مشاهدة النسخة كاملة : حتى لا تعطل فريضة الجهاد


أبوسمية
04-01-2010, 08:28 PM
حتى لا تعطل فريضة الجهاد

التأم مؤخرا في نواكشوط مؤتمر دولي حول الوسطية والاعتدال بإشراف وتنظيم من طرف جمعية المستقبل للثقافة والدعوة والتعليم التي يرأسها العلامة الكبير الشيخ محمد الحسن ولد الددو صاحب اليد الطولى في مجال الدعوة إلى الله على بصيرة والتاريخ النضالي المشرف الذي جعله مرجعية موثوقة ومؤتمنة لكل التيارات الإسلامية المتشددة وغير المتشددة.


ويعكس الحضور المتميز ولائحة المدعوين المكانة السامقة التي احتلها الرجل عن جدارة ليس على المستوى الوطني فحسب وإنما على المستوى العالمي مما شرف نواكشوط و به صارت عاصمة فعلية للفكر الإسلامي المتنور، عاصمة يأرز إليها أساطين الفكر وعمالقة الدعوة من أمثال عصام البشير وإمام الحرم المكي وغيرهم ممن تتلمذ عليهم الآلاف من ابناء هذا البلد دون أن يلتقوا بهم فكانت هذه الندوة مناسبة لإرواء العطش والالتقاء بالنبع الفياض لهذه النخبة التي حازت قصب التقدم بامتياز.
ولأن المؤتمر قد عقد وانتظم حول عنوان كبير هو الوسطية والاعتدال مع ما يحيل إليه هذان المصطلحان من دعوة صريحة لنبذ العنف والتشدد المنبوذين أصلا مما أعطي الفرصة للملبسين من ذوي النوايا السيئة لسحب ذلك على كل التيارات بما فيها المقاومة المشروعة وهو ما كانت الندوة براء منه فإني أود أن أقدم في هذا الإطار مجموعة من الملاحظات مستهلا إياها بأمر معروف لدى القيمين على الندوة، وهو أن المسلمين مطلوب منهم في صريح القرآن الكريم أن لا يكونوا أول جانح للسلم حيث قال جل من قائل: " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" حيث جعل جنوح الأعداء له شرطا لجنوح المسلمين له، كما قال عز وجل " ولا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون"، والمؤكد أن الأعداء في هذا الزمن ما جنحوا أبدا إلى السلم وإنما استباحوا المحارم واغتصبوا الأرض والعرض واستهتروا بالمقدسات فلا مجال إذن لتأكيد حسن النية تجاههم ذلك أنهم لا يفهمون غير لغة المنازلة والحديد لا يفله إلا الحديد وهو ما يدعوا لضرورة أن تكرس هذه الندوة وغيرها من الندوات مستقبلا لترشيد طلائع الجهاد وتوجيهها ودعمها لا أن تكون مناسبة لكبحها وقمعها كما تتأكد الحاجة لضرورة إقامة ندوة خاصة حول الجهاد شروطه وضوابطه وحجيته والموقف من الحكومات المعطلة لهذه الفريضة وهذا الركن المكين من أركان الشريعة والموقف الذي على الشعوب المستضعفة أن تصدر عنه، هذا الموقف الذي تعتبر هذه النخبة من علماء الأمة المؤهلة وحدها لإصداره و التي تتحمل أمانة تاريخية في ذلك بحكم ورثتها لمحمد صلى الله عليه وسلم المجاهد الأول وبحكم هذا النكوص والخنوع الذي ضرب أطنابه في كل بلاد المسلمين.
ولكي نضع هذه الملاحظات في سياقها نقول إن العالم الإسلامي وخصوصا العربي قد شهد ومنذ بعض الوقت حراكا متسارع الخطى عميق الدلالات متعدد الإحالات والتداعيات متساوق الحلقات متكاملها لدرجة يمكن معها القول إنه تساوق يحيل بعضه لرقاب بعض تجسيدا لاستراتيجية محكمة التصور مدفوعة وبقوة لتحقيق أهداف بريئة ونزيهة وذات نفع عام ظاهريا لكنها تصب بالنسبة لكل من يتجاوز المظاهر ويقرأ ما وراء الدوافع في كفة أخرى تنسف جوهريا هذا المعطى الأول تبعا لاستبطانها رغبة جادة وسعيا حثيثا لتقليم أظافر الأمة وتجريدها من مواطن القوة فيها عن طريق إطفاء جذوة الكبرياء والرفض التي هي آخر خندق من خنادق الدفاع عن هذه الأمة المستباحة و التي صارت فضاء مفتوحا تداعت عليه الأمم كما تداعى الأكلة على القصعة، والتي لم يترك لها باب أمل إلا وأغلق فسحة فرج إلا وسدت ضمن استيراتيجية تدمير شاملة لم تتورع عن استخدام أسلحة الخير بعد أن أفلست ودمرت أسلحة الشر.
