مشاهدة النسخة كاملة : محاولة لاستشراف آفاق الانتقال السياسي بموريتانيا... البعد الدولي والإقليمي


ابو نسيبة
10-28-2012, 10:03 PM
محاولة لاستشراف آفاق الانتقال السياسي بموريتانيا... البعد الدولي والإقليمي (عبد الرحمن ولد امبيريك)

بغض النظر عن صحةِ ما شاع عن تحرك عسكري لإزاحة ولد عبد العزيز من عدمه تُبرز حقائق تساعد على فهم الوضع المبهم السائد راهنا في موريتانيا.
- لا مراء في أنَّ القرائن تتواتر على أنَّ صحة الرئيس ليست جيدة، وآخرها كتابة خطاب العيدْ.
- الغالبُ أنَّ التمرد على رئيس مريض على بعد آلاف الكيلومترات من قصرهْ أمرٌ سهلْ، كما لا جدال في أنَّ المؤسسة العسكرية اليوم تكاد تخلو من تعددِ الأقطاب ما يُسهل على قيادتها سوقها مجتمعة خلف أيَّ تحركْ، اللهم إذا استثنينا الحرس الرئاسي - المعروف بولائه لود عبد العزيز- رغم أنه لن يكون بمقدوره لوحده مواجهة جيشٍ بأكملهْ.
لكن كل هذه العوامل الداخلية يعترضها عامل خارجي ربما أكثرُ حسما منها، ويتعلق بالموقف الفرنسي. ففرنسا وحتى لو باركت عزل ولد عبد العزيز فإنها لا تُريد أنْ يكون ذلك في شكل انقلابٍ عسكري وهي تصدر في هذا الموقف من اعتبارين؛
1- صرح الرئيس فرانسوا هولاند قبل أسابيع في داكاربأنَّ عهد شبكات فرنسا أفريقيا انتهى، وقال إنَّ فرنسا تريد شراكة جديدة مع أفريقيا قوامها الندية والاحترام. ويُفهم من ذلك أنها ستكف عن التدخل في الشؤون الأفريقية ولو على نحوٍ محدود يكون على أدنى تقديرْ أقل فجاجة من ما كان عليه الأمر في السابق إذ كانت شبكات (فرانس آفريك أو شبكات جاك فوكار) هي من يَحسم في الموقف من الانقلابات العسكرية في إفريقيا. و ليس ببعيد منا انقلاب ولد عبد العزيز نفسه على الرئيس المدني سيدي ولد الشيخ عبد الله عام 2008. ونتذكر حينها أنَّ مساعي رجل الأعمال محمد ولد بوعماتو لدى المحامي (روبر بورجي) كانت العامل الحاسم في تبديل الموقف الفرنسي من الانقلابْ كما أنَّ مساعي بورجي لدى الرئيس الغابوني الراحل عمر بونغو نجحت في إقناع الفرنسيين بالإيعاز إلى الرئيس السنغالي عبد الله واد- وقد كان أيضا صديقا لبورجي قبل أنْ يختصما بسبب نزاعٍ مالي بين بورجي وكريم واد - بالوساطة المشهورة التي انتهت إلى اتفاق داكار الذي جُرَّت إليه المعارضة جرا، حتى إنَّ بعضها صرَّح بعدم قناعته بالاتفاقْ قبل توقيعه.
إنَّ أي موقفٍ فرنسي داعم لانقلاب عسكري سيُسيء كثيرا إلى اليسار والرئيس فرانسوا هولاند، وهو الذي يُكابد مواريث اليمين الثقيلة، ومن نافلة القول أنَّ عهد هولاند يختلف عن عهد ميتران الذي كانت فيه الانقلابات مقبولة خاصة في إفريقيا. ولتجاوز تركة اليسار تلكْ يتوجب على هولاند تصحيح العلاقة الفرنسية بأفريقيا التي قال إنَّ مستقبل العالم سيَتحدد فوق أرضها. وكان الرجل يعي ما يقول وحتما يستحضر تراجع الحضور الفرنسي في القارة على مختلف المستويات وخاصة المستوى الاقتصادي. والنجاح المالي والاقتصادي في إفريقيا والعالم الثالث عموما هو وحده ما سيُمكن فرنسا من تجاوز أزمتها الماليةْ.
