مشاهدة النسخة كاملة : إعلام الليبرالية!! (ماجد ضيف)


ابو نسيبة
09-01-2012, 08:35 AM
إعلام الليبرالية!! (ماجد ضيف)

منذ أيام قلائل كتبت مقالاً بعنوان (صحافتنا بين المفروض والمرفوض) حيث أكدت فيه من واقع تجربتي الشخصية أن الصحافة المصرية في أغلبها كانت قبل ثورة يناير جسدًا يسكنه مرض وأنها صارت بكل أسف بعد الثورة مرضًا يسكنه جسد، وقد كان مقالي ردًّا على الثورة المفتعلة التي أثارها بعض ممتهني الصحافة في مواجهه الآليات التي أقرها مجلس الشورى لاختيار مسئولين جدد لمختلف الصحف والإصدارات القومية التي انزلقت خلال العقد الأخير إلى منافسة مع الإعلام الخاص (صحف وفضائيات) على الأسوأ، فتفشت فيها قيم الوساطة والمحسوبية والشللية إلى الدرجة التي صارت معها مهنة الصحافة في أغلب الأحوال مهنة من لا مهنة له، فتوارت تبعًا لذلك الكثير من المواهب الحقيقية، وتوارى الكثيرون من أصحاب الفكر والرؤية البناءة، وهو أمر له تداعيات وانعكاسات سلبية على المجتمع تمثلت في تشويه منظومة القيم والمبادئ الكائنة في وجدان وأذهان جزء كبير من الشعب المصري وبالأخص فئة النشء والشباب الذين سيقوا عمدًا إلى الخلط بين البطولة والخسة وبين الجرأة والتبجح وبين المعارضة والسب والقذف وبين النصيحة والتطاول، فما كان من هؤلاء النشء والشباب إلا أن هتفوا ببطولة الخسيس وبجرأة المتبجح وبمعارضة السباب القذاف وبحكمة المتطاول مما أغرى الخسيس بافتعال المزيد من الحقارة والمتبجح بافتعال المزيد من القذارة والسباب بافتعال المزيد من الدناءة والمتطاول بافتعال المزيد من التجاوز!!
ولقد قررت أن أعجل بمقال اليوم بعد أن تابعت مساء السبت 25 أغسطس جزءًا من برنامج يقدمه الإعلامي خالد عبد الله على قناة (الناس)، حيث كان في استضافته الكاتبان عادل صبري وسليم عزوز والخبير الإعلامي ياسر (وأعتذر لعدم معرفتي بكامل اسمه)، ويبدو لي أن اللقاء كان منصبًا على تقييم ورؤية الضيوف الثلاثة لحرية الصحافة والإعلام على ضوء ما تقيأته بعض الصحف والقنوات الفضائية من سموم أحدثت جدلاً في الآونة الأخيرة بين مؤيد للسموم ومؤيد للسمو.
وبداية فإن ما ذهب إليه الضيوف لم يرق على الإطلاق لما يعرف بالتحليل الموضوعي المحايد الذي ينبغي أن يتوج برؤية واضحة في كيفية التعامل مع القيئ والمتقيئ قبولاً به أو رفضـًا له، فقد تأرجح الضيوف في تناولهم للموضوع حتى أكاد أزعم أن الحلقة قد انتهت دون أن يعلم المشاهدون الموقف الحقيقي للضيوف من حرية الصحافة والإعلام؟ وما هي الحريات المقبولة وكيف نساندها؟ وما هي الحريات المرفوضة وكيف نواجهها؟! لذا فإنني لن أتوقف إلا أمام ما استوقفني من الحلقة، وهو تحديدًا ما جاء على لسان الخبير الإعلامي ياسر من عرض فلسفي غاص من خلاله في عقلية كل من الإسلاميين والليبراليين ليخبرنا بما لا نعلمه عن رؤية كل منهما للآخر!!
وحيث أنني أدعى معرفتي برأي ورؤية الإسلاميين في الليبراليين، وحيث إنني لا أخفى حاجتي لمعرفة رأي ورؤية الليبراليين في الإسلاميين، فقد وجب التعلم سيما وأننا في حضرة خبير إعلامي وصف نفسه بأنه صاحب بناء إسلامي وتوجه ليبرالي يتيح له القدرة على فهم كلا التيارين، وهي بالقطع مزية متفردة لا أظنها تتوافر في الكثيرين بل ولا أظنها ممكنة التحقق إلا في عوالم الأساطير والمعجزات، إذ كيف يجتمع في إنسان واحد بنية ما وتوجه ما يناقض كل منهما الآخر؟!