هذا الحراك الفكري الرافع لواء الوسطية والداعي إلى الاعتدال والذي تزعمه علماء أفذاذ مشهود لهم بالورع والاستقامة والذين قدموا تضحيات جساما، صمودا في وجه الطغاة و حملا لمشاعل الهداية وتحقيقا لمقتضيات النمذجة والقدوة الحسنة، تم تمريره بما سمح للمولعين بتحريف الكلم عن مواضعه لجعله ضمن سياقات أخرى بحيث يكون تسفيها لقوى الرفض وتحجيما لجيل الثورة والكبرياء جيل استطاع في لحظة وعي فريدة أن يرتفع عن أوجاع الإفاقة الشقية وصرعات الوقع المرير التي أهلكت المتساقطين على المسيرة من ذوي النفوس المريضة ليطرح مستوى آخر للفعل وليدشن عقلانية فريدة وجديدة كشف بها وعلى الملإ سوآت الأعداء وعوراتهم وفند أساطيرهم مبتكرا أساليب من المواجهة بها أيقن المحتلون والغاصبون أنه لا أمان ولا سلام لهم ما داموا يستبيحون حرمات الأمة وينتهكون مقدساتها... أنه لا قرار لهم ما داموا يسعون لاذلالها.. أن هذه الأمة قادرة على أن تنجب ليس الأنظمة الورقية والزعامات الخانعة الخاضعة والمستكينة وإنما النقيض الفكري والتاريخي وحتى البيولوجي لهذه الشرذمة التي هي نشاز يؤكد قاعدة الفعل والفاعلية الدائمة في هذه الأمة مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم "ما تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم ما خالفهم...".
لقد أراد أعداء الأمة ومن خلال الأنظمة العميلة التابعة لهم إنتاج مقاربات "إسلامية" و"عربية" لمحاربة هذا الجيل ونسف كل أساس فكري وأنطولوجي يمكن أن يستند إليه أو ينتجه ورغم تأكيد العلماء وكما هو منتظر منهم على أن المراد هنا هو نبذ العنف والتطرف الموجه ضد المسلمين وإلى الأبرياء من المعاهدين، ورغم تبنيهم الجهاد في سوحه ودفاعهم عنه إلا أن الأبواق الإعلامية للمرجفين حاولت أن تقدم هذه الملتقيات على أنها قراءة جديدة للدين الإسلامي تنتزع منه كل دعوة لمنازلة الأعداء وكل آية تلعن الكفار وتدعو للتبرؤ منهم لدرجة أن أحد المحسوبين على المنابر العلمية في السعودية ربما تحت تأثير ضغط حكومته قد رفض التبرؤ من الكفار في الحج، كما دعت إلى ذلك بعض المرجعيات الدينية في إيران.
صحيح أن الشباب الرافع للواء الجهاد قد اختلط عليه الحابل بالنابل ووجه في أحايين كثيرة سهامه للمسلمين وللمعاهدين مما كان محلا للاستنكار والاستهجان وصحيح أيضا أن بعض منتسبيه ومنسوبيه يحتاجون الترشيد، يحتاجون التوجيه، وصحيح أن العلماء الأجلاء الفضلاء هم خير من يقوم بهذه المهمة النبيلة الهامة والضرورية هداية للضوالي ووقفا أمام ردات الفعل الغير محسوبة والمبادرات غير الواعية التي هي وفي أحايين كثيرة قفز في الظلام وانتحار أعمى به تفقد الأمة الكثير من المقدرات وبه يخسر الجهاد قنابل فعالة وقاتلة كان من اللازم أن توجه إلى صدور الأعداء مما يجعل التوجيه والترشيد أمورا لا يمكن أن تعوض كما يجعل تدخل هؤلاء في محله ليقولوا إن هذا حرام وهذا يلزم أن يوجه إلى كذا، لا أن يكون في القول تسفيه وقمع وأن يكون محاولة لنسف الأسس التي تقوم عليها الممارسة الجهادية والتي يستند أصحابها إلى ركن مكين من أركان الشريعة عصي عليهم تركه وهم الذين ضحوا بالمال والأهل والأنفس لمجرد أنه ليس رأيا لشخص انطلق من ضرورات هم غير واعين بها حتى ولو كان في يوم من الأيام قدوة ومثالا لهم، ذلك أنه إنما كان كذلك لكونه يتمثل أفكارهم ويشاركهم قناعاتهم، أما وقد بدل القول دون تقديم المسوغات فمن المؤكد أنهم تاركوه لقوله وفاء لمبدئهم القائم على قيس الرجال بالحق وليس الحق بالرجال، فكل كلام يؤخذ منه ويرد إلا كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو ما يفرض على العلماء تبليغ حججهم وتقديمها واضحة لا لبس فيها حتى لا يفقد فيهم الشباب المجاهد الثقة فيتخذ مرجعية ضالة من عنده تدعوه إلى الشطط والاستهتار مما ستكون له مخاطر كارثية على الأمة بأسرها.
