر، وأن بين الدول التسع عشرة التي سجلت أعلى درجات الحرارة في العالم، كانت هناك خمس دول عربية . ويتوقع التقرير أن تتجه الحرارة إلى المزيد من الارتفاع في المنطقة العربية خلال السنوات المقبلة، ما يلحق أضراراً فادحة بقطاعي السياحة والزراعة اللذين يعانيان أساساً تحديات ومتاعب كثيرة .
هل تنتصب هذه التحديات في وجه فريق من الدول العربية دون غيره؟ هل تستطيع دول الخليج العربي أن تتجنب هذه التحديات والأخطار؟ كلا، تقول دراسة أعدت لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2010 . فبينما تتحدث هذه الدراسة عن المتغيرات المناخية المتوقعة عالمياً، فإنها تتطرق إلى المنطقة العربية بصورة خاصة ومن زوايا متعددة مثل موقعها على شواطئ البحار . فهي تقول إن كافة الدول العربية، متوسطية كانت أم خليجية، تعدّ من الدول الشديدة الانكشاف أمام الأخطار البحرية، ومن أهمها ارتفاع مستوى البحار وآثار ذلك على نطاق تمليح وإغراق الأراضي الزراعية القريبة من الشواطئ . فطول الشواطئ العربية على المتوسط والبحر الأحمر يصل إلى 34 ألف كلم . وتتمركز أكثر المدن والأنشطة التجارية والمجتمعية العربية في المناطق الساحلية، وتتمركز أغلبية السكان فيها، ما يجعل الآثار السلبية الاجتماعية والاقتصادية والأيكولوجية لارتفاع مستوى البحار في المنطقة العربية أعلى من المعدل العالمي .
يخلص تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى وضع مقترحات تتعلق بشتى التأثيرات والتحديات السلبية المناخية التي تواجه المنطقة العربية، بأمل أن تطبق على الصعيدين الوطني والإقليمي مثل تأسيس نظام لجمع المعلومات ولمراقبة التغييرات المناخية ومتابعة تطبيق القرارات . وفيما يتوقع البرنامج أن تطبق هذه المقترحات على المدى البعيد والمتوسط، فإن إنغار أندرسن، نائب رئيس البنك الدولي، يرى أنه من الضروري المباشرة فوراً في تطبيق المشاريع والمبادرات الوطنية والإقليمية الرامية إلى إنقاذ المنطقة العربية من أخطار التقلبات المناخية .
تستطيع الحكومات العربية تنفيذ بعض هذه المقترحات والمشاريع اعتماداً على إمكاناتها الذاتية، إلا أنها تحتاج إلى المشاركة مع الجيران العرب من أجل توفير حماية المنطقة من أخطار البيئة وتقلبات الطقس . إن الاخطار المناخية لا تعرف، كما قلنا أعلاه، الحدود، ويصعب ضبطها والسيطرة عليها عبر الإمكانات المحلية التي تملكها الدول، والتعاون من أجل سد الأبواب أمام الأخطار المناخية لن يعزز قدرة الدول العربية على مكافحة أخطار التقلب المناخي فحسب، ولكنه سوف يوفر، أيضاً، فرصة للتعاون الوظيفي بين هذه الدول ويسهم في إرساء علاقات أفضل بينها فيحقق هدفاً مزدوجاً تفيد منه المجتمعات العربية، كما تفيد منه أيضاً دول العالم التي تأمل في تحول المنطقة العربية إلى أرض استقرار وسلام .

نقلا عن دار الخليج