مشاهدة النسخة كاملة : الناس على دين دساتيرهم


أبوسمية
03-31-2010, 09:43 AM
محمد ولد المختار الشنقيطي يكتب : الناس على دين دساتيرهم


نشأ الفقه السياسي الإسلامي مطبوعا بطابعين يحسن فهمهما. أولهما، أنه ينتمي إلى عالم الإمبراطوريات لا عالم الدول. وقد لاحظ الفيلسوف الألماني هيغل أن "المواطن الحر الوحيد في الإمبراطورية هو شخص الإمبراطور
لذلك لا عجب أن كان تركيز فقهائنا في الماضي على هذا "المواطن الحر" وما يتسم به من صفات -أهمها الإسلام- أكثر من تركيزهم على ركام العبيد المحيطين به.
وثانيهما أن العقد الاجتماعي الذي انبنت عليه الإمبراطوريات القديمة، ومنها الإمبراطوريات الإسلامية المختلفة (أموية وعباسية وعثمانية) تأسس على قانون الفتح وأخوة العقيدة لا على المساواة بين موطنين أحرار، كما هو الحال في الديمقراطيات المعاصرة.
فالإمبراطوريات تتوسع باستمرار، ولا تثبت حدودها إلا حيث تقف (أو تهزم) جيوشها. والفاتحون هم من يملك حق الحكم السياسي، أما الشعوب المغلوبة فأمامها أحد خيارين، إما أن تباد أو تُستعبَد دون أمل في تغيير وضعها إلى المساواة مع الشعب الفاتح (كما هو الغالب في الفتوحات الرومانية والمغولية القديمة)، وإما أن تُمنح مواطنة من الدرجة الثانية مقابل ضريبة مالية، مع فتح الباب لها للمساواة إذا اعتنقت ديانة الشعب الفاتح (كما هو الحال في الفتوحات الإسلامية).
وربما يستثير هذا الكلام عن الفتوحات الإسلامية بعض من اعتادوا المدح بالتاريخ من الذين يخلطون بين صورته وعبرته. والحق أن المسلمين كانوا أرحم الفاتحين في العصور الوسطى، كما شهد بذلك العديد من المؤرخين الغربيين المنصفين، مثل الفرنسي "غوستاف لوبون" في كتابه "حضارة العرب" La Civilisation Arabe، لكن هذا الحكم يجب أخذه في سياقه الزمني، فهي رحمة نسبية مقارنة مع توحش الفاتحين الآخرين الذين أبادوا أمما بالكامل.
لكن الإمبراطورية الإسلامية –شأنها شأن كل إمبراطورية- لم تتأسس على عقد اجتماعي يسوي بين مواطنيها، وما كان فيها من تسامح ديني وسياسي –يستحق الفخر والإشادة في سياقه التاريخي- ليس قريبا مما نطمح له اليوم من تحقيق مفهوم المواطنة المعاصر.
الجغرافيا والعقد الاجتماعي الجديد
إن بناء الدول على أساس من قانون الفتح والتضامن العرقي (كما كان الحال في الإمبراطورية الرومانية والمغولية)، أو على قانون الفتح وأخوة العقيدة (كما كان حال الإمبراطورية الإسلامية) لم يعد مناسبا أخلاقيا، ولا ممكنا عمليا. فالدولة المعاصرة لا تتأسس على الاشتراك في الدين أو العرق، بل على أساس الجغرافيا.
وإذا تحدثنا بلغة الفقهاء فيمكن أن نقول إن العقد الاجتماعي الجديد هو عقد ملكية عقارية، ولكل شريك في هذا العقد حق الانتفاع بالعقار، وحق الشفعة، وحسن الجوار، وعليه واجبات الصيانة، والدفاع، وإعادة البناء. وليس اختلاف العقيدة أو العرق بمؤثر على هذه الحقوق والواجبات. فما يجمع بين كل الدول المعاصرة هو هذه الأولية لعامل الجغرافيا على العوامل الأخرى التي كانت أساس العقد الاجتماعي في الإمبراطوريات القديمة، مثل الاشتراك في المعتقد أو العرق.