أمر آخر لابد أن يحترز منه العلماء وهم يرأسون هذه الندوات وهو ضرورة إقامتها بعيدا عن ظل السلاطين ذلك أن ظلهم سيء السمعة ويسيء لصورة العلماء لدى كل الجهات المستهدفة بالترشيد والدعوة والتي تستحضر دوما مقولة إمام المجاهدين أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى القائل/ "من لعق مرق السلطان احترقت شفتاه" كما أن هؤلاء السلاطين وتلك الحكومات وهو ما يعزز الطرح السابق كانت دوما في خدمة الأجنبي ولا تتحرك إلا لتحقيق أجندته الخاصة، فلقد دعمت أغلب دول ما يسمى بالاعتدال إن لم نقل العميلة الجهاد في أفغانستان ضد الاحتلال الروسي عندما كان ذلك في مصلحة الأمريكان وأذكر أني كنت حينها في المعهد السعودي وكنا ندرس أن الجهاد يكون فرض عين عندما يهاجم ثغر من ثغور المسلمين وكانوا يقدمون أفغانستان على أنها الثغر المهدد دافعيننا لإجابة داعي النفير وقد تبرعنا حينها بجزء من المكافأة الشهرية لذلك الجهاد وعندما حدثناهم عن ضرورة تقديم الدعم لفلسطين على اعتبار أنها هي الأخرى ثغر من ثغور المسلمين قد استباحه الأعداء ويجب بالتالي فيه الجهاد كانوا يصرفوننا عن ذلك صرفا ولم نكن ندري سبب هذه الانتقائية ولم نفهمها إلا بعد ذلك بسنوات عندما دحر الروس وأصبحت محاربة المجاهدين على رأس أولويات الإدارة الأمريكية، وهنا تخلت السعودية عن دعم المجاهدين بل وأسهمت في حربهم ضاربة عرض الحائط بكل الإرث الفكري وكل الالتزامات الأخلاقية اتجاههم لتؤكد من خلال الفعل على أنها تحقق الأجندة الأمريكية فإذا ما حارب الأمريكان الإسلام حاربته وإذا هادنته هادنته معهم وهو ما فهمه المجاهدون هناك فحملوا السلاح ضدها وضد حلفائها ضمن قصة معروفة.
المهم أن هذه الجهات التي تدعم من وراء الستار هذه التحركات جهات معروفة بالانبطاح والرجعية ولم تتحرك قط إلا من أجل تحقيق أجندة أمريكية إذ تنوب عن أمريكا عندما تكون هذه الأخيرة غير مستطيعة التدخل وعاجزة عن استخدام الرموز الدينية فتوكل إليها وهي ذات التاريخ السلفي الذي كفرت به بعد ذلك مهمة بلورة استراتيجيات ومقاربات إسلامية ورعاية آليات ووسائل الإنجاز سواء في لبنان أو أفغانستان أو حتى في الكونترال وهو ما يلقي ظلالا من الشك والريبة حول هذا التدخل الذي يستبطن دوما إرادة أمريكية.
