المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عودة الرئيس.. ودروس الغياب (عبد الله إسحاق)


رشا
11-29-2012, 09:06 AM
عودة الرئيس.. ودروس الغياب (عبد الله إسحاق)

مرت موريتانيا خلال الفترة الماضية، بمرحلة حرجة إثر غياب رئيس الجمهورية لفترة غير معهودة ولم تكن متوقعة، عقب الحادث الذي تعرض له في 13 أكتوبر الماضي. وزاد من قلق الموريتانيين ومخاوفهم، عدم توفر معلومات تطمئنهم على الحالة الصحية للرئيس طوال هذه الفترة التي استمرت أكثر من شهر كامل.
لذلك لا غرابة أن يستقبل رئيس الجمهورية لدى عودته يوم السبت الماضي (24/11/2012)، استقبالا شعبيا حافلا. وبهذه المناسبة لا بد من الحمد والشكر لله أولا، والتهنئة الواجبة والمستحقةلأسرة الرئيسوجميع أفراد عائلته، كما نهنئ الشعب الموريتاني بكل فئاته، موالاة ومعارضة، لأن غياب رأس الدولة ورئيسها في ظروف بالغة الحساسية وشديدة التعقيد، محليا وإقليميا، كان يمكن أن يجر البلاد، لا قدر الله، نحو منزلق خطير على حاضرها ومستقبلها، ولا تقتصر مخاطره على طرف دون آخر، وإنما تهدد كل الوطن وجميع المواطنين.
وبعد هذه العودة الحميدة، لا بد من وقفة عقلانية متأنية، لاستخلاص الدروس والعبر من هذه المحنة العصيبة والامتحان الصعب وغير المسبوق الذي مرت به البلاد، وهي وقفة مطلوبة من كل القوى الوطنية الحية، سياسيا وفكريا وثقافيا، وبكل شفافية وموضوعية، من أجل الوطن كل الوطن، وليس من منظور فئوي ضيق أو سياسي آني قصير المدى.
ولعل من أبرز الدروس الممكن استخلاصها، في هذه المرحلة على الأقل، ما يمكن إجماله على النحو التالي..
أولا؛ لقد أظهر الجيش الو طني مجددا، أنه جيش وطني جمهوري، قادر وحريص على حماية الأمن الوطني وصيانة القيم الجمهورية، في أصعب الظروف وأشدها حرجاً. وهذه حالة نادرة في الدول حديثة العهد بالديمقراطية واحترام المؤسسات الدستورية، وتمثل مكسبا وطنيا حقيقيا، يبعث على الطمأنينة لدى الموريتانيين، ويهيئ لمرحلة جديدة أكثر أمنا واستقرارا، كما يطمئن الشركاء الخارجيين لموريتانيا، ويزيدهم ثقة في استقرارها الأمني وسلامة مسارها السياسي.
ثانيا؛ الموقف النبيل الذي اتخذته قوى المعارضة، بما فيها أكثرها تشددا في العادة، عندما علقت أنشطتها السياسية التعبوية وسعت للتحاور والتنسيق مع قوى الأغلبية، عقب الحادث الذي تعرض له رئيس الجمهورية. ففي مثل هذه المواقف لا مجال، بمعايير الوطنية، للانتهازية ومحاولات الاصطياد في المياه العكرة، على حساب المصلحة الوطنية العليا وسلامة أمن الوطن واستقراره.
وهذا يدفع للأمل بمرحلة جديدة من النضج السياسي، والعمل على ترسيخ المسار الديمقراطي واحترام المؤسسات الدستورية، إذ لا ديمقراطية دون معارضة وطنية، ولا معارضة وطنية بغير احترام المؤسسات الدستورية والحرص على سلامتها وتوطيد دعائمها.
ثالثا؛ بعد هذا الامتحان العسير وما رافقه من بلبلة، بعضها طبيعي وبعضها مفتعل، وبما أن واضعي الدستور الموريتاني قد أغفلوا سهوا، أو لأي سبب آخر، حالة الغياب المؤقت لرئيس الجمهورية لأسباب طارئة، فربما حان الوقت لإعادة النظر في المواد الدستورية الخاصة بمنصب رئاسة الجمهورية، بحيث تتضمن وجود نائب للرئيس، بالانتخاب أو التعيين، أو النص على أن يفوض رئيس الجمهورية صلاحياته، كليا أو جزئيا، إلى الوزير الأول، في حالة تعرض الرئيس لأي عارض يعيق قيامه بمهامه المعتادة لأكثر من 15 يوما متصلة (مثلا)، على أن تكون مدة التفويض محددة، وبحيث لا تزيد في مجموعها عن 45 يوما (نصف المدة المقررة في حالة شغور منصب الرئاسة).
رابعا؛ لم يكن التعاطي الإعلامي الرسمي مع هذه الحالة الطارئة غير المسبوقة، على مستوى أهمية الحدث وخطورته، وهذا يستدعي، بل يفرض مراجعة جدية وجذرية للسياسة الإعلامية عموما، بجانبيها المهني والسياسي. فقد ظل الموريتانيون في الداخل والخارج، رهائن للشائعات والتكهنات حول ملابسات الحادث الذي تعرض له رئيس الجمهورية، وحول حالته الصحية طوال فترة غيابه، دون أن يجدوا معلومات واضحة ومؤكدة، ولو جزئية، تطمئنهم وتزيل قلقهم ومخاوفهم من المجهول. وفي عالم أصبح الإعلام فيه هو السلطة الأولى والسلاح الأشد وقعا والأسرع تأثيرا، لم يعد معقولا ولا مقبولا أن تحاط قضية بهذا القدر من الأهمية، بالصمت والغموض، أو أن يتم التعاطي معها بالتجاهل وكأن شيئا لم يكن!
خامسا؛ في ما يخص الإجراءات الخاصة بحماية وأمن رئيس الجمهورية، فإن حماية رئيس الدولة ليست مسألة شخصية، ولا يجوز أن تعتبر كذلك، وإنما هي قضية وطنية يجب أن تحاط بأقصى معايير السلامة والاحتراف الأمني، حتى لو تعارض ذلك مع رغبة الرئيس نفسه. فموقع الرئيس ومنصب الرئاسة ملكية عامة لكل الوطن، ولا مجال فيها للرغبات الشخصية، ولا مكان في قضايا الأمن الوطني لحسن النية أو المجازفة بأي احتمال مهما كان ضئيلا.
ورغم كل ذلك، يبقى الأمل أن يكون هذا الامتحان العسير بداية لمرحلة جديدة من الوعي السياسي والأمني، ومدخلا لعهد مختلف يقود إلى المصالحة الوطنية الشاملة، وإلى مزيد من التلاقي والتحاور بين مختلف القوى السياسية، من أجل المصلحة المشتركة والوطن الواحد.

نقلا عن الأخبار