واللافت للنظر أن العقد الاجتماعي الجديد المؤسس على الجغرافيا أكثر انسجاما مع التجربة الإسلامية الأولى في المدينة على عهد النبوة، وهي تجربة سابقة على العصر الإمبراطوري في التاريخ الإسلامي، وأوْلى بالاعتبار مصدرا للأخلاق والقوانين السياسية الإسلامية.
فحينما أسس النبي صلى الله عليه وسلم أُولى دول الإسلام في المدينة، كان من بين مواطنيها مسلمون ويهود. وقد منحت الدولة الجديدة اليهود حرية الديانة وكامل المواطنة، لأنهم أعضاء مؤسسون في العقد الاجتماعي الذي قامت على أساسه الدولة، ولم تأخذ الدولة من اليهود ضريبة الجزية التي أخذها المسلمون من المواطنين غير المسلمين فيما بعد.
والمتأمل في دستور الدولة النبوية يجد قبولا بتعدد الهوية، وإقرارا بالمعاني المتعددة لمفهوم الأمة، فهو يؤسس للأمة الاعتقادية التي ينتمي إليها كل المسلمين داخل المدينة وخارجها، والأمة السياسية التي يدخل فيها المسلم وغير المسلم على قدم المساواة.
لذلك نصت الوثيقة على أن "يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم" (المادة 25)، ثم عممت الوثيقة هذا الوضع ليشمل جميع القبائل اليهودية بالمدينة (المواد 25-35). فدستور المدينة جعل كلا من المسلمين واليهود أمة بالمعنى الاعتقادي، لكنه دمجهما في أمة سياسية واحدة تجمع بينها الجغرافيا والحقوق السياسية.
ومن هذه الحقوق والواجبات السياسية أن "اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين" (المادة 24) وأن "بينهم النصر على مَن دهم يثرب" (المادة 44) وأن "بينهم النصر على مَن حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبرَّ دون الإثم" (المادة 37).
وهذا تقنين عادل واعتراف بالهوية المتعددة لمواطني الدولة الواحدة، كما أنه اعتراف بأن الأخوة بين البشر أوسع من انتمائهم الاعتقادي، وبأن انتماءهم الاعتقادي أوسع من هويتهم الوطنية والقومية. وفي هذا عبرة عميقة إذا وعيناها فستكون خير عون لنا على ترتيب العلاقة بين العروبة والإسلام، وبين المواطنين المسلمين والمواطنين غير المسلمين في الدول العربية المعاصرة.
ولاية غير المسلم رئاسة الدولة
تشترط العديد من دساتير الدول العربية أن يكون رأس الدولة مسلما. وهو أمر يثير إشكالا حول المساواة السياسية بين المواطنين، والأهم من ذلك أنه يجعل أساس العقد الاجتماعي التي تتأسس عليه الدولة العربية المعاصرة ملتبسا.
وقد تتبعت جذور هذا الرأي في التراث السياسي الإسلامي، فوجدت أنه رأي فقهي مبني على مصلحة حقيقية في عصر الإمبراطوريات، حينما كان الناس على دين ملوكهم، لكنه ليس مبنيا على نص من الوحي الإسلامي. والآية التي كثيرا ما يستشهد بها القائلون بهذا الرأي استشهادا متعسفا "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا" (سورة النساء، الآية 141) لا صلة لها بالموضوع، إذ هي تنتمي إلى الخطاب القدَري لا إلى الخطاب الشرعي.
ولو عاش فقهاؤنا المعاصرون في عصر الماوردي أو ابن تيمية لما أخذتُ عليهم الأخذ بهذا المذهب السياسي على أي حال، فديانة رأس الدولة في الإمبراطوريات القديمة هي التي تحدد ديانة الدولة والشعب.
