مشاهدة النسخة كاملة : المسكوت عنه الذي انكشف


ابو نسيبة
06-10-2012, 07:53 AM
المسكوت عنه الذي انكُشف (محمد كمال)

كان اصطدام الثورة بفساد مؤسسة الحكم في مصر قد عرَّاها وكشف فسادها، وظهر بعضها واختبأ أخطرها، ولم يكن لنا سند بعد الله إلا إخلاص وإصرار شباب الثورة الذي لم يزل يسقط "حصونًا" كنا نظنها بمنأى عن التلاعب بها أو استخدامها، ورغم انشغال الثوار بالعملية الانتقالية والثأر للشهداء، فإن تلاطم أمواج الحراك الثوري قد كشف أمامنا مؤسسات كبرى قد سُحبت إلى المشهد السياسي لتكون ظهيرًا "للمجلس العسكري" في معركته الضروس في مواجهة "الثورة"....... فما الذي حدث؟:
أولاً: اختراق القضاء:
لقد عشنا سنين طويلة نبعد عن أذهاننا هذا الهاجس، وكنا- جميعًا- نتحمل الأعذار للقضاء إذا ظهر قاضٍ مرتشٍ أو فاسد، ونسارع بالقول "إن ثوب القضاء ناصع"، ومع مرور الأيام أصبح الشارع المصرى يعرف قضاة متخصصين في كل مصلحة من مصالح الحياة، فهذا ينهي تراخيص المباني، وهذا يتصدى لقضايا المخدرات، وهذا وهذا... وهكذا!!... ولكن مع ضغوط السنوات الخمس الأخيرة قبل الثورة، وظهور "تيار الاستقلال" صُدم المصريون حين رأوا بأعينهم أن "نظام مبارك" يستطيع حشد قضاة تابعين له للفوز بانتخابات ديمقراطية، فرأينا سقوط الرمز المصري "المستشار محمود الخضيري" بالإسكندرية ورأينا فوز "المستشار أحمد الزند" مرشح "مبارك" برئاسة "نادي قضاة مصر" وتكرر هذا بعد الثورة!.
ثم اتضحت الصورة تمامًا حين انتفض "تيار الاستقلال" لسحب الثقة من المستشار "عبد المعز إبراهيم" في فضيحة "المنظمات المدنية"، لكن "تيار التبعية" كان هو الأقوى!.. وثبّت أقدام الرجل في موقعه الذي لا يستحقه، وبدأ انهيار الثقة في "الثوب الناصع" يتضاعف مع كل براءة "للضباط القتلة"، وانهارت الثقة تمامًا بعد أحكام "مبارك وأعوانه"... ورغم تقديرنا الشديد "للمستشار حسام الغرياني" إلا أننا نوقن أن المؤتمر الذي عقده مدافعًا فيه عن القضاء هو نفسه لا يقتنع بأسانيده في الدفاع، فهو الذي واجه "وزير العدل" حين أشاد باستقلال القضاء برده الحاسم الذي مثل عنوانًا للحقيقة فقال: "ليس هناك قضاء مستقل ولكن لدينا قضاة مستقلون"، وكان ذلك عقب "مأساة المنظمات المدنية".
كما أننا لا نعفي القضاة الذين ينظرون قضايا قتل الثوار؛ فقد قبلوا أن يكونوا مفصلاً في عملية خداع الجماهير شاءوا أم أبوا, وكان عليهم بعد أن رأوا تهافت الأدلة في كل القضايا أن يصارحوا الشعب بهزلية المحاكمات، لا أن يطلبوا الأعذار بسبب ضعف هذه الأدلة والادعاء بتحكيم الضمائر والالتزام بالمهنية؛ وكأنهم لم يعيشوا الثورة ولم يشهدوا القتل المروع والرصاص الحي..... هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن حملات المرشحين الكبار مثل "د. مرسي" و"د. أبو الفتوح" تعلم علم اليقين عمليات التلاعب في الكشوف وبطاقات الرقم القومي، ورأت كيف شارك القضاة في حجب الكشوف عن المرشحين ليكتشف الجميع الأصوات الإضافية والتي تجاوزت (الملايين الخمسة) زائدة عن انتخابات مجلسي الشعب والشورى، رغم أن عدد المواليد في الأشهر الخمسة والذين بلغوا سن الثامنة عشرة لم يتعد (المليون الواحد)، ولا يمكن هنا أن نحجب عقولنا ولا نوجه أصابع الاتهام إلى القضاة الذين سكتوا عن هذه الجريمة....