وعودة إلى فيض الخبرة الذي تفضل به علينا الخبير الإعلامي ياسر الإسلامي البنية الليبرالي التوجه الذي أدهشني في إطار دفاعه عن حرية الصحافة والإعلام من المنظور الليبرالي، حيث أفاد سيادته بأن الليبراليين يتعجبون من جهل الإسلاميين بمدى ما وصلت إليه الحريات الصحفية والإعلامية في الدول الديمقراطية، ثم إذا به يقحم حرية الفن على موضوع الحلقة فيقول إن الفنانة حين تؤدي دور امرأة عاشقة فإنها من منظورها الليبرالي تكون على يقين بأنها تؤدي عملاً إيجابيًّا في غاية الاحترام لذا فإنها تستنكر أن ينظر إليها البعض باعتبارها (...)، ثم إذا به يزيد الطين بلة فوق بلته ويتابع في شأن حرية الصحافة والإعلام من المنظور الليبرالي فيسترشد ويستشهد في ذلك بنماذج ثلاثة حدثت في بريطانيا وأمريكا إبان غزو أمريكا وحلفائها للعراق، وذلك حين نشرت إحدى الصحف البريطانية كاريكاتيرًا (أرجو تذكر أن بريطانيا هي أم الديمقراطية التي لا نعرف أباها حتى الآن) يصور توني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق وكأنه امرأة عاشقة ومنقادة بعشقها لعشيقها بوش الإبن الرئيس السابق لأمريكا (أرجو تذكر أن أمريكا هي المهموم الأكبر بنشر الديمقراطية رغم أنها ليست ابنتها)، كما نشرت صحيفة بريطانية أخرى كاريكاتيرًا يصور توني بلير وكأنه كلب وفي لصاحبه الذي هو الرئيس بوش الابن، كما دأبت بعض الصحف الأمريكية في هذه الآونة على التعامل مع بوش الابن وفريقه الرئاسي على اعتبارهم مجموعة من البلهاء ذوي الاحتياجات الخاصة!! ثم أردف السيد الخبير الإعلامي بأن هذه النماذج لم تسفر في بريطانيا أو أمريكا عن أية ردود فعل رسمية غاضبة!!
وقد اختتمت الحلقة بكلمات من الكاتب عادل صبري لم أكن أتوقعها- بحسب سير الحلقة- أكد من خلالها أن حرية الصحافة والإعلام من المنظور الليبرالي ليست بجديدة على المجتمع المصري، إذ في زمن ما قبل ثورة يوليو- والكلام لعادل صبري- كان بعض رسامي الكاريكاتير يرسمون مصطفى النحاس في صورة امرأة ترقص بالكعب العالي دون أن يغضب هذا النحاس باشا، وهي رواية أثنى عليها الخبير الإعلامي ياسر ودعمها بالمزيد من الأمثلة، ثم اختتم الضيفان كلمتيهما بأن هذه الحرية لا تتعارض وآداب مخاطبة الرئيس في المؤتمرات الصحفية التي لا ينبغي أن يخاطب خلالها إلا بلقب السيد الرئيس!!
أما أنا فأقول لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم قنا الليبرالية بحريتها وقيمها وشيزوفرينيتها، اللهم إن كانت الفضائل قيدًا على الحريات فلا تجعلنا من الأحرار، واغننا بشربة ماء عذب عن بحار العالم التي وإن تجرعناها ما زادتنا إلا ظمأً.. وإلى لقاء قادم أطرح من خلاله رؤيتي المتواضعة فيما ينبغي أن يقر من ضوابط على حرية الإعلام كي يكون إعلامًا للنهضة، وهي رؤية منقولة من كتابي "أطواق النجاة لأمة تغرق" الصادر 2004 حين لم يكن لببغاوات اليوم حدثـًا يرى أو حديثـًا يسمع!!

نقلا عن إخوان أون لاين