مشاهدة النسخة كاملة : الانفراد بالحكم أساس الاستبداد (محمد ولد الراجل)


أبوسمية
06-17-2012, 08:05 AM
.




الانفراد بالحكم أساس الاستبداد (محمد ولد الراجل)

بدأ عالمنا العربي يعي ـ متأخرا ـ أن دولة الفرد الحاكم، والقائد المطاع لم تعد صالحة، وأن الرأي الجماعي، والأحزاب السياسية، والجماعات المؤسسية هي من تصلح لأن تدير دفة الحكم..
ورغم أن الأمر قديم مع الاسلام إلا أن الكثير منا لا يتفهمه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مصادرا لم يكن مصادرا للآراء، بل إنه جسد "إنما هو الرأي والمشورة"، وتبعه في ذلك صحابته الكرام..
لكن في عالمنا الحديث كانت أمتنا الاسلامية والعربية منها بشكل خاص تعيش حكما استبداديا عنوانه الفرد بأمنه، ومصالحه الضيقة المحيطة به.
الحركات السياسية بداية إنهاء الاستبداد
يرمي الكثير من عبدة الدكتاتوريات الجاثمة الحركات السياسية بأنه توظف شعاراتها من أجل أهدافها الخاصة..
لكن الحقيقة تقول إن هذا هو المنطق الذي تعاملت به الأنظمة الدكتاتورية مع أصحاب المشاريع، ولا أريد أن أخصص أي توجه بعينه في هذا الصدد، إذ أعتقد أن لكل فكر أهدافا سياسية يعتقد أن الدول لا يمكن أن تصلح إلا بها.
ولا بد من الاشارة يسيرا إلى أن بعض التيارات السياسية التي بدأ نجمها يأفل كانت ثغرتها الأساسية التي أوتيت منها تقديسها لقوادها، وإيمانها بالقوة الانقلابية كوسيلة وحيدة للاستيلاء على الحكم.
ومن الطبيعة الجماعية أن العمل الحزبي والمؤسسي يروض الحركات على السماح بالرأي الآخر، والتنفيذ الجماعي للخطط المطروحة.
ثم إن العمل المؤسسي ـ الذي لا يقوم على فرد ـ والطبيعة الديمقراطية، تجعل السياسيين "الجماعيين" يميلون إلى الاصلاح أكثر، إذ الدائرة عليهم، والشعب هو من يملك حق تقويمها، فقد اعتادوا الرأي الآخر..
وفي العالم الغربي كثر التغيير في رأس الحكم، والوعود أكثر، لكن مالا يمكن إنكاره وجود إصلاحات جوهرية وبنى تحتية مشيدة، تمس الحاجيات الوطنية..
ليس هذا بالأساس رغبة في الاصلاح، ولا في بناء الدول بالنسبة للحاكمين بالغرب، وإنما هو ـ برأيي ـ نتيجة ظروف تحتم عليهم العمل لصالح الشعوب، خوفا من نزع الثقة في أول انتخابات، والملاحقة القضائية بعد انتهاء المأموريات، إذ أنهم لا يحلمون أبدا بالاستمرار في هرم السلطة.
الفرد: عقلية الاستمرار والاستبداد
وفي المقابل، نجد الفرد القائد بتصوراته الشخصية وبجماعته المتمصلحة المحيطة به نجده ينظر إلى الآخرين نظرة استعلاء، ويأمر الشعب أوامر إلهية يجب تنفيذها..
أهم ما يميز الحكم الفردي أن صاحبه يأتي عن طريق انقلاب، ويرد أن ينتهي حكمه بوفاته لينتقل بعدها بتوريث إلى ولده..
هي نظرة ملكية للشعب، وانفراد بالقرار، لا يحق لأي كان أن يطالب بحقه، نظرة منطقها أن ما أعطى الحاكم للشعب من حقه منة عليه ولا يستحقها..
وما يميز الفرد القائد ـ والتاريخ يشهد ـ كفره المطلق بالآخر، وتحكيمه لمنطق القوة، وفي أغلب الأحيان نجده يحكم بعصابة منها من يظهر على أنه انتخب بصناديق اقتراع الله أعلم بما جرى فيها، ومنهم من يتقاضى الرواتب من المصالح الحساسة، ومنهم من تجبى إليه ثمرات ليعطي خبرا عن حركة بعينها..
هي باختصار دولة بوليسية يدرها فرد ينظر إلى الشعب وإلى الثروة أنها منة خاصة إليه من الله..
وأكثر تجليات دولة الفرد الطريقة التي يختار بها طاقمه الاداري، فلا الخبرة معيارا يعين على أساسه، ولا التعلم مطروحا حتى يكون أهله في صدارة المختارين..
بل بالعكس نجد أن القائد نفسه مصاب بجهل مطبق، وعداوة مستحكمة بطبيعته للعلم والعلماء..
كثيرا ما يكون هذا النوع من المستبدين محاطون بمجموعة استخباراتية تنقل لهم ما وافق أهوائهم من المعلومات، ويلفقون ما يمكن من خلالها إبرازه إلى الرأي العام على أن المعارضين مجموعة إرهابيين أو مارقين على القانون..
