مشاهدة النسخة كاملة : البناء السلطوي في موريتانيا: من سباق النخب.. إلى صراع الأجنحة


أبوسمية
04-02-2010, 02:06 PM
البناء السلطوي في موريتانيا: من سباق النخب.. إلى صراع الأجنحة


لقد باتت فرضية قوية تلك التي راجت داخل الأوساط السياسية والإعلامية عن حراك سياسي من شأنه أن يخرج الدولة والنظام السياسي من مرحلة الإرتجال والعشوائية في عمليتي صناعة واتخاذ القرارات، إلى طور بناء القواعد السياسية والأطر الحزبية الملائمة لحماية النظام نفسه من الهزات التي باتت تتهدد بقاءه واستمراريته من جهة، وللخروج من عقدة الانتقائية التي رافقت النظام السياسي الموريتاني منذ الانقلاب على ولد الطايع سنة 2005.
وإذا نحن انسقنا وراء وراء فرضية التغيير هذه، وحاولنا على ضوئها تلمس ملامح المرحلة القادمة وقراءة سيناريوهاتها الممكنة فإننا سنكون مجبرين على الأخذ في الاعتبار مجموعة من المتغيرات والمؤشرات المتداخلة والمركبة، بل والمعقدة أحيانا، مما يجعل من الصعب في هذه المرحلة على الأقل الفصل بينما هو واقع سياسي معاش وبينما هو مجرد استنتاجات ومحاكاة لحلقات مفقودة من سلسلة الأحداث والروابط والعلاقات التي تحكم حركية العملية السياسية وتفسر العلاقة بين متغيراتها، الأمر الذي يساعد على فك رموز اللعبة السياسية، وقراءة الصيغ النهائية للواقع السياسي المعاش أو المأمول.
والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق، والذي قد تشكل الإجابة عنه مدخلا لقراءة الحراك السياسي في هذه المرحلة، هو: إلى أي حد يمكن أن تسهم التغييرات الحكومية أوالحزبية في إخراج النظام الموريتاني من مأزق الصراع بين أجنحة السلطة نفسها؟، وهل سيشكل ذلك بداية للتنسيق والتجانس بين النخب التقليدية الثلاث( العسكرية_ البيروقراطية_ والاقتصادية) المسيطرة؟، أم أن الأمر برمته لن يعدو كونه محاولة يائسة أخرى لاحتواء التناقضات البنيوية التي يعانيها النظام السياسي، والذي يبدو الاعتماد المتبادل بين نخبه مجرد خيار مؤقت للتماهي مع التطلعات السلطوية من جهة، ولخلق الصورة الكاملة للنظام السياسي المتعدد النخب من جهة أخرى؟، وهل أن إرضاء النخب و الأجنحة سيكون كافيا لبناء تلك الصورة الكاملة في ظل غياب أو تغييب المجموعات والأحزاب السياسية القابعة خارج محيط الموالاة، والتي لن تفوت الفرصة للتحالف مع أي من الأجنحة في حال انشقاقه أو إقصائه من المعادلة السلطوية التي تبدوا في الغالب معادلة صفرية؟

طائر وثلاثة أجنحة..
علي الرغم من أن انقلابا 2005 كان قد أعاد النخبة العسكرية بقوة الي الواجهة السياسية الا أن انقلاب ولد عبد العزيز 2008 قد رسخ بشكل فعلي تلك السيطرة، بعدما فشل خيار اعل ولد محمد فال النرجسي في إبعاد المؤسسة العسكرية عن العملية السياسية، الأمر الذي زاد من حدة التوتر بين النخبتين العسكرية والبيروقراطية، في حين بقيت النخبة الاقتصادية متأرجحة بين شقي المعادلة بحكم ارتباطها بالمال السياسي، ونظرا لحساسياتها النابعة من سياقات اجتماعية وتحالفات مصلحية تقتضيها ضرورة حماية رؤوس الأموال وتحصينها من الضربات الموجعة للرقابة المالية والاقتصادية التي لا تكون موجعة بحق إلا في مناخات مماثلة من عدم التناغم والانسجام بين النخب.
لقد استطاع ولد عبد العزيز من خلال انقلابه فرض معادلة سلطوية جديدة تتوزع عناصرها وفق مسلمة مفادها أن النخب الثلاث يجب أن تكون مقسمة داخل البناء السلطوي بدل أن تتصارع حوله، لينتقل بذلك السباق النخبوي من مجرد البحث عن المكاسب السلطوية التي تمنحها المناصب السياسية والادارية السامية، إلى الصراع حول المواقع القيادية في الحزب الحاكم الذي يمكن أن يشكل مخرجا دستوريا ولو شكليا من حلقة الانقلابات المفرغة، خاصة بعدما حصدت أرض الانقلاب في غير مواسم الحصاد.
هكذا إذن انصهرت النخب الثلاث داخل أجنحة السلطة المتصارعة، وبات لكل جناح عسكريوه وبيروقراطيوه وأصحاب رؤوس الأموال التابعين له، وإن بقي لكل جناح ملامحه الخاصة التي تتحدد من خلال سيطرة نخبة -ما – داخله.