لكننا لم نعد نعيش في عصر إمبراطوريات، ولم يعد من الخطر على الإسلام أن يكون رأس الدولة غير مسلم، لأن علاقة الدولة بالدين يحددها الدستور، لا عقيدة الرئيس أو ذوقه الشخصي. والناس اليوم على دين دساتيرهم لا على دين ملوكهم. وليس ما حقق المصلحة في القديم بمحقق لها في عصرنا بالضرورة. بل إن العدل والمصلحة يكمنان اليوم في بناء دول ديمقراطية حرة يستوي فيها مواطنوها بغض النظر عن المعتقد والعرق.
ومن المؤسف أن الفكر السياسي الإسلامي المعاصر لم يحسم هذا الأمر حتى الآن، رغم المحاولات الخجولة هنا وهناك, وإليكم الأمثلة:
أولا: كتب الإمام الشهيد حسن البنا في (رسالة التعاليم) المطبوعة ضمن مجموعة رسائله "والحكومة إسلامية ما كان أعضاؤها مسلمين مؤدين لفرائض الإسلام، غير مجاهرين بعصيان، وكانت منفذة لأحكام الإسلام وتعاليمه. ولا بأس أن نستعين بغير المسلمين عند الضرورة، في غير مناصب الولاية العامة".
ونسي الإمام البنا أن المواطن غير المسلم ليس عنصرا خارجيا غريبا يستعان به "عند الضرورة" فقط، بل هو عضو مؤسس في العقد الاجتماعي التي تقوم عليه الدولة المعاصرة وشريك أصيل في بنائها، وهي ليست دولة فتوح ينقسم مواطنوها إلى فاتح منتصر ومغلوب خانع، كما كان الحال في الماضي.
ثانيا: كتب الشيخ العلامة يوسف القرضاوي في كتابه (غير المسلمين في المجتمع المسلم) "ولأهل الذمة الحق في تولي وظائف الدولة كالمسلمين، إلا ما غلب عليه الصبغة الدينية كالإمامة ورئاسة الدولة والقيادة في الجيش، والقضاء بين المسلمين، والولاية على الصدقات، ونحو ذلك".
وزاد الشيخ الكريم في كتابه (الدين والسياسة) "وما عدا هذا المنصب الحساس [رئاسة الدولة] فالمجال مفتوح لغير المسلمين في كل ما يُحصِّلون شروطه، ويمتلكون مؤهلاته، ومن ذلك منصب الوزارة كما ذكر الإمامان: أبو الحسن الماوردي، وأبو يعلى الفرَّاء في (الأحكام السلطانية) من تولي أهل الذمة وزارة التنفيذ، وهناك بعض الوزارات لها حساسيات واعتبارات معيَّنة، مثل: وزارة الدفاع ووزارة الداخلية...".
وهذا اعتماد من الشيخ -وهو المجتهد المجدد- على الفقه القديم دون تدقيق مؤصِّل، وتوسيع لمفهوم الوظائف الدينية دون دليل. ونحن اليوم في أمس الحاجة إلى الخروج من طوق الفقه السياسي القديم وفهم سياقاته التاريخية الموجِّهة، وبناء فقه سياسي جديد يعتمد روح الوحي وحاجة العصر.
ثالثا: كتب الشيخ راشد الغنوشي في كتابه (الحريات العامة في الدولة الإسلامية) "فالجميع [جميع الفقهاء] متفقون على أن الحاكمية العليا هي الشريعة، وأنه لا تجوز ولاية غير المسلم على المسلم وخاصة في بلد غالبيته إسلامية". وفي موطن آخر "وليس أمام غير المؤمنين بالإسلام إلا أن يسلموا ليتمتعوا بالحقوق العامة للمواطنة، ومنها الارتقاء إلى حق رئاسة الدولة الإسلامية أو رئاسة مجلس الشورى أو قيادة الجيش أو رئاسة مجلس القضاء الأعلى مثلا".
