مشاهدة النسخة كاملة : الأخصائيون والنظام : هوامش على المعركة المختلة


أبوسمية
04-02-2010, 02:06 AM
الأخصائيون والنظام : هوامش على المعركة المختلة



محمد الأمين ولد سيدي مولود
ouldsidimaouloud@yahoo.fr

هي معركة بكل المقاييس،وما المعارك إن لم تكن شد وجذب وتوتر بوتيرة متسارعة ومتصاعدة؟ ما المعارك إن لم تكن استنزاف الطاقات (الكلامية وحتى السلطوية كالقرارات ) والهجوم والهجوم المضاد؟!
ما يدور في المستشفى الوطني بين النظام ممثلا بوزير الصحة ومدعوما بتعزيزات يقودها رئيس الجمهورية من جهة وبين الأطباء الأخصائيين من جهة أخرى تنطبق عليه مواصفات المعركة السالفة الذكر، لكنها معركة مختلة التوازن على مستوى القوى وتوازنها.
فالأخصائيون مجردون من كل أسباب المنعة والانتصار إلا من إتحادهم بوصفهم المتضرر الأكبر من أي تراجع أو هزيمة. أما النظام ففي يده كل مفاتيح اللعبة سوى تركيع نخبة قليلة العدد يفترض فيها الكثير من النضج والتماسك وما تركيعها بالأمر الهين.

ليست النتيجة المتوخاة من كتابة هذه الهوامش تحريض الأخصائيين على النظام فالقوم يعون ما يفعلون، ولا تخويفهم منه فمن لم يخف من كلام رأس النظام نفسه لن يلفت انتباهه تعليق كاتب "متدرب". كما ليس المقام تنظير لحتمية الصراع والتقديم لخسارة أحد الطرفين ففي الحوار ما يسع الجميع ومصلحة الوطن فوق كل اعتبار "والصلح خير".
إن المشهد اليوم في المستشفى يعيد إلى الذهن حقائق لم تفارقه بقاياها بعد، ويهيج الرغبة في تدوين ملاحظات عامة قد لا تنفع أحد الطرفين بقدر ما ترفع الحرج عمن يكتبون باسم مصلحة الوطن ويتفرجون على أمور مهمة تعني الوطن والشعب أولا قبل طرفي الصراع.

1ـ إن الأنظمة (وليس النظام الحالي فقط ) في بلدنا ـ مع الأسف ـ قد برهنت بالعمل المجاهر والصريح أكثر من مرة أنها أقرب إلى مزاج الأشخاص وردود أفعالهم منها إلى تصرف سلطات تراعى مصالح الجميع ولا ترتهن للصراعات السياسية الضيقة فبالأحرى الشخصية والذاتية المبنية على الانتقام لشخص القائد أو أحد رموز أعوانه، وحتى لا يبقى الكلام عاما أو يفهم أنه ألغاز سياسية موجهة تشير إلى ردات فعل كبرى من قبيل انقلاب أو حركة تصحيحية سنذكر القارئ الكريم بوقفات وقفت فيها السلطة موقف الأشخاص ضد نقابات، أو موظفي قطاع معين، أو نقابات، انتصارا لوزير معين أو رئيس معين وليس مراعاة لمصلحة عامة.
من تلك الأمثلة: قضية القضاة في الفترة الانتقالية التي قادها الرئيس السابق اعل ولد محمد فال ووزير عدله محفوظ ولد بتاح، قضية المحامين أيام ولد الطايع وما بعده وهي تتكرر أو يحاول البعض تكرارها اليوم، قضية إضراب نقابات التعليم قبل أسابيع وموقف السلطة وما جندت من وسائل التخويف والإغراء والضغط والوساطة حتى بالقبائل، قضية اللجنة الحقوقية وعزل كل من كان يمنحها جزء من المصداقية بمن فيهم رئيسها ولد همدي ورئيس "نجدة العبيد" بوبكر ولد مسعود. ابتداع منسقية الأرقاء السابقين الرسمية، ورابطة أئمة النظام و"تصنيع" نقابة للتعليم العالي رسمية....الخ
بمعنى أن الأنظمة تريد تقليم أظافر كل من يملك ذرة من الإرادة أو الاستقلالية أو استرداد الحقوق حتى ولو كان من جهة غير سياسية كالأخصائيين. كما تريد تأميم كل شيء في نوع من صناعة الديكور وتمييع التفاعل السياسي الطبيعي وتذويب الاختلاف المشروع فتؤمم النقابات والأرقاء والأئمة والمحامين.......الخ