2- إنَّ وقوع انتقالٍ للسلطة في موريتانيا في شكل انقلابٍ عسكري صريح سيُدخل البلاد في أزمةٍ داخلية. فأنصار ولد عبد العزيز وتحديدا محيطه القبلي بدا متوثبا (مظاهرات الليلة الماضية) في الدفاع عن النظام ولئن كان التاريخ السياسي الموريتاني يشهد على تهافت ووصولية النخب الحاكمة سواء كانت صادرة عن بعد سياسي صرف أو عن خلفية قبليةْ. بيد أنَّ تجربة الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية عقب انقلاب الثامن غشت 2008 ربما تكون ملهمة لفلول النظام الحالي في حال سقوطهْ. وهنا يكون على هولاند أنْ يظهر بمظهرٍ يُناسب قيم اليسار ويختلف عن سياسات ساركوزي التي تصدرُ عن عقلية شبكات فوكارْ. وتفاديا لذالك ربما لا زال الفرنسيون يرفضون انقلابا صريحا.
يستأثر الوضع في شمالي مالي باهتمامٍ بالغ لدى الفرنسيين ومعهم الأمريكيون، وهو اهتمام مفهوم بحكم التهديد المباشر للأمن القومي الأوروبي (ومنه الفرنسي) الذي يُشكله تمكن القاعدة من إقامة قيادةٍ متقدمة في الساحلْ. وتُعول فرنسا كثيرا على الإسهام الموريتاني في الحرب المنتظرة في شمالي مالي وأسباب ذلك جلية أهمها تفوق الجيش الموريتاني (من حيث العديد والعدة والجاهزية والتجربة النسبية التي راكم في مواجهة القاعدة) على دول إفريقيا الغربية التي ستُشكل قوام القوة التي ستُقاتل القاعدة وسيكون ذلك طبعا بدعم لوجستي من فرنسا والولايات المتحدة ودول غربية أخرى. وبالتالي فحصول انقلابٍ عسكري في موريتانيا وما سيُرتب من تداعياتٍ داخلية (أزمة سياسية محتملةْ) أو خارجية (عقوباتْ أو ما شابهْ) سيؤثر سلبا لا محالة على الدور الموريتاني المأمول فرنسيا.
وخلاصة القول أنَّ العامل الخارجي (وصول اليسار إلى السلطة في فرنسا) وصلاته بالسياق الإقليمي (الأزمة المالية و إسهام موريتانيا المنتظر فيها) سيكون حاسما في أيَّ انتقالٍ للسلطة في موريتانيا. بيد أنَّ جهدا جادا و موحدا من قوى المعارضة- التي لا زالت غائبة عن الفعلْ - سيكون مفيدا للمؤسسة العسكرية إذا قررت التحرك لعزل ولد عبد العزيز، وسيُكسبها سندا شعبيا وسياسيا هاما كما قد يُؤثر في الموقف الفرنسي والدولي عموما. فكما نجح معسكر ولد عبد العزيز في الدفاع عن انقلابٍ على رئيسٍ مدني يُفترض أنْ تنجح المعارضة في تبريرِ تحركٍ لملئِ فراغٍ دستوري وعزلِ رئيس عسكري نفذ انقلابينْ. لكن جهد المعارضة هذا يجب أنْ يأخذ في الحسبان أنَّ المعركة النهائية ليست مع ولد عبد العزيز وإنما مع الجيش بغرض إبعاده نهائيا عن السلطةْ لمصلحته ولمصلحة البلدْ أيضا.

نقلا عن الأخبار