المستشار "الغرياني" يطمئننا أن التطهير يجرى في السر للحفاظ على هيبة القضاة، بينما "المستشار الزند" يبشرنا "بكسر الأرجل" و"عدم السكوت عن فضائح البرلمان" و"الندم على إدارة انتخابات أتت بهؤلاء الأعضاء" و"مشاركة القضاة في العملية السياسية" و"القتال لتعود الانتخابات فردية فلا تأتي بهؤلاء... أي الإخوان وغيرهم"... أي أن الرجل يبشرنا أن القضاة سيقفون في صف "العسكري" وضد "الإخوان" وبالتالي مع "شفيق"، وهذه هي تصوراته في إصلاح القضاء!!
سيدي "المستشار الغرياني" نحن في ثورة، ولم تعد الأمور خافية على أحد، وإعلان التطهير بأسانيد قوية، وخطة واضحة، هو الذي سيعيد للقضاء هيبته واحترامه، أما ترك الساحة للأخطاء وعدم التصدي الحازم لمواجهتها فسيجعل أمثال "الزند" هم من سيمثلونكم؛ ويومها سيهدمون هذا العامود الذي كان راسخًا... وتكونون سببًا للهدم بالسكوت.
ثانيًا: تسييس القوات المسلحة:
من ينسى مشهد وزيرة الدفاع الإسبانية (التي كانت حاملاً وقتها) يوم استعرضت قواتها مصحوبة بالتحية العسكرية من القيادات الكبرى للجيش تعظيمًا "لقيادتهم السياسية"؟.. كان ذلك منذ سنوات قليلة.. وهذا الحدث قد أثار غيرتنا الشديدة من التحول الإسباني الرائع من دولة "العسكر" إلى دولة دستورية يخضع فيها "العسكر" للقرار المدني السياسي.
والحقيقة أنه رغم مخازي "مبارك" وتحطيمه لكل ركائز الدولة، إلا أن "الجيش" قد ظل في عهده محتفظًا بمودته مع الشعب، وفي مدى علمنا فإن "مبارك"- رغم جرائمه- لم يستخدم "الجيش" في عملية سياسية قذرة من عملياته الكثيرة.
لكن "المشير"- الآن- يغامر بالجيش قيادةً وجنودًا، وأصبح يترامى إلى مسامع ومرائي الناس تلك التعليمات التي صدرت للضباط والجنود بضرورة انتخاب "شفيق"، وهذه المحاضرات الموجهة للجنود بخطورة "الإخوان"، بل ومتابعة اصطفاف الجنود (وذويهم) ببطاقات رقم قومي موازية لا تظهر الهوية العسكرية، ومتابعة التصويت لصالح "شفيق"، وهكذا يصنع "العسكري" بعد الثورة ما لم يصنعه جبروت التزوير "المباركي"... وهنا لا يدري القلم إلى من يتوجه لإيقاف هذا الجرم اللعين؟.. والذي نخشى إن سكتنا عليه أن يتحول إلى بداية فقدان ثقة مع "جيش الشعب" كما الحادث مع "القضاء" ومع "المجلس العسكري".
إننا لن نناشد "المشير" فهو غارق حتى أذنيه في معركته الشخصية مع الثورة، لكننا نناشد الضباط (خاصة الرتب الصغيرة) ألا يستجيبوا لهذه الأوامر السياسية, وأن يظهروا للشعب الحقائق، وسوف يحميهم شعبهم من بطش "العسكري" لأنه لن يتحمل زئير الثوار إذا أرادوا البطش بكم، أنتم لم تتلوث أياديكم بظلم ولا دم كما تلوثت "الداخلية"، فاحفظوا عامودنا الثاني الذي نتكئ عليه، ولا ترتبطوا بقيادات مُسيَّسة توهمكم بالحفاظ على مصالحكم بالمبالغة في العطايا هذه الأيام، بينما هي تحفر بئرًا عميقة للشعب وقواته المسلحة كي يلتقوا جميعًا في الهاوية.
كما نطالب جماهير شعبنا بأن توجه خطابها لكل أبنائها من الجنود والضباط، وأن يذكروهم بشهادة الحق، وبيعة الجهاد التي بايعوا الله عليها لحماية الشعب، وألا يرضوا بالاستمرار في عملية سياسية ضد شعبهم بدعوى الخضوع للأوامر العسكرية، فالحق أحق أن يتبع، والله أولى أن يخضع الجميع لأوامره.

نقلا عن إخوان أون لاين