مشاهدة النسخة كاملة : العلاقة بين مرسي والمجلس العسكري (عبد الله الأشعل)


أبو فاطمة
07-02-2012, 11:40 PM
العلاقة بين مرسي والمجلس العسكري (عبد الله الأشعل)

الإشكالية الأولى التي يواجهها الرئيس الجديد في مصر هي مدى استعداد المجلس العسكري في أن يُسلِّم السلطةَ كاملةً كما تسلَّمها من مبارك إلى رئيسٍ جديد، ولعل هذه الإشكالية في نظر الكثيرين يمكن أن تشغل الرئيس الجديد عن الوفاء بمتطلبات الشعب المصري ووعوده الانتخابية فيؤدي ذلك إلى فشله وخذلانه في تحقيق هذه الوعود؛ ما يؤدي إلى انقلاب الشعب عليه وعلى جماعته من نفس الميادين التي انطلقت منها الثورة ضد النظام.
وإذا كان النظام القديم قد خسر معركة الانتخابات الرئاسية فإنه سوف يسعى إلى زرع الأشواك في مسيرة الرئيس الجديد، خاصةً إذا بدأ العمل في اتجاه العزل السياسي، وتحقيق القصاص للشهداء والمصابين ومكافحة الفساد، وكان يتعين على المجلس العسكري أن يساعد الرئيس الجديد في تحقيق برنامجه الانتخابي خدمةً لمصر، ولكني أعتقد أن تصور هذا التعاون بعد تجربة المرحلة الانتقالية الأولى هو نوعٌ من السذاجة السياسية، وبعبارة أدق أن الرئيس الجديد قد يتمكَّن من تحقيق بعض أهداف برنامجه الانتخابي إذا نجح في معالجة هذا التحدي الأول الذي قد لا يعترف به البعض، ولكنه جزءٌ أصيلٌ من المشهد السياسي؛ حيث يصرُّ المجلس العسكري على تقاسم السلطة مع الرئيس الجديد.
والسؤال الذي يلحُّ في هذا التحليل هو: هل يعمل المجلس العسكري في هذا الخط ضد إرادة كل المصريين أم أنه يستجيب لبعض الشرائح في المجتمع المصري التي تعتبر نجاح الرئيس الجديد هو نجاح لجماعة الإخوان المسلمين؛ ولذلك فإنَّ هذه الشرائح ليست مقتنعةً بأن الرئيس الجديد يعمل بعيدًا عن هذه الجماعة، وسواء ابتعد عنها أو اقترب فإن بعض هذه الشرائح تدعم سلوك المجلس العسكري ضد الرئيس الجديد، خاصةً أن مدة الرئيس الجديد تبدأ من اللحظة التالية لأداء القسم الدستوري.. صحيح أن المجلس العسكري تعهَّد بتسليم السلطة للرئيس ولكن المجلس العسكري يرى أنه الأحق بالاحتفاظ بالسلطات التي كان يمارسها البرلمان قبل حله وأهمها الميزانية ورقابة أعمال الحكومة والتشريع، ويضنُّ على الرئيس الجديد بأي سلطةٍ تشريعيةٍ كانت مخولةً له بموافقة خاصة من البرلمان.
بعبارةٍ أخرى فإن المجلس العسكري يحتفظ الآن بأدوات السلطة بعد أن سلَّم السلطة أي بالمفاتيح بعد أن سلَّم المبنى، كما احتفظ بالميزانية، وهي أساس أي عملٍ تنفيذي مثلما احتفظ بالتشريع، وهو أهم أدوات الحكم، وكذلك احتفظ بهامشٍ واسعٍ في وضع دستور جديد.. فلماذا لا يترك المجلس العسكري المسئوليةَ السياسيةَ التي تسلَّمها مساء 11 فبراير 2011م، ويعود إلى مهمته العسكرية ويكون حارسًا معنويًّا لسلامة البلاد؟!.
الحق أن المجلس العسكري هو الوجه المباشر لنظام الحكم في مصر منذ عام 1952؛ حيث تداول السلطة ثلاثة رؤساء كلهم من العسكريين بصرف النظر عن مدى اعتماد كل منهم على الجيش أو الشرطة، وقد اعتمد حسني مبارك في تدعيم سلطته وحماية فساده وتسلُّط نظامه على الشرطة؛ ولذلك كانت المواجهة بين الشرطة والثورة سببًا في أزمةِ الثقة التي نأمل أن تزول بين الشعب والشرطة، بينما بقيت صورة الجيش بوصفه المنقذ والمخلص، وتعززت هذه الصورة يوم انضمَّ عددٌ من شباب ضباطه في حماسةٍ ظاهرةٍ إلى الثورة، ويوم ظهرت على دبابات الجيش في ميدان التحرير شعارات مناهضة لنظام مبارك.
وهكذا تعددت الإشارات والدلالات التي أقنعت الشعب بأن المجلس العسكري لا يريد السلطة، ولكن هذا الاعتقاد لا يُفسِّر تمامًا تمسُّك المجلس العسكري بالسلطة رغم وعده بتسليمها كاملاً.