2 ـ الأخصائيون وإن كانوا دخلوا هذه المعركة ببداية شريفة أي الثورة لصالح الأخصائيين والوقوف ضد التمييز المجحف جدا لصالح أجانب لا يزيدون على خبرتهم حسب دعواهم، ولهدف شريف ولا زال المشوار شريفا بل أصبح أشرف عندما تعاطفوا مع زميلهم المعاقب، فإن عليهم أن يتذكروا جوانب من طبيعة الصراع وملامح الطريق:
ـ دخول أي معركة ضد أي خصم يعنى الجاهزية المسبقة لاستقبال كل الاتهامات من الطرف الخصم أحرى إن كانت تلك الاتهامات لها ما يبررها مثل ما يقوله أهل النظام ـ بل قاله الرئيس نفسه ـ من تقصير في الأداء وميل لصالح العمل الخاص في العيادات ضد العمل العام، وبعض التجاوزات في التسيير أحيانا. وهي ملاحظة نعلم علم اليقين أنها ليست عامة في هذه النخبة ـ لكنها موجودة ـ كما أننا على يقين تام أن طرف النظام إن أخذناه كطرف في الميزان ضد هؤلاء تنجر عليه نفس الملاحظات وبصفة أبشع، بما في ذلك بعض وزرائه خصوصا في شأن العيادات!
كما نعلم أن هذه الملاحظات لا تطعن في شرعية المعركة الآن ، ولا في شرفها لكنها قد تشوش على البعض ومن الوارد أخذها في الحسبان لتفاديها في المستقبل بالنسبة لجميع القاطاعات.
ـ على الأخصائيين أن يدركوا أن النظام جدي في هذه المعركة وأنها نموذج بارز للانتقام لصالح الأشخاص وضد الأشخاص وهو الداء الذي أشرنا إليه في البداية بوصفه ميزة لأنظمتنا المتعاقبة. ودليل جديته الإبقاء على وزير الصحة بعد التعديلات يوم أمس بل إن تصريحات الرئيس تشجع الوزير على مزيد من التصعيد، كما أن عليهم أن لا ينسوا موقع الوزير نفسه وأنه أبلى بلاء "حسنا" قبل أسابيع عندما جرد قلمه لسب أشخاص قادة المعارضة وشتمهم بحدة شديدة وبأسلوب خرج عن المألوف.

3 ـ يحتاج الأخصائيون في هذه المعركة إلى ظهير وإلى عدة ولا يكون الظهير إلا بتأليب مناصرين مستقلين وشخصيات ذات مصداقية بعيدا عن التجاذب السياسي القائم بين المعارضة والنظام حتى لا يفسر تحركهم المشروع في إطار الحسابات السياسية ـ وهو شأن لن يتورع عنه النظام حتى ولو لم يقع ـ كما لا تكون العدة إلا بأدوار إعلامية متميزة وبإدارة المعركة بحكمة وصبر أول هذه الحكمة الاستعداد الدائم للتفاوض دون التفريط في حقهم وفي مصلحة بلدهم ، وأساس هذا الصبر صبرهم على الإتحاد فيما بينهم فقلة عددهم ونضجهم تساعد كثيرا على كسب معركة كهذه. كما أن عليهم وعلى السلطة أكثر منهم أن يدركوا جميعا أن هنالك مرضى في ظروف صعبة للغاية وبالإمكان أن تتأثر ظروفهم سلبا باستمرار هذا الصراع.

4 ـ أما النظام فمن الممكن أن يتفهم أن العناد ليس هو القوة بل قد يكون عناد ضعف وهو أشد العناد إذ يشعر صاحبه بالهزيمة وعدم الثقة بالنفس ويخاف من التراجع حتى ولو كان من الممكن استغلال ذلك التراجع لصالحه. كما أنه من المحبذ أن يستنكف عن الدس بأعلى مستوياته الهرمية في أتفه الصراعات الجزئية (إقالة طبيب أو تحويل معلم مضرب أو تعليقه).

إن العمل النقابي والعمل النضالي عموما لا يعني المعارضة ولا الجريمة، ولا تعني المعارضة نفسها الجريمة ولا الخيانة، بل حتى الجريمة تبقى درجات منها ما يمكن علاجه بالاحتواء أو الصفح أو الإغراء...وهذا ما نحتاج فهمه فآخر الدواء الكي.

نقلا عن الأخبار