مشاهدة النسخة كاملة : علاقات الخرطوم والقاهرة في ظل رئاسة مرسي(ياسر محجوب الحسين)


ابو نسيبة
08-27-2012, 01:54 PM
علاقات الخرطوم والقاهرة في ظل رئاسة مرسي(ياسر محجوب الحسين)

ليس من السهل أن نحكم بأن تسلم الإخوان المسلمين لمقاليد السلطة في مصر يخدم تلقائيا العلاقات السودانية-المصرية باعتبار تشابه بنية النظامين العقدية.
نظام الخرطوم يواجه بعض الفتور وربما التشكك من جانب الإخوان المسلمين في مصر، فأحد قادة حزب المؤتمر الشعبي المعارض في السودان الذي يتزعمه الزعيم الإسلامي المعروف الدكتور حسن الترابي ذكر أن الرئيس المصري الجديد محمد مرسي قال حين التقى وفدا رفيعا من حزب المؤتمر الشعبي زار القاهرة مهنئا إنه لا يعرف غير حسن البنا وحسن الترابي.
إن صح ما نقله ذلك القيادي فإنه يحمل عدة دلالات، منها أن القيادة الإخوانية في مصر تتعاطف مع حسن الترابي الذي اختلف مع الرئيس عمر البشير في العام 1999 في مفاصلة شهيرة بين الإسلاميين في السودان، أكثر مما أنها تتعاطف مع الشق الآخر المتمثل في حزب المؤتمر الوطني برئاسة الرئيس عمر البشير.
لكن في المقابل ليس لمصر في ظل القيادة الإخوانية مصلحة في أي توتر مع القيادة السودانية الحالية، بل إن مصالحها الإستراتيجية الكبرى تستعصم بأرض السودان، مصالح تتعلق بالأمن القومي المصري بمفهومه الشامل، عسكريا واقتصاديا، فالحلول الناجعة لأزمات مصر تكمن في علاقات قوية مع السودان.
والنظام الحالي برئاسة عمر البشير يعد الأقرب إذا ما تجاهلنا ما صدر من القيادي بحزب المؤتمر الشعبي، وما نقل عن الرئيس مرسي ربما جاء في سياق عاطفي تغلب عليه المجاملة، ولكن المصالح السياسية لا تعرف المجاملة ولا تنحني للعاطفة.
أوجه الشبه والاختلاف
لا شك أن هناك أوجه شبه بين القيادتين في البلدين تعزز وترجح التعاون القائم على المصالح المشاركة وكذلك التحديات المتماثلة سواء كانت داخلية أو خارجية. كما هناك أوجه اختلاف بين النظامين تعطل وتكبح بصورة مستمرة فرص التلاقي والتعاون على تعزيز المصالح المشتركة.
ربما يتفاخر الإسلاميون في مصر على الإسلاميين في السودان بأنهم جاؤوا عبر صناديق الاقتراع عقب ثورة شعبية أطاحت بنظام الرئيس السابق محمد حسني مبارك، بينما جاء الإسلاميون في السودان عبر انقلاب عسكري في يونيو/حزيران 1989، وهذه تعد واحدة من أهم أوجه الاختلاف بين النظامين.
فأي تحالف مع نظام البشير قد يجد مقاومة من بقايا نظام مبارك التي ما زالت متنفذة في مفاصل الدولة المهمة خاصة المخابرات.
كما أن الرئيس مرسي قد يجد حرجا مع القوى السياسية الأخرى في مصر وهو يقيم تحالفا مع الخرطوم، فضلا عن أن الولايات المتحدة الأميركية التي ما زالت حتى هذه اللحظة أكبر مانح للمعونات لمصر لا تحبذ أي تحالف أو حتى علاقات تتعدى ذلك المستوى الفاتر إبان عهد نظام مبارك، ومعروف أن مصر ثاني أكبر قطر في أفريقيا بعد إثيوبيا يتلقى المعونات الأميركية خاصة القمح.
الإسلاميون في السودان لا يجدون حرجا كونهم جاؤوا بانقلاب عسكري ويشيرون إلى عدم ثقتهم في الولايات المتحدة التي كانت وراء إجهاض صعود الإسلاميين إلى سدة الحكم في الجزائر.