ونظرة موضوعية للمحيطين بالقائد الفرد، توحي بأنهم مجموعة تبع لا يصلحون للإدارات، اقتنعوا بالشخص.. لا أكثر.. ليس انطلاقا من رؤية فكرية يحملها، ولا مواقف سياسية تبناها، وإنما هي شعارات جوفاء، يعرف مقربوه أنها لا تهدف إلا لاستمراره في رأس الحكم، واستفادة مجموعة الببغاوات المحيطة به ماديا.
ماذا في موريتانيا؟؟
الخريطة السياسية للعالم العربي، والدول الاسلامية بدأت تتشكل على أساس التوجهات الاديولوجية، والتيارات السياسية ذات العمق التاريخي، والتجربة الميدانية التي تخول لها إدارة شؤون كل بلد وما يختص به عن بلد آخر..
صحيح أن في الوطن العربي دول ومماليك لا تزال تعاني من استبداد جاثم، وفرد متحكم، لكن لا بد وأن هناك خصائص يمكن من خلالها أن نميز الوضعية الحالية لموريتانيا..
أذكر بعد اتفاق داكار كنت مع أحد السياسيين يحلل الوضع الموريتاني بتجرد وحيادية، فقوم كل مرشح، وكان مما قاله عن الجنرال محمد ولد عبد العزيز إن الداعمين له يبحثون عن ما ينوي القيام به لدى مناوئيه، وأنه ينظر إليهم نظرة دونية.
هذه عبارة أعتقد أنها تطرح أمامنا جزأي الصورة:
- الجنرال لا ينتمي إلى مجموعة يستشيرها فيما يريد، وإنما يحكم عن طريق جنود يتعامل معهم بمنطق الأوامر القيادية، والطبيعة العسكرية الخشنة التي تدرب عليها ردحا من الزمن، ضف إلى ذلك خبرته في الميكانيكا التي إن مزجت مع الطبيعة العسكرية ستنتج خليطا لما يحدد في عالم اليوم!
- أن الجنرال يعطي لمعارضيه من الأسرار أكثر من ما يعطي لمولاته، فهو هنا يبدو كالجندي الجبان الأحمق، الذي عليه يحسن العلاقات مع أعدائه، لكن لا يعرف أن المحافظة على الموجود أولى من طلب المفقود..
ولا بد في هذا الصدد للإيماء باختصار عن دلائل وقعت على الأرض لما ذهبت إليه من طبيعة الجنرال الاقصائية التي يتعامل بها مع أغلبيته ناهيك عن معارضيه..
خلال هذا العام الحالي وبخ الرئيس مجلس الوزراء وقال إنهم لا يقدمون مشاريع تنموية، وهذا أصرح دليل على أنه رباهم على السمع والطاعة، والتوقف عما عدم الموقف الصريح من فخامته..
وفي هذا العام أيضا قطع الرئيس خدمة الاتصال عن الوزراء، في استهتار واضح بهم، وعبث بما يسمونه حقوقهم، وقد تطابقت المصادر الواردة أن الوزراء يشهدون تذمرا حول ما يجري في اجتماع مجلس الوزراء.
أما المجلس الذي ينظر إليه على أنه المدير الفعلي والعلوي لكل ما يجري في موريتانيا فتقول المصادر المطلعة أن اجتماعاته عبارة عن رزمة قرارات وبعض تعيينات يأتي بها الجنرال ليمررها دون تعليق أي أحد..
إذا تأملنا طريقة تعامل الجنرال مع مجلس وزرائه فلا بد أن نفهم أن الدولة الموريتانية كلها مقتضية لعامل الجنرال، ففي الأسابيع الماضية سربت معلومات أن الجنرال هو من يدير الجهاز الأمني بالمباشرة، في تصديق لحديث أحد الوزراء خلال اجتماع له مع بعض أفراد طاقمه أن كل الأمور لا يمكن أن يبت فيها قبل استشارة فخامة الرئيس!
والرئيس نفسه خلال حديثه عن فساد المعاضة قال إنها كانت تسرق الماء، وهنا لنسلم مع فخامته أن هذا الخبر صحيح.. فأين دولة الادارات اللامركزية في هذا العهد؟؟
الرئيس يطلع على كل حقير ونقير حتى أخبار من يسرق الماء ومن يدفع فواتيره!
فرق شاسع بين الفرد المستبد وما نجده اليوم في موريتانيا، فما نرزح تحت وطأته هو الفرد المتحكم في كل مفاصل الدولة، أكثر بكثير من مستبد، فهو انبراطوري حتى على أغلبيته، التذمر أكثر في أوساط داعميه منه في معارضيه، ونظرته أشد احتراما لمن أرقوه، وأذاقوه ما أمره منها إلى من وازره مع القذافي وإخوته.
لكن يبقى الحل ممكنا ومطروحا، حينما ننبذ الفرد الواحد إلى الجماعة المسؤولة، حينما نختار بأنفسنا وبقناعة من يصلح لأن يتوالى أمورنا..
ولا أعتقد بتاتا أن الأشخاص القادة، ولا العسكريين الأجلاف إنقاذا للوطن من ما يعيش من فساد واستبداد؛ وإنما يتأتى ذلك عن طريق صناديق اقتراع حرة، لا يتدخل فيها بمال الدولة، ولا بسلطان القبائل..

نقلا عن السراج الإخباري