أما نقل الشيخ الغنوشي اتفاق فقهاء الماضي على رفض ولاية غير المسلم رئاسة الدولة فنقل صحيح، لكن اتفاقهم كان مبنيا على مصلحة في العصر الإمبراطوري، وليس مستمدا من نص في القرآن أو السنة حتى نجعل منه دينا. وأما اشتراطه الإسلام للحصول على كامل الحقوق السياسية فتحكُّم لا ينسجم مع مفهوم العدل الإسلامي الذي يشمل المسلم وغير المسلم على حد السواء "وأمرت لأعدل بينكم، الله ربنا وربكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم" (سورة الشورى، الآية 15)
ضحايا للظلم ومسوغون له
فهذه الأمثلة الثلاثة تدل على أن بعض العُقَد النظرية في فقهنا السياسي تحتاج إلى حل، ومن دون ذلك لن يكون طريق المستقبل أمامنا سالكا. ومما يبشر بالخير أن صحوة خجولة بدأت بالفعل في هذا الاتجاه.
فالشيخ الغنوشي تخلى عن رأيه في كتابه المنشور في الثمانينيات، وأصبح من القائلين بالمساواة السياسية الكاملة بين المسلم وغير المسلم، والشيخ القرضاوي لم يعد يرى بأسا في ترشح القبطي لرئاسة مصر (حسب ما ينقل عنه الأستاذ هويدي في مقاله السابق)، وقد قبل تولي المرأة رئاسة الدولة في رمضان الماضي. ود. محمد عمارة يرى أنه "يمكن التفكير بأن تكون المرأة أو غير المسلم على رأس الدولة" بناء على الفارق النوعي بين الدولة القديمة والحديثة.
لكن هذه الصحوة الخجولة تحتاج إلى تثبيت وتأكيد بأصوات لا تخشى تديُّن العوام، ولا سطوة الفقهاء.. أصوات تؤمن بأن جوهر الإسلام هو القيام بالقسط، وأن أساس التدين الصادق هو حرية الفرد لا سطوة الدولة.
وليس يعني هذا أن العلمانية الغربية هي الحل لعقدنا السياسية الحالية، بل الحل هو الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية. وكل إحلال للقوانين الأوروبية محل الشرع الإسلامي لن ينجح دون قهر لأغلب المواطنين.
وإذا كنا ضد قهر الأقليات غير المسلمة والتحيز ضدها، فنحن ضد قهر الأغلبية المسلمة أو مصادرة خيارها من باب أولى. لكن المرجعية الإسلامية تحتاج إلى من يميز بين الوحي والتاريخ، ليقدمها للناس مصدرا للمساواة والبر والقسط. أما من يرتهن لصور تاريخية عتيقة، ويريد صياغة الكون على مقاسها، فهو لن يقيم دولة القسط مهما يبذل من جهد أو يقدم من تضحيات.
إن القرآن الكريم يعلمنا أن غاية كل الرسل والرسالات هو القيام بالقسط "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط" (سورة الحديد 25). والعدل قيمة مطلقة وقانون أزلي لا يَخرمه اختلاف المعتقد أو الأوطان أو الأجناس، كما أكد ابن تيمية ببلاغة في قوله "إن العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال، والظلم محرم مطلقا لا يباح بحال" (ابن تيمية: منهاج السنة 5/126).
فمن التناقض الأخلاقي والمنطقي أن ندعو إلى دولة الحرية والمساواة والعدل، ونحن نحرم مخالفينا في المعتقد أو العرق أو الوطن من هذه القيم. وقد لخص الأستاذ فهمي هويدي المفارقة التي يعيشها بعض الإسلاميين في هذا المضمار ضمن تعليقه على البرنامج السياسي للحزب الذي تقدم به الإخوان المسلمون بمصر عام 2007، فكتب "الإخوان في البرنامج بدوا ظالمين ومظلومين في الوقت ذاته" (الشرق الأوسط 02/10/2007)
فإلى متى نظل أول ضحايا الظلم وأكبر المسوغين له؟

