مشاهدة النسخة كاملة : لنقتل السلطة و لنقل: إن وفاتها طبيعية ! (سيد ولد محمد الأمين)


أبو فاطمة
07-20-2012, 09:12 AM
لنقتل السلطة و لنقل: إن وفاتها طبيعية ! (سيد ولد محمد الأمين)

دخلت في حالة من الحزن ألجمت تفكيري، و عقدت لساني، و جمدت مداد قلمي، فلم أكد أفيق من هول صدمة سقوط الطائرة العسكرية الأسبوع الماضي و استشهاد سبعة من أبناء هذا الوطن في ظروف درامية، حتى أتت الأنباء بخبر محزن آخر: استشهاد محمد المشظوفي !
سرحت بعيدا.. و طافت بي الذكريات عهودا مختلفة لأنظمة حسبتها مختلفة، لكنها لم تكن سوى نظام واحد، بمنطق واحد، و عقلية واحدة، و ممارسات واحدة..
تذكرت السيدة الشهيدة "مريم" (هذا هو اسمها إن لم تخني الذاكرة) التي قضت في إحدى نزوات الأمن السادية.. رحمها الله.
اختنقت من مسيلات الدموع العشوائية التي أطلقوها بكثافة إثر تظاهرات طلابية في الألفين مناهضة للعلاقات مع الكيان الصهيوني.. كانت السيدة الشهيدة قد خرجت لتوها من سوق محلية للحوم و الخضار في تيارت (مرصة سيدي) الخامسة مساء تقريبا و هي تحث الخطى لتعد إفطارها بعد محاولتها قضاء يوم من رمضان المنصرم، أفطرت السيدة في العالم الآخر مختنقة، و قضي على جنينها الذي لم يبصر النور قط.
يومها لم تكن وسائل الاتصال قد تطورت بشكل كاف لتعمم نشر الخبر، و إن ظل تداوله محدودا خصوصا في بيانات بعض الأحزاب المعارضة، و بعض الأوساط المحدودة، و كانت الذاكرة في هذا الوطن أبخل و أضن من أن تتذكرها بعد ذلك، فيما تم اعتبارها وقتذاك قد "حان أجلها" و موتها كان "قضاء و قدرا".
كانت السلطة آنذاك "لا تفعل إلا خيرا".. و من الصعب أن يتقبل تحميلها مسئولية وفاة السيدة، فكان مصير قضيتها النسيان.
ثمان سنين بعد ذلك: على إثر ارتفاع جنوني للأسعار، متظاهرون في باركيول شرقي البلاد يخرجون للتعبير عن استيائهم من ذلك، لكن سلطة القمع لا تزال بكعبها العالي و أحذيتها الخشنة بالمرصاد لكل تعبير لا يروقهم فيسقط شهيدا ولد الطالب بوبكر على أيدي الدرك، تم تغذية هذا الحدث ضد رأس السلطة المستضعف في ذلك الوقت ضمن حملة واسعة لخلق تذمر واسع ضده ستتكشف معالمها فيما بعد، لكن أي تصرف منطقي أو متحضر لم يقع إثر ذلك الحادث، فلم يستقل أي بواب في وزارة الداخلية احتجاجا على الحادث أو تحملا لمسئوليته.
و ظل الجاني محتفظا ببزته و سلاحه، و لا يزال يترقى في السلك إلى يومنا هذا !
منذ أكثر من سنة على خلفية أحداث مقامه التي خرج فيها محتجون من الزنوج على الإحصاء الذي وصفوه بأنه عنصري ـ و هو كذلك فعلا ـ قتل الدرك مرة أخرى ولد الطالب بوبكر، هذه المرة الشهيد اسمه: مانغان، و ثارت ضجة كبرى، و سوقت القضية على أنها تمرد عرقي تم قمعه، و رضي بعض الناس بهذا التفسير لأنه يروي ظمأ في نفوسهم، و طوي الفصل الجديد ببرود سيبيري.