على سبيل المثال فالمجتمع الدولي الذي تقوده وتحركه واشنطن لا يسمح بحكم الإسلاميين حيث قام الجيش في الجزائر بدعم غربي في العام 1992، بإلغاء نتائج الانتخابات التشريعية للعام 1991 التي حققت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ فوزا كاسحا، وكانت أول انتخابات تعددية تشهدها الجزائر منذ استقلالها في 1962.
أما أوجه الشبه بين النظامين فتتمثل بشكل رئيسي في أن النظامين إسلاميان وتربط بينهما عروة وثقى ورؤية مشتركة في الحكم، وهما يمثلان في نظر الغرب والعلمانيين ما يسمونه بالإسلام السياسي.
ويبدو أن أوجه الشبه هي الغالبة من الناحية النظرية، لكن عمليا قد تكون أوجه الاختلاف غالبة -ربما مؤقتا- في ظل تعقيدات النظام الدولي وتقاطع المصالح الدولية في المنطقة.
التحديات المشتركة
فيما كانت الصحافة المصرية -وما زالت - تكيل السباب للرئيس مرسي الذي لم يشفع له عندها أنه جاء بانتخابات حرة كانت تتويجا لثورة اقتلعت نظاما ديكتاتوريا، وفيما تهرول حكومة الرئيس عمر البشير لمفاوضة دولة جنوب السودان المسنودة أميركيا وإسرائيليا تحت سيف قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2046) الذي يرفع عصا البند السابع، قالت صحيفة جيروزاليم الإسرائيلية إن إسرائيل وقعت أول اتفاقية دولية مع دولة جنوب السودان.
وتهدف الاتفاقية لاستغلال مياه النيل ومشروعات تحلية ونقل المياه، وقد أينعت بعد فصل جنوب السودان خطط سرقة مياه النيل، واستعد الإسرائيليون لقطافها. حصة مصر من مياه النيل في خطر داهم، وأمن السودان تعبث به المخابرات الإسرائيلية من بوابة دولة الجنوب الوليدة.
الدولتان (مصر والسودان) تواجهان في ظل النظامين الإسلاميين ممانعة دولية وإقليمية، وإن كانت تبدو خجولة في حق مصر باعتبار أن الإسلاميين فيها جاؤوا عبر صناديق الاقتراع، لكنها في حق السودان تبدو سافرة وعنيفة في كثير من الأحيان، ليس لأن الرئيس البشير جاء عبر انقلاب عسكري فحسب، ولكن لأن النظام في الخرطوم يعاني كذلك ضعفا وعدم استقرار بسبب الاضطرابات السياسية في ولايات النيل الأزرق وجنوب كردفان فضلا عن اتهامات جرائم الحرب في دارفور.
دوليا، تقود الولايات المتحدة المعارضة ضد "الإسلام السياسي" تحت مزاعم محاربة الإرهاب الدولي، إقليميا تتوجس أفريقيا عموما من الإسلام السياسي والثقافة العربية الإسلامية، ونذكر هنا أن رئيس دولة الجنوب سلفا كير ميارديت وقف مستغيثا عقب الاشتباك العسكري الأخير مع جاره في الشمال مخاطبا أفريقيا قائلا إنه يحتاج للدعم لأنه يواجه الإسلام والعروبة القادمين من جهة الخرطوم.
كذلك نجد أن دولة ذات ثقل كبير مثل المملكة العربية السعودية لا تبدي ارتياحا للنظامين في الخرطوم والقاهرة، باعتبار أن الإسلام السياسي يهدد حكم أسرة آل سعود، ولذا هناك توافق سعودي أميركي على مكافحة الإسلام السياسي.
الاقتصاد الهش في البلدين واحد من التحديات المشتركة الهامة، لكن في الوقت نفسه فإن هذا التحدي يعد فرصة سانحة لإقامة علاقات ذات طبيعة إستراتيجية بين البلدين، فمصر التي تواجه أخطارا من تغير المناخ تعتمد بشكل كامل تقريبا على مياه النيل وتتابع بقلق مشروعات السدود التي تقام في دول أعالي النيل.
إن على السودان ومصر أن يدركا أن دورهما في منظومة دول حوض النيل أكبر من أن يقفا في محور مضاد لبقية الدول السبع، فالدور التاريخي لكل من السودان ومصر يتطلب أن يشكلا قيادة وقدوة لباقي الدول.