غالبا ما تدور اللعبة السياسية داخل البناء السلطوي في العالم الثالث حول نقطة مركزية وهي الزعيم أو القائد أو الرئيس، وأيا كان اللقب الذي يحمله هذا الأخير فإنه يبقى نق\\ة مركزية وحلقة وصل بين الأجنحة المتصارعة بفعل السباق السلطوي المحموم وتضارب المصالح بينها الأمر ذاته الذي يطبع النظام الموريتاني ذو الثلاثة أجنحة.

الجناح الأول:
يتكون هذا الجناح من مجموعات سياسية ذات صلة وثيقة بالمؤسسة العسكرية، وبخاصة الجنرالات اللذين ينسب لهم الفضل في اختيار ودعم ولد عبد العزيزبدءا من الانقلاب مرورا بالانتخاب، ويمكن الاصطلاح على هذا الجناح ذو النزعة العسكريوة ب"جنا ح ولد القزواني" هذا الأخير الذي يعتبر في نظر كثيرين الداعم الرئيسي والمؤثر الأكبر في العملية السياسية خلال المرحلة السابقة، كما يشمل هذا الجناح بيروقراطيين محنكين (وزراء سابقون، وبرلمانيون ...) وأصحاب رؤوس أموال كبار، والراجح أن يبقى هذا الجناح في ريادة السلطة السياسية متبوئا مراكز سلطوية وحزبية سامية ، الأمر الذي من شأنه أن سيتمر حتى في حال إجراء تغييرات على المستوى الحكومي والحزبي.
وبالرغم من المنافسة الكبيرة التي يواجهها هذا الجناح إلا أنه سيبقى ولأسباب سياسية وغير سياسية متعددة مسيطرا على قيادة الحزب الحاكم الذي يبدو في الرؤية الاستراتيجية لهذا الجناح الطريق الدستوري الأقصر والآلية الأنجع للبقاء في أعلى هرم السلطة بعيدا عن استخدام الوسيلة العسكرية التقليدية المتمثلة في الانقلابات.

الجناح الثاني :
يضم هذا الجناح كل من اختارهم محمد ولد عبد العزيز لدعمه والبقاء معه خلال رحلته الدؤوبة للبحث عن السلطة، وينطبق الأمر على الذين اختارهم منقلبا تماما كما على الذين اختارهم منتخبا لإدارة أزمتي المشروعية والشرعية اللتين مر بهما نظام ولد عبد العزيز قبل 18 من يوليو 2009، ويتشكل هذا الجناح أساسا من أصحاب رؤوس الأموال والبيروقراطيون الذين اعتبروا أنفسهم ضحايا لنظام ولد الطايع، أو الذين اعتبر عزيز نفسه أنهم بقوا بعيدين نسبياعن اللعبة السياسية خلال المراحل السابقة، أضف إلى هذا وذاك من اختارهم عزيز لارتباطهم بمحددات الوعي والثقافة السياسية لديه لما لهؤلاء من رمزية في مخيلته السياسية.
فرجال من أمثال بوعاماتو رجل الأعمال النافذ والمقرب من الرئيس إضافة إلى عدد كبير ممن يمكن اعتبارهم الأداة البيروقراطية للنظام الحاكم وحزبه، ناهيك عن شخصيات رمزية في التاريخ السلطوي للدولة أمثال هيداله وغيره . لاشك أنهم قد أعطوا دفعة قوية لهذا الجناح المعروف بسيطرته الاقتصادية المتنامية لدرجة أن مراقبين يحبذون وصفه ب"جناح ولد بوعاماتو" لمالهاذا الأخير من سيطرة اقتصادية متوسعة، ولبروزه بقوة في المعادلة السلطوية الراهنة، وإذا كان هذا الجناح قد استطاع بالفعل فرض نفسه داخل البناء السلطوي سواء على المستوى الحكومي أو الحزبي، إلا أن طموحاته الحزبية قد اصطدمت بجدار منيع اسمه التوازنات الاجتماعية والقبلية داخل الحزب والتي كانت قد رجحت كفة "جناح قزواني" في البقاء على رأس الحزب الحاكم.

