مشاهدة النسخة كاملة : "الميدان" بين تظاهرتين (بركات شلاتوة)


أبو فاطمة
08-25-2012, 08:54 AM
"الميدان" بين تظاهرتين (بركات شلاتوة)

مع تحول مصر من الاستبداد إلى الحالة الثورية ووضع أقدامها على سكة التحول الديمقراطي بانتظار إنجاز الدستور الجديد، بات الشعب المصري هو المحور الذي يدور حوله النظام السياسي ومؤسسات الدولة، سياسية وأمنية، وللشعب أن يقول كلمته في أي أمر يخص دولته ومستقبله، وعلى القيادة الجديدة التنفيذ . ومادام أن حق التظاهر السلمي والتعبير عن الآراء بات مكفولاً للجميع، فعلى السلطات أن تتقبل بصدر رحب التظاهرات التي انطلقت أمس (الجمعة) وتستمر اليوم (السبت)، والداعية إلى حل جماعة الإخوان المسلمين وعزل الرئيس محمد مرسي، طالما أنها لم تتجاوز حدود التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي، بل يجب عليها أن تحرص كل الحرص على حماية المتظاهرين والسهر على أمنهم وحمايتهم من أي عناصر متطرفة أو من “البلطجية الجدد” إذا ما حاولوا استهدافهم، خاصة أن ميدان التحرير، نواة هذه التظاهرات، هو نفسه الذي أتى بجماعة الإخوان إلى سدة الحكم بعد التظاهرات التي أطاحت الرئيس السابق حسني مبارك ونظامه .
وفي الوقت عينه يجب أن يحرص القائمون على هذه التظاهرات والمشاركون فيها أن تبقى في حدود التحرك السلمي غير العنيف، وألا تكون مدخلاً لنشر الفوضى والتخريب واستهداف المؤسسات العامة والخاصة، لأن ذلك سيكون ذريعة لقمع هذا التحرك وإنهائه، أما إذا حافظت التظاهرات على سلميتها فقد يزداد زخمها وعددها وتتوسع وتنتشر، وكما تم اقتلاع نظام ضربت جذوره في مصر لثلاثين عاماً في ثمانية عشر يوماً بتظاهرات سلمية، فإن نظاماً لم يتجاوز الستين يوماً من السهل اقتلاعه في لحظات إذا صدقت النوايا وكان الهدف خدمة مصر ورفعتها وتقدمها .
لذلك فإن على القيادة المصرية الجديدة أن تعي الدرس جيداً وأن تنزل عند رغبات الشعب وتحقق تطلعاته، وألا تنفرد بالحكم وتعيش في برجها العاجي بعيداً عن أحلام وتطلعات البسطاء، وأن تكف عن السير في درب النظام السابق، وهذا الكلام لا يأتي من فراغ، حيث بدأت القيادة الجديدة عهدها بقروض مذلة من صندوق النقد الدولي، والكل يعلم ما تعنيه القروض والاستدانة، وما يتبعها من شروط وإملاءات وتدخلات دولية ترهن القرار الوطني بإرادات دول ومؤسسات أجنبية، والغريب أن الوزارات التي سبقت “الإخوان” في العهد الجديد أكدت أنها لن تلجأ إلى القروض أو الاستدانة، وحتى “جماعة الإخوان” نفسها انتقدت حكومة كمال الجنزوري لأنه كان يتفاوض مع صندوق النقد على قرض “ربوي”، وما إن تسلمت زمام الأمور حتى هرولت نحو البنك الدولي وصندوق النقد وطلبت قرضاً أكبر من الذي طلبته حكومة الجنزوري، وهذا يمثل استمراراً للسياسات الاقتصادية والاجتماعية السابقة التي أوصلت المصريين إلى الهاوية .
وهنا، فإن بإمكان النظام الجديد الاستثمار في الطاقات المصرية وتحقيق تنمية داخلية تغني المصريين عن طأطأة رؤوسهم لمؤسسات النقد الدولية التي تضع شروطاً مسبقة تنتقص من سيادة الدولة وتتدخل في شؤونها الداخلية، وتبنّي سياسات اقتصادية جديدة تكبح تحرير الاقتصاد المحلي وتفرض من خلالها ضرائب عادلة على رؤوس الأموال وتخفف الأعباء عن الفقراء والمحرومين . الأهم من ذلك أن الانفجارات الاجتماعية التي تصيب المجتمعات تنتج في أغلبها عن ظروف اقتصادية سيئة تصيب شريحة واسعة من الناس، فهل تعيد مصر الكرّة من جديد وتعيش مخاض ثورة جديدة على القيادة الجديدة؟

نقلا عن دار الخليج