هذا الدور المرتجى لن يتم إلا بتعاون بل تطابق كامل في وجهات النظر في القضايا المختلفة، على الدولتين السودان ومصر حل القضايا العالقة بينهما وتسوية الملفات المؤجلة أولا، ومن ثم لعب ذلك الدور القيادي في منظومة دول حوض النيل.
وتعد قضية حلايب واحدة من التحديات التي تواجه علاقات البلدين، اليوم كل دولة تتمسك بأحقيتها في هذا المثلث الغني بالمعادن، ولن يتغير موقف مصر في عهد مرسي من قضية حلايب، لكن ربما كانت أكثر استعدادا لإحالة القضية إلى التحكيم الدولي، وهذا يرضي الطرف السوداني، وحتى لو كان الحكم في صالح مصر فإن ذلك يرفع الحرج عن نظام البشير في الخرطوم.
ثم ماذا بعد؟
لا يبدو أن طريق إقامة علاقات طبيعية بين السودان ومصر في عهد الرئيس المصري الجديد محمد مرسي سيكون مفروشا بالورود، إذ لا تكفي النوايا الحسنة ولا العاطفة الجياشة في عالم السياسة الدولية بالغ التعقيد.
إن كان الحديث "الكلاسيكي" بشأن أن مصر امتداد طبيعي للسودان وكذا السودان امتداد طبيعي لمصر، فإنه حان الوقت لأن ينظر لتلك المقولات بجدية أكبر، بحيث تتجاوز محطة "الكلاسيكية" إلى محطة الفعل الحقيقي، آمال وأحلام الشعبين السوداني والمصري في تحقيق التكامل الذي أصبح ضرورة ملحة.
بيد أن الطريق طويل وشاق، ومن الضرورة بمكان أن يبدأ البلدان السير فيه، لا يجب أن تدفع المشاكل العويصة التي تمسك بتلابيب النظام في السودان إلى نوع من الهرولة تجاه القاهرة، فمعرفة طريقة تفكير الرئيس مرسي مهمة لتأسيس علاقات قوية.
لقد أخطأت طهران عندما ظنت أن صعود الإسلاميين لسدة الحكم في مصر يشكل بيئة مواتية لتمد نفوذها في أفريقيا مستفيدة من ثقل مصري في القارة السمراء، لكن مصر كانت حذرة وتحسست مصالحها ولم تستجب لهرولة طهران.
سريعا نفت مصادر إعلامية مصرية رسمية أن يكون الرئيس المنتخب محمد مرسي قد أجرى أي مقابلات صحفية مع وكالة الأنباء الإيرانية (فارس) التي كانت قد ذكرت أن مرسي عبر في مقابلة معها عن رغبته في استئناف العلاقات مع طهران لتحقيق "توازن إستراتيجي" في المنطقة. مرسي يدرك أن الاقتراب من إيران له كلفة سياسية كبيرة جدا.
داخليا، لا بد أن يتجاوز النظامان في الخرطوم والقاهرة مأزق توظيف الدين في العمل السياسي، أو توظيف المقدس تحديدا، هذا ما يأخذه المفكر المغربي المعاصر عبد الإله بلقزيز على الحركات الإسلامية التي صعدت إلى الحكم.
لقد جاء نظام الرئيس البشير مبشرا بنظام حكم إسلامي يهدف إلى سيادة الفكر الإسلامي واعتماده أسلوب حياة بديلا للفكر الغربي القائم على العلمانية والرأسمالية، وكذا هي رؤية الإسلاميين في مصر، ليستحضر النظامان أن المكون الفكري السياسي للحركات الإسلامية حول العالم تأسس على أدبيات وتجارب تراكمية، أهم ما فيها أن الإسلام دين الوسطية، وليس الدين مجرد مجموعة شعائر وحركات ظاهرة مجودة دونما بعد معنوي.
لا يجب أن تتجه ممارسة السياسة الرسمية في كلا البلدين نحو مصادرة المجال السياسي كمجال عمومي، وتنمية وتغذية شروط احتكار السلطة، ومنعها من أن تصير إلى تداول عام ديمقراطي بين المكونات السياسية في المجتمع.

نقلا عن الجزيرة نت