مشاهدة النسخة كاملة : محاولة اغتيال الرئيس عزيز مقدمة لانقلاب فاشل أو يكاد.. (عبد الله ولد محمد آلويمين)


أبو فاطمة
10-17-2012, 11:34 AM
محاولة اغتيال الرئيس عزيز مقدمة لانقلاب فاشل أو يكاد.. (عبد الله ولد محمد آلويمين)

لم يفاجئ خبر إطلاق النار على الرئيس محمد ولد عبد العزيز مراقبي المشهد السياسي المحلي بسبب ما آلت إليه أوضاع الناس في الداخل من تدهور المعيشة العامة وتدني النمو الاقتصادي وإذكاء الخصوم في الداخل والخارج وشخصنه الصراع الديمقراطي ما بين النظام ومعارضيه ليأخذ شكلاً من أشكال الصراعات القبلية والتراجع الملحوظ والمنكور في آن معاً للحريات العامة، وتغلغل الجفاف في مناطق الشرق الموريتاني وبعث سياسة القمع والإنفراد بتسيير الشأن المحلي دون السماح للبعض الآخر بدلو دلوه فيه كحق وطني يكفله الدستور.
لا أعدد في هذا المقام مناقب ولا سلبيات النظام، وإنما أقدم قراءة لما حدث مساء السبت من تعرض فخامة الرئيس محمد ولد عبد العزيز لإطلاق النار مما لا يزال إلى الساعة ضبابي وقاتم الصورة، ولئن كان فيما حدث ما يثير الأسف فهو بعث سياسة الاغتيالات والتصفية الجسدية بعد ما تناساها الموريتانيين كسبيل للتناوب على السلطة وتصفية الحسابات، منذ عهد الرئيس السابق محمد خونة ولد هيدالة، بسبب ما ذهبت به من أخيار أبناء البلاد ك (جدو ولد السالك والرئيس الموريتاني ولد بوسيف) وآخرين، ولكن ذالك السلوك، غالبا ما تكون خلفه ضروريات تحتمه أو تمليه كحل وحيد للسيطرة على السلطة كما حدث تماما للرئيس محمد ولد عبد العزيز، كعملية انقلاب تسبقها عملية اغتيال ومن ثم يشكل مجلس قومي لسد الفراغ الدستوري لاسيما إذا ألقينا نظرة خجولة على أتراجيديا السنوات الثلاثة الماضية وما شابهما من شياة ضاق بها العيش، فماذا يقرأ من الرصاصات الثلاثة في جوف الرئيس محمد ولد عبد العزيز؟
أولا: القضية الرسمية؟
غبية وارتجالية لحد التفاهة هي الرواية الرسمية التي عزت إليها الحكومة أسباب إطلاق النار، فلم تكن مستندة على تحقيقات ولا بينات، وإنما كانت مجارات من وزير الإعلام السيد حمدي ولد المحجوب لتصريحات السيد الرئيس محمد ولد عبد العزيز على سرير المستشفى، ويشي لنا ذالك بعدم استقلالية الحكومة أولاً وعجزها عن التصرف دون الرجوع لرئيس البلاد ثانياً، مما يعكس الارتجالية ويفسر لنا أخطاء إدارية كنا نتساءل عن مصدرها في بعض القرارات المصيرية التي اتخذتها الحكومة في السنوات الثلاثة المنصرفة، وخاصة منها تلك المتعلقة بالاتفاقيات الثنائية والصفقات الكبرى الداخلية، ولعل فخامة الرئيس وهو على سرير الجراحة أعزى الحادث للنيران الصديقة قصد سحب البساط من تحت المنقلبين حتى لا تعاودهم فكرة الإجهاز عليه ويبدوا لهم متماسكا محتاطا بين أنصاره وقواته لا تؤثر عليه محاولات من هذا القبيل، ولكن حتى لو افترضنا صدق هذه الرواية فإن الطامة الكبرى كون المواطن بات لدى أجهزتنا الأمنية من التفاهة بحيث يكون عرضة لإطلاق النيرات دون حتى تحذير سابق، فأي منطق يقنع بأن موكب رئيس الجمهورية يوجه إليه تحذير بالتوقف والترجل فلا ينصاع إلا إذا كان يتخوف من أمر ما؟ ثم لماذا يتعرض مرة أخرى لوابل من الرصاص بعد أقل من دقيقتين من دورية أخرى اعترضت طريقه في نفس المكان؟ إلا إذا كان ما تعرض له فخامة الرئيس محاولة انقلاب صرفة فاشلة.