منذ أكثر من شهر، و في مظاهرة لحركة "إيرا" الانعتاقية، ووجهت التظاهرة بشراسة كما في كل مرة، و تم نقل صاحب متجر يدعى الشيخ ولد المعلى إلى المستشفى، لكنه أسلم الروح إلى بارئها، و كان من المحتمل أن يقال قضى هذا الشاب مختنقا في التظاهرة من كميات مسيلات الدموع المنهمرة على المتظاهرين كما عودتنا سماء ولد عبد العزيز الأمنية، لكن أطباء حاذقين في المستشفى قالوا بأن وفاة ولد المعلى لأنه كان يعاني مرضا لا أعرف كيف و بأية قدرات اكتشفوه فجأة وأنه هو الذي تسبب في وفاته في اللحظة التي قمعت فيها الشرطة المتظاهرين، و أن لا علاقة لموته باختناق !!!!!!!!!!
صدق الكثيرون هذا الكلام، أو لم يكن لديهم الحق في أن يقولوا أن الشهيد كان من ضمن المتظاهرين، و إنما كان في محله آمنا مطمئنا إلى أن اختار الموت لحظة خروج إيرا تلك فجاءه بالصدفة وقتئذ !!!!
أعرف الشهيد الأخير محمد ولد المشظوفي، لم يكن يشكو من مرض، كان شابا عاملا "منيفر" في mcm و كان يختار نوبة الليل في الغالب..
اشترك محمد مع زملائه في إضرابهم على إثر نكوص الشركة عن وعودها في الشتاء.. هناك مستفيضة من الشهود الذين رأوه وقت قمع الحرس و هو يضرب و يسحل و يستنشق من سموم غاز cs ...........
هذه المرة أمام سطوة و تأثير الموقف، و وضوح الجرم، و فتح الجميع لعيونهم و آذانهم ترضخ السلطة في مناورة (يبدو أنها لم تكن سوى مناورة لامتصاص الغضب) و تسمح بتشريح جثة الضحية الشهيد، و لكن المفاجأة الوقحة التي تخرج بها السلطة من نتائج التشريح هي أن الوفاة كانت طبيعية، و مرة أخرى وفقا للرواية الرسمية يبدو أن الوقت المفضل للموت لكي يزور الناس هو في قلب التظاهرات !!!!!! أي سخف هذا، و أي تزوير للحقيقة الساطعة؟؟
يتهرب المسئولون الحكوميون بجبن و نذالة عن الاعتراف بالحقيقة و مواجهتها، و يلجئون عوضا عن ذلك إلى إفساد كل شيء، و يلجئون إلى الخبرة في البلد (الأطباء في هذه المرة) ليبرروا أخطاءهم القاتلة، و يزوروا الحقائق، كما فعلوا لتبرير إقامة العلاقات مع إسرائيل (الفقهاء)، كما فعلوا لتبرير انقلاب فج على الشرعية (المجلس الدستوري).
بهذا تقتل السلطة ليس محمد المشظوفي و الشيخ ولد المعلى و مانغان و ولد الطالب بوبكر و مريم........ تقتلنا جميعا، و تلغي كل قيمة للحياة البشرية، و تلغي أي معنى للخبرة و الاستقامة، بهذا تقتل الحقيقة، و تحاربها، و تمنع شعبا من أن يحترم نفسه، نخبه، فقهاءه، قادته، قضاته، أطباءه، أساتذته، جنوده....
أصبح من الواضح في ظل لا مبالاة هذه السلطة و استهتارها بكل ما هو حقيقي و مقدس و رمزي (لم ينكس العلم و لم يقم حداد بعد استشهاد ضحايا الطائرة العسكرية السبعة، ضحايا الإهمال و الجشع) أصبح من الواضح أننا في صراع وجود مع هذه السلطة: إما أن نسمح لها بقتلنا و ستجد مئات المبررات الواهية لذلك، أو نقتلها فينا و لدينا ألف سبب لذلك.
فلتسقط السخافة و احتقار عقول المواطنين !
ليسقط نظام التدجين و القضاء و القدر !

نقلا عن الأخبار