المعركة الأولى إذًا للرئيس الجديد هي كيف يمكن أن يجمع الشعب المصري كله وراءه حتى يقرأ المجلس العسكري الرسالةَ وحتى يعود إلى دوره الوطني بقيادة القوات المسلحة والبعد بها عن السياسة والحكم؟.. فيرى البعض أن الرئيس الجديد الذي يمثل كلَّ المصريين بعد نجاحه يجب أن يتمكَّن من تنفيذ أهداف الثورة دون أن تستنفد قواه من جانب المجلس العسكري والنظام السابق، ودون الدخول في صراعٍ معهما، فمن الطبيعي أن يحسم الصراع لصالح النظام الجديد حتى لا تعود مصر إلى الوراء؛ ولذلك فإن مسئوليةَ المجتمع المصري كله هي أن يحتشد وراء الرئيس الجديد في ملحمة البناء والتنمية بدلاً من توجيه هذه الطاقة الكبرى في صراعٍ يضرُّ بمصر وأهلها.
فإذا كان النظام القديم قد ظلم مصر طوال العقود الماضية فلا يجوز له أخلاقيًّا أن يعيدها إلى الفساد والتبعية مرةً أخرى، ويجب على المجلس العسكري أن يساند الشعب ورئيسه في تقرير مصيره.
ونريد أن نُحذِّر من أن يستدرج الرئيس الجديد إلى معارك ثانوية داخلية أو خارجية، وألا ينسى أن جزءًا من البيئة الداخلية والخارجية يتربص بالنظام الجديد؛ ولذلك فإن الرئيس الجديد يجب أن يتسلَّح بثلاثة أوراق حاسمة ولازمة لنصرة إرادة الشعب المصري.
الورقة الأولى: هي الالتحام بالشعب ومصارحته وكشف الحيل والألاعيب التي تُنصب له فهو أقرب إلى قائد ثورة من رئيس دولة في ظروفٍ طبيعية.
أما الورقة الثانية: فهي أن يُشكِّل فريقًا يمثل الرجال حوله وليس رجال الرئيس؛ لأن رجال الرئيس هم المنافقون، وأول علامات الفشل في مسيرته، ولكن الرجال حوله هم رجال قبل أن يجندوا في كتيبته يخدمون وطنهم في هذه الكتيبة، وهم عادةً ممن يفرون عند الطمع ويكثرون عند الفزع، أولئك الذين يؤمنون بالرسالة وليس بالمغانم والوظائف والأسلاب.
وأما الورقة الثالثة: فهي الحذر من التورط في تصريحات أو أفعال تصرف القافلة عن مسيرتها وتُمكِّن المتربصين من النيل منها، فالآمال كبار ولكن الحديث عن تفاصيلها دون توفر أدوات تحقيقها قد يدفع إلى مزالق، ولنذكر دائمًا أن الثورة المصرية في عام 1952 لم تضع على جدول أعمالها الصراع العربي الإسرائيلي، ولكن إسرائيل هي التي تحرَّشت بمصر ولم يكن لها دخل في قرار تأمين قناة السويس، ولكنها كانت ترقب بقلق الثورة المصرية وهي تُحقق إنجازات كبيرة في البناء والتنمية فقامت بغزو سيناء ضمن مخطط العدوان الثلاثي على مصر ولم تنسحب إلا بعد أن استخلصت من جمال عبد الناصر اتفاقًا يسمح لها بالملاحة في خليج العقبة، فلمَّا أغلق عبد الناصر الخليج في وجه الملاحة الإسرائيلية دون سبب أو تدبير معقول تذَّرعت إسرائيل بذلك وانقضت على مصر عام 1967، وأسقطت من الناحية السياسية نظام الحكم ثم تمكَّنت من مصر ونظامها بعد ذلك، وعندما استعادت مصر سيناء دفعت الثمن غاليًا، وهو رهن إرادتها في الداخل والخارج؛ ما أدَّى إلى تدهور مصر داخليًّا وخارجيًّا وضعفها.
هكذا يتسلَّم الرئيس الجديد مصر بهذه الحالة وبكل الآمال المعلقة عليه وبكل الثقة التي منحها الشعب له لكي تترجم حكمه إلى قيادةٍ رشيدة.
تلك هي التحديات الكبرى التي تواجه الرئيس الجديد فإن واجهها بنفسه فشل في أول عتبةٍ من عتبات تنقية البيئة المصرية من شراكة السلطة مع المجلس العسكري، ولكن إن اعتصم بعصبةٍ من الجنود الأكفاء في جميع المواقع وبشعبٍ يتوثب إلى الحرية والرخاء فإنه سوف يصل إلى تحقيق ما يتمناه، وسوف يكون المجلس العسكري سندًا له يُفسح له الطريق ولا يصرُّ على الشراكة، وهذا هو بداية النجاح أو الفشل في مسيرة الرئيس الجديد.

نقلا عن إخوان أون لاين