ثانيا: فرضية الإنقلاب:
معلوم أنه في عرف التشريفات لابد من أن تكون كافة الدوريات وأمن المرافقات والوحدات العسكرية على علم بخروج رئيس الجمهورية _ متصنعاً كان دوراً عمرياً يتفقد من خلاله أحوال الناس من دون مرافق، أو بدويا ينتجع في قطيع إبله ليشرب من لبنها_ لغرض معرفة مكانه حتى تتسنى سرعة إحضاره إلى الرئاسة إذا ما دعت الحاجة، كشن دولة من دول الجوار لهجوم عسكري أو محاولة بعض الضباط الانقلاب عليه، أو حتى لمتابعة وباء منتشر على حين غرة في البلاد، مما يفند في عقولنا كلياً فرضية إطلاق النار من قبل نيران صديقة، خاصة أنه تعرض لها مرتين: مرة على الطريق والثانية لما لاذ بالتلال، مما يشرع افتراض وصف ما تعرض له فخامته مساء السبت بمحاولة انقلاب فاشلة أو إلى حد الساعة، تسبقها عملية اغتيال لدواعي أمنية وهي تجريد الحرس الرئاسي bazep من قيادته الروحية لتصبح بلا قائد وتسهل السيطرة عليها دون إقحام البلاد في أتون حرب أهلية بينها والجيش الوطني، فكيف تمكن قراءة ذالك السيناريو؟:
1- الاغتيال أولاً:
أصبحت المؤسسة العسكرية ما بعد انقلاب 6 آب/ أغسطس 2008 على قناعة عميقة بأن هذا الشعب الموريتاني العظيم قدم نضالاً جباراً دفاعاً عن ديمقراطيته كان قوسين فارقين في تاريخ البلاد المعاصر يستحيل معه حتى جس نبضه من جديد بتكرار محاولة انقلابية ثانية بالشكل لكلاسيكي المعهود، كما لا تتجاهل المؤسسة العسكرية أو جنرالات موريتانيا الجدد من ناحية أخرى أن الانقلاب على النظام الحالي دون اغتياله تتأبطه الأخطار المهلكة لما يحتكم عليه من ولاء مطلق من طرف أفراد الحرس الرئاسي، وتحتكم عليه أيديهم من أسلحة متطورة هي الأحدث في الترسانة العسكرية الموريتانية إلى اليوم، إذ من بين تلك الأخطار استعداد عناصر الحرس الرئاسي لدخول مواجهة مع الجيش العسكري على غرار ما حدث في ليبيا بين الكتائب والثوار، وهذه الفرضية وضعها كبار الضباط الموريتانيين في الحسبان لما تم تعيين ولد بكرن عام 2008 وامتنع عن تسلم مهامه نأياً بالبلاد عن ذالك الاحتمال، وعززه تصريح الرئيس محمد ولد عبد العزيز بما يوافقه لقناة الجزيرة عقب انقلاب 6 أغسطس 2008 عندما "قال بأن الرئيس كان سيشعل الفوضى في البلاد وأن الضباط كانوا حكيمين بقرارهم رفض قبول المناصب".
وليس هذا الطرح بطبيعة الحال اتهام للمؤسسة العسكرية أو لضباط بعينهم لأن السيد محمد ولد عبد العزيز ظل في السنوات الثلاثة الماضية يبتكر الأعداء لنفسه ويوسع البون بينه وبين خصومه، فهناك الضباط الخمسة عشر المقالين أو المحالين للتقاعد، وهناك المنظمات الحقوقية المتعصبة، وهناك السلفية الجهادية، ولكن دقة تحديد مكان الرئيس في 47 كيلومتر شمال البلاد ينفي التهم عن البقية ويبلورها داخل المؤسسة العسكرية العاملة، ولو أن ذالك الانقلاب تم فإن المنقلبين معولين فيه على كم كبير من الشعب لمساندتهم تسهل سبل النجاح لمسعاهم نحو إرساء الاستقرار الداخلي بعد تنفيذ العملية بتزايد نفوذ المعارضة والمعارضين وتنامي ثقل ضغطهم المحلي وتطور إنهاء أحكام الأنظمة في ظل الربيع العربي بطرق شتى من اعتزال وقتل ومحاكمة وحبس، إضافة إلى ما تلقته المنظمات الحقوقية المناهضة كمنظمة (إيرا) ومنظمة لا تلمس جنسيتي من دعم خارجي و ما جاسها من تململ جراء القمع المفرط الذي حاق بها، وإحساس الناس بالفاقة التي باتت تلامس حياتهم اليومية دون شعور السيد الرئيس بذالك، إضافة إلى ثقل الفاتورة التي تكبدها الجيش بسبب نقل الحرب إلى العدو التقليدي (الإرهاب) وتعثر العلاقات الدبلوماسية مع كافة دول الجوار من السنغال والمغرب وحتى الجزائر، وكلها عوامل ستأسس مكانا للانقلابين بين العامة.