صحيح أن القائمين على ندوة نواكشوط بعيدون كل البعد عن هذه النوايا وتلك الأهداف المبطنة وهو ما أكدوه من خلال تضمينهم البيان الختامي نصا صريحا مفاده أن هذا لا يعني إلا التشدد الموجه للمسلمين والمعاهدين والذي تستثنى منه حركات المقاومة في فلسطين وأفغانستان والعراق، ولكن ذلك لم يمنع المرجفين من تسويقه على اعتبار أنه رفع للرايات البيضاء وإقصاء لكل القوى المخالفة لقوى الاستكبار العالمي في سوح محاربة ما يسمى بالإرهاب وإظهارها على أنها قوى خارجة عن الإجماع الإسلامي الذي مثله هؤلاء الرواد الأفذاذ وعلى مدى عقود عديدة، وبمناسبة الحديث عن ندوة نواكشوط الأخيرة نشير إلى أن بعض المدعوين يأخذون عليها كون جزء من منظميها غير حواريين ورافضين للآخر وهو ما مثله أشخاص هامشون يحسبون أنفسهم على التيار المحسوبة الندوة عليه إذ اعتبروا وفي نقاش لي مع بعضهم أنه لا مجال لهذه الملاحظات التي يبديها شخص غير مؤهل للحديث عن أمر كبير هم وحدهم المخولون لاستخلاص الخلاصات منه وجعلها دروسا ومواعظ تفرض على الناس قسرا ودون نقاش كما تجلى أيضا في إعطاء من لا يمثلون التيار الطاغي ثلاث دقائق فقط للتدخل وهو ما جعل أحد هؤلاء المدعوين وهو الشاعر ولد زاروق يرفض التعقيب والتعليق المقيد على اعتبار أنه لا يتماشى وطبيعة السلفيين ضمن استخدام لرموز ومفاهيم معروفة لدى هذه المدرسة، هذا فضلا عن إثارة بعض الشبه التي شوشت على العامة من قبيل تحدث العلامة الكبير عصام البشير عن النصارى باعتبارهم إخوة وجواز وصفهم بذلك مستشهدا بقوله تعالى: (وإلى ثمود أخاهم صالحا) ناسيا أن صالحا إنما وصف بأخي ثمود لكونه ابن أبيهم وهو ما لا يمكن الاستشهاد به فيما يتعلق بالأخوة عند اختلاف الدين والنسب وغير ذلك من الأمور التي ليس هذا المقال محلا لها.
أمر آخر لابد من الإشارة إليه وهو أن العلماء يتحركون على أرض ملغومة بها قوى شريرة متربصة ساعية لتوريطهم واستغلالهم حتى تتصدع العلاقة بينهم وبين الجهاديين وهو ما يفتح أبوابا من الشر لا يمكن التنبؤ بما ستسفر عنه، كما أن مسألة الجهاد وبشهادة هؤلاء العلماء وكما أشاروا إلى ذلك في كل المناسبات فريضة تتعين لدعوة الحاكم وبدون بدون دعوته إذا تمت مهاجمة ثغور المسلمين وقد توعد الله تاركيه بالذل والمهانة، وعليهم أن يمجدوا ويرشدوا القائمين عليه ذلك أنهم الأبدال والعصائب المعنية بالقول المأثور "أبدال الشام وعصائب العراق" والذين حددهم الشيخ الددو في حديث سابق له بكونهم القائمين على أمر الله والمجاهدين في سبيله المرابطين على الثغور.
نحن نحتاج من علمائنا فكرا يشحذ العزائم ويرشد المسيرة ويحمس الشباب ويدفعهم إلى التضحية في سبيل الله بحيث يحققون الخيرية الباقية في هذه الأمة والتي لن تنمحي أبدا ولن تنتهي إلى يوم القيامة.
نريدهم أن يتفاعلوا مع هموم الأمة ونبض الشارع... مع الشعراء الكبار القائلين:
هل تعلمي يا أمتي
ماذا وراء الأكمه
هل تعلمي ما بيتت
لنا جيوش الظلمه
وصلة مستوصلة
تحمي البلاد المسلمه
صليبها معلق
ترنوا إليه الأوسمه
أليس في شبابنا
من وهب الله دمه
فما رأينا كافرا
يعبد إلا صمنه
وما رأينا تاجرا
إلا ويحمي درهمه
هذه الفريضة إن لم يقم بها المسلمون الحاليون من العرب قيض الله لها أمما أخرى مصداقا لقول الحق تبارك وتعالى: (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) وهو ما نلاحظه الآن في هذا المد والعنفوان الإسلامي الكبير في إيران بل وفي تركيا التي كانت وإلى عهد قريب تحتفل بسقوط الخلافة الإسلامية والتي سلط عليها من وسائل التغريب والمسخ ما لا حصر له، ولكن ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، وهم مغلوبون مصداقا لقول الحق تبارك وتعالى: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون)، وعلى العموم فالجهاد ماض إلى يوم القيامة ذلك أنه لا مجال لأن تنطفئ جذوته وقد قال الشاعر:
ألا أيها الناهي فزارة بعدما
أجدت لحرب إنما أنت واهم
عبد الفتاح ولد باب
كاتب صحفي


نقلا عن وكالة انواكشوط للأنباء