مشاهدة النسخة كاملة : الكتّاب والكتابة


ام خديجة
03-29-2010, 09:53 AM
الكتّاب والكتابة


بقلم: إبراهيم بن محمد
تكون الكتابة أحيانا من النرجسية الحالمة، بإحلال الذات في مقامات التجلي أو مدارات التخفي خلف دغل الحروف والكلمات. إن الأصل في الظواهر والمظاهر والعوالم والأشياء هو التواري خلف أقنعة الصمت والترفع والكتمان، لكن منطق الحياة هو تعرية التواري خلف النقاب، وإنطاق الصامت، والإمساك بالمنفلت والعابر، وإخراج الأشياء من حيز التواري إلى غور الحضور، ومن وحشة العي إلى احتفالية الحياة.
والإنسان نفسه في مستوى تجربته الوجودية ليس إلا وحدة قياس عاقلة ومتعقلة مهمتها إماطة اللثام عن المتستر في تطبعها وطبيعتها وإزاحة الستار عن المحيط بها من أشياء ورموز. وهذا المقياس يسري بدوره على مبدأ الكتابة نفسه وذلك بالنظر إلى أن هذا المبدأ يستمد مقوم اشتغاله وجدواه انطلاقا من قدرته على تجلية التجربة الفردية والجماعية والوعي بها في بعدها الجمالي وتحققها الوجودي ورمزيتها الإنسانية.
فالكتابة ككل الأشياء الأخرى في عالمنا ولكل كاتب مذاق مختلف يميز حرفه عن من سواه من الكتاب الآخرين ليس بالضرورة أن يكون المذاق رائعا كما أنه ليس ضروريا أن يكون التميز جميلا فهناك من يتميز بالسيئ.
وهناك كتاب يكتبون بأقلامهم ولا يجيدون سوى الكتابة بالحبر ولا يعنيهم هوية ما يكتبون أو الهدف مما يسطرون ولا يشغلهم أمر الإحساس كثيرا فالكتابة لديهم طريقة من طرق التعايش أو البحث عن الشهرة أو سعيا وراء لقمة العيش الحرة.
وهناك كتاب يكتبون بقلوبهم تملأ العاطفة حروفهم ويسيطر إحساسهم الداخلي على الكلمات فتكون كتاباتهم مرآة فاضحة لأعمالهم وهؤلاء يصعب عليهم التوقف عن الكتابة أو تحويلها إلى النمط الواقعي الجاف لأن الكتابة بالنسبة إليهم إحساس مقيم في أعماقهم تعبر عنه أقلامهم فوق الورق هؤلاء يمتازون بصدق التعبير عند الكتابة
وهناك كتاب يكتبون بأحلامهم منهمكون في محاولة التأقلم مع واقع مؤلم يجسدون أمانيهم فوق الورق يشيدون مدنهم الجميلة بعبارات رومانسية، يتحدثون بصوت الأحلام وينادون ببناء أفلاطون الفاضلة وهؤلاء يمتازون بخصوبة أراضي الخيال لديهم.
وهناك كتاب يكتبون بضمائرهم الحرف لديهم أمانة والكلمة رسالة سامية ويتراجعون بكل شجاعة إذا ما اكتشفوا خطأهم في حق إنسان ما. فهؤلاء أصحاب مبدأ راق وقضية صادقة.
كما أن هناك كتاب يكتبون بلا ثقافة يمارسون الكتابة كالطهارة يتطاير الجهل من سطورهم لا يجيدون سوى رص الكلمات بلا تناسق في المعنى تشعر بالانزعاج عن القراءة لهم وتتساءل بينك وبين نفسك ماذا يريد هؤلاء وإلى أين سيصلون.
وبما أن الأمر يتعلق هنا بالكتابة والكتاب فهل بالإمكان اعتبار هؤلاء الكتاب الذين سقنا الحديث عنهم في هذا المقال كتابا أم مجرد أشخاص يكتبون هروبا من عزلة قاتلة أو تطلعا إلى انفلات من وطأة الوحدة أو مراودة لحلم بعيد المنال.
إن أي محاولة للإجابة عن هذا النوع من الأسئلة هي بداية التورط في مكابدة حلاوة أو مرارة ولهذه المكابدة عشاقها الذين ينسلون إليها عبر كل سبيل ساهرين يأتون إليها راكبين صهوة الكلمات، متوشحين بالريشة والأقلام، متلفعين بالأكفان، ولهم في ذلك مقامات وأحوال، ولهم في ذلك احتفال.
وفي النهاية فهم أنواع فإذا فشلت أن تكون أفضلهم فحاول ألا تكون أسوأهم، كتاب يصنعون موقف، وكتاب يصنعون موقف.

نقلا عن السراج الموريتانية