نقلا عن السراج الموريتانية

أبو فاطمة
03-31-2010, 01:53 PM
شكرا أبو سمية على نقل هذا المقال الرائع:
أستاذنا الكريم عالجت الموضوع بطريقة فيها إبداع فقهي رغم رائحة الغرابة التي تشتم في ثنايا المقال.
نحن نؤيدك في ضرورة التفريق بين الدين والتاريخ من ناحية وبين اجتهادات الفقهاء ونصوص الوحي المعصوم.
ونلتمس منك التركيز على التحرر من ربقة الاستعمار والدكتاتوريات التي تحكمنا أو يحكمنا الاستعمار عن طريقها.
كما نطلب مساعدتك في تنوير الشباب وتحرير أفكارهم من لوثة الفكر الغربي والتقليد الأعمى.
ذكرت بعض الإشكالات التي تعيق حكام الدولة المدنية بعد قيامها أو تعيق قيامها وتفضلت مشكورا بتقديم وصفة جاهزة للقضاء على هذه المشكلات مع اعترافك بأن هذه الوصفة قد تجد من يرفضها .
ومع أنك تعرف السبب فأنا أذكرك به وهو أن الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية لايمكن أتقوم على أساس صدام مع أغلبية مواطنيها بحجة اعتراض افتراضي من بعض أقلياتها بعد قيامها.
والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو: هل يتوقف قيام الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية على قبول فقيه أو مفكر بأن يتولى قبطي أو امرأة منصب رئاسة الدولة؟
وأشكرك على طرح الأفكار الجديدة وعلى إبداعك في تناول القضايا الحساسة.

أبوسمية
04-01-2010, 02:00 AM
شكرا أبو فاطمة على التعليق ونرجوا من الجميع قراءة المقال وإبداء وجهة النظر حول مضمونه وخاصة ما تفضل أبو فاطمة بإبرازه وشكرا للجميع

assimlaly
04-03-2010, 04:06 PM
العلمانية بخلفية إسلامية

المقال الأخير للأستاذ الشنقيطي بعنوان "الناس على دين دساتيرهم"، يحمل الكثير من الدلالات الخطيرة والمؤسفة؛ أهمها وأخطرها أن العلمانية المتدثرة بالخطاب الإسلامي، قد قطعت أشواطا طويلة في اختراق الجسد الثقافي الإسلامي، المعتصم بالكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة.


وهو مقال لا يمكن فصله عن المنحى العام لفكر الشنقيطي ـ ومن على شاكلته ـ الذي بدت نذره العاتية مع زيارته الأخيرة لموريتانيا، حيث كان لآرائه الوقع الصادم والفاجع، فأما المعجبون "المريدون" فقد تقبلوها كوجهات نظر قابلة للنقاش وفيما بعدُ للتبني ما دامت صادرة عن "مثله"، وأما العلمانيون وألداء المعادين للحركة الإسلامية فقد رأوا فيها فرصة للشماتة بالشباب "الإصلاحي" الذي يقبل من الشنقيطي ما لو جاء به غيره لعدوه علمانية صريحة.


شخصيا لم يفاجئني أن يصل الشنقيطي إلى هذا النوع من الأفكار والنتائج ـ وربما الخافي أعظم ـ فقد صرح هو نفسه يوماً ـ في تعليقه على "طارق رمضان" ـ بالقول: إن (القيم الغربية أثرت على العقل المسلم اليوم تأثيرا عميقا، ولم يقتصر هذا التأثير على العلمانيين، بل امتد إلى الإسلاميين أيضا، خصوصا المقيمين منهم في الغرب مثلي ومثل الدكتور رمضان، فبدأ مسار التكيف مع ثقافة مختلفة يتحول إلى رؤية أخلاقية ودينية).