الجناح الثالث:
أن تنتقل مجموعة ما من وضع المتهم الذي تحاصره الاتهامات ويتهدده المثول أمام القضاء، إلى عنصر يمكن أن يكون فاعلا في صياغة المعادلة السلطوية، فذاك أمر فيه نظر. وأن ينتقل الخصم السياسي من فضاء المعارضة الرحب إلى غرف المفاوضات الضيقة فلا شك أن قراءة جديدة قد طرأت على المصالح ولابد أن مواقف قد تغيرت. فلنسأل إذن مالذي تغير لينتقل اعل ولد محمد فال والمحسوبون عليه في نظر النظام الحاكم من زمرة مفسدين تجب معاقبتهم وتجريدهم من المال والسلطة، إلى مشاركين في العملية السياسية و مفاوضين حول ممكاسبها السلطوية؟
يعتقد بعض المراقبين أن الأيام القليلة القادمة ستحمل في طياتها الكثير من المفاجآت السياسية للشارع الموريتاني ذلك أن تقاربا كبيرا قد حدث بين مواقف كل من ولد عبد العزيز واعل ولد محمد فال بسبب مفاوضات سرية غير مباشرة قد تمت بين الطرفين، وبغض النظر عن الوسطاء الذين اعتمدهم الطرفان لتقريب وجهات النظر بينهما، فإن ملفات عديدة قد طرحت على طاولة المفاوضات ولعل أهمها تقديم ضمانات بإغلاق الملفات المتعلقة بالفساد والتي كان النظام قد لوح بها في السابق مرات عدة أمام كل من اعل ولد محمد فال والمحسوبين عليه من وزراء وشحصيات سامية، أضف إلى ذلك امكانية التفاوض حول صيغة محتملة لمشاركة جناح اعل ولد محمد فال في التشكيلة الحكومية القادمة أو تقلد مناصب سامية في الدولة، وإن كان الأمر قد لا ينطبق على شخص اعل نفسه الذي قد يفضل البقاء بعيدا عن الواجهة وإدارة ملفاته من خلال شخصيات معروفة بولائها له، وأخرى يمكن أن يبدأ هذا الجناح في ربط علاقة وثيقة معها شخصيات مثل محمد يحظيه ولد المختار الحسن وولد الواقف اللذين باتوا على مقربة من التخلي عن المعارضة التقليدية والانضمام لمايعرف بتيار "المعارضة الوسطية" التي كانت منحصرة في حزب تواصل برءاسة جميل ولد منصور
وفي ذات السياق تحدث البعض عن التحركات الكبيرة على مستوى البلدان الأوروربية التي قام بها اعل ولد محمد فال والتي كان لها الدور البارز في تحديد حجم الضغوطات التي يواجهها النظام الحاكم من قبل الدول الأوروبية التي يبدو أنها قد ربطت بشكل أو بآخر ملف المساعدات المالية والدعم السياسي بقضية اشراك التيارات المعارضة في العملية السياسية.
والواقع أن خيار إشراك بعض الأطراف في العملية السياسية هو مخرج فعلي للنظام السياسي من المأزق الذي وضعته فيه المعارضة التقليدية والتي باتت تضيق الخناق عليه خاصة على المستوى الأوروبي الذي بات يتعاطى مع النظام بكثير من الحذر في ظل تقارب هذا الأخير مع المحور المقابل للديبلوماسية الأوروبية خاصة غذا تعلق الأمر ببلدان كإيران وليبيا وغيرها من الدول، أضف إلى هذا وذاك ما يحظى به جناح اعل ولد محمد فال من قبول واحترام في أوروبا لنجاحه في إدارة الملفات الأبرز والأكثر حساسية والتي تعتبرها أوروربا والغرب مقياسا لانفتاح أنظمة الدول المماثلة وديمقراطيتها، يتعلق الأمر بتسليم السلطة للمدنيين بعد انقلاب 2005، وبملف العلاقات مع إسرائيل، إن هذا الجناح إذن قد بنا نفسه خارج ثنائية من اختاروا عزيزا ومن اختارهم عزيز، بل إن ملامحه قد تحددت وفق مبدأي أخف الضررين ومكره أخاك لا بطل.
ومهما يكن من أمر فإن الرهانات السياسية التي يطرحها التوجه الجديد للنظام السياسي والقائم على استراتيجية ابعاد الخصوم وتحييد المعارضة عبر خلق معارضة وسطية، قد تشكل درعا واقيا من الانتقادات والضغوطات الداخلية أو الخارجية التي يواجهها النظام، والتي من شأنها أن تضعف النظام السياسي الذي تتقاسمه أجنحة متسابقة سرعانما ستنكشف تناقضاتها وخلافاتها أمام تلك الضغوطات والانتقادات.

نقلا عن السراج الموريتانية