ولهذا تذهب مخيلة المراقبين تطرح بإلحاح فرضية الانقلاب الذي لم يكن لو تم _أو على حد الساعة_ ليأخذ شكلاً أكلاسيكياً.. كلا. بل كان سيأخذ صورة أخرى تدعوا لها الوضعية الدستورية المعاشة في ظل برلمان ومجلس شيوخ فاقدين للصلاحية من خلال تسيير استثنائي للمرحلة:.
2- تسيير المرحلة ثانياً:
فلو أن ذالك الانقلاب تم فإن المجلس العسكري الذي سيتشكل سيجد نفسه أمام ورطة كبيرة حيث لا نائب للرئيس يخلفه ولا مجلس شيوخ موجود ينصبه المجلس الدستوري رئيسا لحين تنظيم انتخابات رئاسية، (خاصة أن هذه الفرضية قائمة بعد نشر موقع الطوارئ لخبر يؤكد ضرورة استمرار علاج الرئيس لعدة شهور).
فكانت حيثيات السيناريو إذا تقضي بأن المجلس العسكري أمام خيارين:
الخيار الأول: أن يقدم كلا من السادة أحمد ولد داداه ومسعود بلخير لتسيير ما بقي من فترة إنابة الرئيس مرغمين على ذالك بسبب الوضعية المالية للبلاد، التي لا تسمح بتنظيم انتخابات عاجلة، وباعتبار الأول زعيما للمعارضة سابقا والثاني في المرتبة الثانية من الانتخابات الماضية، ومن هنا يتولى أحد الرجلين رئاسة البلاد ويتوقع أن يكون أحمد ولد داداه بينما يتولى الرجل الثاني السيد مسعود ولد بلخير رئاسة الوزراء بصلاحيات واسعة ومفتوحة، وفي هذه المرحلة سيُغلب الرجلان المصلحة العامة على الخاصة فهما سياسييْن محنكين صقلتهما السنين جيدا، وهذا يشهد عليه إخراجهم البلاد من أزمات ماضية خطيرة بسلام، فمسعود ولد بلخير لا تزال أمامه سنوات عديدة للترشيح وهو يعرف أن هذه المرحلة حرجة جراء ما خلفه النظام المنقلب عليه من ملفات وأزمات عالقة أقرب إلى القنابل الموقوتة، ويمكن لأحمد ولد داداه إدارتها بحكمة لأنه يعرف أنها فرصته الأخيرة في خطب ود الموريتانيين الذين أجهز على ديمقراطيتهم في العام 2008، وأثناء هذه المرحلة سيمدد للبرلمان ويحذف مجلس الشيوخ، وتشكل حكومة محاصصة تكون مناصبها حسب الممثلين في البرلمان بالنسبة المؤوية، ولا أستبعد في هذه الحالة أن يستعين الرجلان (أحمد ولد داداه ومسعود ولد بلخير) بالوثيقة المشتركة التي وقعاها إبان الحملة لانتخابية عام 2009.
أما الخيار الثاني: وهو مستبعد أن يشكل مجلس من رؤساء موريتانيا السابقين وتوكل إليهم مهمة اختيار رئيس للبلاد من بينهم وسيقلم الصلاحيات إلى أبعد الحدود، ويعين الرئيس باقتراح من المجلس العسكري أو بالأحرى مجلس الجنرالات، رئيس وزراء يتولى تسيير شؤون البلاد ويقيد بفقرات الدستور المحددة لحالة فراغ السلطة، وفي كل الحالات لا تستطيع الدولة تمويل انتخابات رئاسية ماديا.
لا نشمت بالرجل كلا، ولكن نحمل مسؤولية ما ستؤول إليه الأوضاع في البلاد في قابل الأيام لأنصاره الذين ظلوا على مدى السنوات الماضية يزينون له الفساد صلاحاً، وينخرون ما بقي من ثروات هذه الدولة حتى تطورت الوضعية نتيجة لانغلاقه أمام الحوار والتشارك وسماع الحقيقة إلى رصاصات استقرت في جوفه لم تفك طلاسم تناجيها في أحشائه إلى حد الساعة، دون أن يأخذ ويأخذوا بعين الاعتبار مصلحة هذه الدولة التي لا تزال تتلقى من خيباة الأمل ما يكفي لهدم الأمة وإشعال أوار الفتنة فيها.
اليوم سيعرف فخامة الرئيس السيد محمد ولد عبد العزيز إن، نجا منها وتعافت أحشائه أنه ليس رئيساً للفقراء وليس عمر ابن الخطاب ولاهم يحزنون، وأنه كان يعيش في حلم خلقته طبول الموالاة وحناجرها الزائفة الكاذبة لم تغني عنه من غضب الشعب أو حرة مظلوم في صفوف امنه شيئا.

نقلا عن الأخبار