والناظر فيما كتب الشنقيطي يخيل إليه أن الأمة لم يعد لديها من المشكلات إلا أن تحدد شكل "أمير المؤمنين" ـ أو "الإمبراطور" كما عبر هو بتهكم ـ، وهو بذلك يذكرنا بخرجة طارق رمضان آنفة الذكر حين نادى بإلغاء الحدود الشرعية الجنائية، التي هي معطلة أصلا كتعطيل أغلب تشريعات الإسلام، فصور المجتمع الإسلامي وكأنه مسلخة بشرية بسبب تطبيق هذه الحدود التي لا وجود لها إلا في أضابير "الفقه القديم" كما يعبر هؤلاء.


الحقيقة أن المنحى الاستدلالي الذي يتخذه الرجل هو منحىً جديد وغريب، لم تدون أصوله بعد (وعلى أصحابه أن يدونوها)، ولكنها تتبدى من ثنايا طروحاتهم، وأبرز ما يميزها أنهم يقررون الرأي أولاً ويقتنعون به، ولو كان مخالفا لإجماع المسلمين، ثم تبدأ رحلة التنقيب في التراث الإسلامي، وهو تراث واسع لن يعوزهم أن يجدوا فيه قولا ضعيفا أو شبهة رد عليها المتقدمون. وإذا كان هؤلاء لم يقدموا بعد تسمية لمنهجهم هذا، فإن فقهاءنا ـ الذين يزدرونهم ـ يسمون هذا النوع بـ"إتباع الهوى".


ولكي ترى النموذج الحي على ما أقول فيكفي أن تقرأ هذا المقال بتمعن وتلاحظ ما يلي:


أن الكاتب انطلق من أفكار مقدسة لديه هي "المساواة والحرية، والدولة الجغرافية المدنية... الخ"، دون أن يسأل عن مدى صحة تلك المفاهيم ، فضلا عن قدسيتها في المنظور الإسلامي (الذي يوحي بأنه ينطلق منه)، ثم بدأ يحاكم "الفقه الإسلامي" ويطعن فيه لأنه لا يحقق هذه المبادئ المقدسة في نظره، وهو حتى هذه المرحلة ليس مضطرا للاستدلال ولا حاجة به إليه، ثم بعد تقرير الأمر يعرج على ما يسمونه "دستور المدينة" لا ليستدل به ـ فالأمر محسوم ـ ولكن ليأخذ منه ـ بالتشهي ـ ما يظنه مقويا لدعواه، وأما غيره من نصوص الوحي فلا يهمه، ولئن عرج على الآية الكريمة عجِلاً فإنه أخفى وأعرض عن غيرها من الأدلة.


ولأن الكاتب فيما يبدو غير معني بالاستدلال والتأصيل الفقهي، لأن الأمر عنده محسوم، فإننا نلاحظ أنه لم يورد في مقاله الطويل من الأدلة سوى دليلين:


أما أحدهما فهو الآية الكريمة (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) (سورة النساء، الآية 141)، أوردها جاعلا إياها الدليل الوحيد لاشتراط الإسلام في "الإمام"، ليرد عليها بأنها من الخطاب القدري لا الشرعي.


ونسي الكاتب أن هذه الآية ليست الدليل الأول فضلا عن أن تكون الوحيد، بل إنما هي نص من بين كثير من النصوص التي يذكرها الفقهاء هنا من باب الاستئناس (بدلالة الإيماء) لما تدل عليه من إعلاء شأن الإسلام على غيره، في كل الأحوال، وأحرى في أمر الإمامة العظمى، التي ليست أقل شأنا من عصمة المرأة المؤمنة التي لا يجوز أن تكون تحت كافر، اعتبارا لعزة الإسلام على الكفر.


ولا تكاد تجد أحداً من فقهاء الأحكام السلطانية يبحث عن دليل لاشتراط الإسلام في الإمام الأعظم، لأن الأمر عندهم مسلم بدهي لا يحتمل الخلاف، بل تجدهم يختلفون في اشتراط "النسب القرشي" مثلا، بعد أن يؤكدوا شروط "العدالة"، والتي تقتضي الإسلام أولَ ما تقتضي، و"العلم" الذي يقتضي معرفة أحكام الشرع لكي يقوم على تطبيقها.


ولذلك كان أقوى دليل لهم على أحقية خلافة سيدنا أبي بكر رضي الله عنه هو تقديمه لإمامة الصلاة "عماد الدين"، فلَأن يقدم لإمامة السلطة الزمنية أولى، كما قال الصحابة الكرام: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتضاه لديننا أفلا نرضاه لدنيانا!!".


أولا يكفينا دليلا صريحا بعد كل ذلك وصيةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته بالسمع والطاعة (إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان) البخاري (ج 21 / ص 444) ومسلم (ج 9 / ص 374)؟ وقوله: (ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع)، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: (لا، ما صلوا) مسلم (الإمارة / 62 ، 63 ، 64)؟


وتعليقا على ذلك أورد الإمام النووي عن القاضي عِيَاض قوله: (أجمع العلماء على أنّ الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل) شرح النووي على مسلم (ج 6 / ص 314). وذكر ابن حجر إجماع العلماء (أنه ينعزل بالكفر إجماعا، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك، فمن قوي على ذلك فله الثّواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض) فتح الباري لابن حجر (ج 20 / ص 162).


الدليل الثاني: "دستور المدينة" الذي يتحدثون عنه كثيرا مع أنه في ميزان الاستدلال يدخل في دائرة السير والتواريخ، لا في دائرة أدلة الأحكام، ولا يخفى أن السير تجمع الصحيح والسقيم والضعيف، ومن ثم قال الزين العراقي في ألفيته:


وليعلم الطالب أن السيرا -- تجمع ما صح وما قد أنكرا


ومع ذلك فإننا نلاحظ أن الكاتب يأخذ منه فقط ما يتوهمه مؤيدا لدعواه، مع أنه ينسفها من الأساس، فالدستور من صياغة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعط لليهود فيه الحق أن يتولوا الرئاسة بانتخاب ولا غيره، بل الكلمة العليا لدين الله الحق "الإسلام" ولرسول الله، وكثير من الفقرات تصرح بما هو أوضح في مرجعية الإسلام: "وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مَرده إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَإِلَى مُحَمّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ"، وإقراراً لعزة الإسلام وأهله على غيرهم جاء في الوثيقة أيضا: "ولا يَقْتُلُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنًا فِي كَافِرٍ"، فهل في ذلك دليل للمساواة التي يدعيها الكاتب؟!


وإني لأعجب من تعبيره في سياق إيراد هذا الدستور بالقول: ( ولم تأخذ الدولة من اليهود ضريبة الجزية التي أخذها المسلمون من المواطنين غير المسلمين فيما بعد )، فهل يقول هذا مؤمن يحمل بين جنبيه قول الله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)، (سورة التوبة، الآية 29)، هل "الفقه الإمبراطوري" هو الذي اخترع هذه الآية الكريمة المقررة للجزية في حق الكافرين؟!


ولنترك الاستدلال الشرعي إلى الاستدلال العقلي المنطقي الذي لم يكن حاله بأحسن لدى الكاتب، فنجده يستدل بـ"المصادرات المنطقية" ليثبت ما لم تسعفه الحجة في إثباته؛ يقول مثلاً إن (بناء الدول على أساس من ... قانون الفتح وأخوة العقيدة لم يعد مناسبا أخلاقيا، ولا ممكنا عمليا)، ودليله على هذا الزعم أن (الدولة المعاصرة لا تتأسس على الاشتراك في الدين أو العرق، بل على أساس الجغرافيا)، فأي دليل أوهى من هذا! وهل نحن مرتهنون لصورة محددة للدولة، وقعت في زمن معين محكوم عليها بالتحول كغيرها؟ لماذا لا نحاول أن نعيد دولة الإسلام المبنية على أخوة الإسلام والتي يعيش فيها المسلم والذمي كلٌّ بحقوقه وواجباته؟! أم هو اليأس من روح الله!


ومن قبيل هذا الاستدلال، تعليله الخروج على الإجماع باشتراط الإسلام في ولي الأمر بأن ذلك (يثير إشكالاً حول المساواة السياسية بين المواطنين، والأهم من ذلك أنه يجعل أساس العقد الاجتماعي التي تتأسس عليه الدولة العربية المعاصرة ملتبسا). ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال وتهافته، فمن أين يكون الأمر ملتبساً؟ فإذا كان الناس "على دين دساتيرهم" ـ كما تقول ـ فهذا مقرر في الدستور، وإذا كان الرأي للأغلبية كما تقررون في ديمقراطيتكم فهذا رأي الأغلبية ودين الأغلبية.


وهل من المساواة والأخلاق أن نبني العقد السياسي على النفاق، بحيث يكون رأس الدولة والمسؤول عن "إقامة الدين وسياسة الدنيا به" شخصا غير مؤمن بهذا الدين أصلا؟! فما هذا التناقض!!


وبعدُ؛ فإن عبارة "الناس على دين ملوكهم" ليست عبارة إسلامية حتى تُعرض كنص لحقه التغير، وليست ـ حتى ـ صحيحةً تاريخيا، فما كان "أهل الذمة" في دولة الإسلام على دين ملوكهم المسلمين؟ بل حتى المغول الذين أبادوا البشر والحجر لم يحولوا الناس إلى دينهم.


وأما مفاهيم الحرية والمساواة وغيرها من المبادئ الغربية بامتياز (والتي تحتاج نقاشا مطولا)، فلا ينبغي لمثقف مسلم أن يجعلها هي الهدف الأسمى، ليفصِّـل دولة الإسلام عليها، ويعتسف تأويل النصوص والخروج على الإجماع، فالهدف الأسمى هو إقامة دين الله تعالى وأن تكون كلمة الله هي العليا، ولذلك كانت الفتوح الإسلامية التي يراد بها إخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ليظفروا بالنعيم المقيم وينجوا من الخسران يوم القيامة.


رحم الله الإمام الشهيد حسن البنا وجزاه عن الإسلام خير الجزاء، فرغم حلكة الليل المحيط به لم يكن ليتنازل عن المطلب الأسمى "إقامة دولة الإسلام" الراشدة، حتى قبضه الله تعالى غير مبدل ولا مغير ولا مخدوع ببهرج الغرب وضلالاته، ولم يكن الإسلام في نظره ستارةً خلفيةً تُلتَقط أمامها الصور السياسية، بل كان هو الهدف والمبتغى وهو الحياة بكل تفاصيلها، وليت جماعته ظلوا متشبثين بدربه ومنهاجه.


في الختام، فإنني لا أعترض على أن يجتهد من يرى في نفسه الأهلية والقدرة، منطلقا من مفاهيم الإسلام، ومتشبثا بـ"سبيل المؤمنين"، فيقدم رأيه معززا بأدلته الشرعية مستندا إلى تغير الزمان والمكان، فيقبله من شاء ويرده من شاء، ولكن أن يتنكب الكاتب سبيل الاستدلال الشرعي والعلمي، وينطلق بدءًا من ازدراء الفقهاء وإجماعهم، ويسحب على التاريخ الإسلامي رداء من التهكم والاتهام، ثم يبني خطابه على المفاهيم الغربية الغريبة على الإسلام، فإن لم تكن تلك هي العلمانية فماذا تكون!

نقلا عن "العصر" الالكترونية