مشاهدة النسخة كاملة : جولة الإعادة لانتخابات الرئاسة.. دروس وعبر (وصفي عاشور أبو زيد)


أبو فاطمة
06-07-2012, 06:38 AM
جولة الإعادة لانتخابات الرئاسة.. دروس وعبر (وصفي عاشور أبو زيد)

لكل حدث من الأحداث التي تمر بها ثورة مصر وكل حدث حِكَمٌ يُجريها الله تعالى، ثم يُظهر بعضها عقب انتهاء المشهد، منذ بدء الثورة بل قبل بدايتها، ونحن نرى ذلك بأمِّ أعيننا، ولكننا أحيانًا نتلبَّس بالحدث وننفعل به ونتعصَّب ونختلف وتعلو أصواتنا، وتختفي من حساباتنا ويضمر في تفكيرنا مكر الله وتدبيره، وقهره فوق العباد.
نتفاعل كثيرًا مع الأحداث وننسى قوة الله فوق الجميع، وقهر الله فوق عباده، وأنه يدبّر الأمر، ويمكر وهو خير الماكرين، ويكيد وهو نعم الكائدين، وقد رأينا منذ الثورة ما زاد إيماننا، وما جعلنا نردد دون شعور أو عي "سبحان القهار"، وجعلنا نردِّد آيات قرآنية دون استدعاء أو معاناة في التذكر: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران: 26).
ولكننا ننسى هذا في زحمة الأحداث وضغطها الشديد على عقولنا ومشاعرنا وأعصابنا، وتغلب علينا دوامة من التشاؤم وننظر إلى المشهد بنظارات سوداء، ثم سرعان ما تتكشَّف الأحداث عن حكم كبيرة، وتتمخَّض عن مصالح عامة، قدَّرها الله بعلمه، وأجراها بحكمته، وهو الحكيم الخبير!.
فأول الدروس التي يجب أن نتعلمها هو استحضار هذه القوة دائمًا، وأن أيَّ حدث يمر بنا فلله من ورائه حكمة، وأي قدر يجريه الله على عباده فله من خلفه غاية، قد يراها البعض أثناء الحدث، ويراها آخرون بعد انتهاء الحدث، فاستشعار معية الله، والاطمئنان إلى قدر الله دائمًا هو العاصم من قبضة التشاؤم، والمنجي من وهدة الإحباط والضياع، وهل شهدنا من الله إلا فضلاً؟ وهل رأينا منه إلا حكمة؟! (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك: 14).
وأما ثاني الدروس فهو أن يتم التمحيص للصف الوطني الثوري، وبخاصةٍ جماعة الإخوان المسلمين التي بادرت بمراجعة لأفعالها خلال الفترة الماضية، والاعتذار عما وقعت فيه من أخطاء ربما كانت قابلةً للأخذ والرد والاختلاف، والاعتذار فضيلة تدل على الشجاعة؛ لأن الشجاع هو من انتصف من نفسه كما قالت العرب، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، كما قال سيدنا عمر بن الخطاب؛ فالله تعالى يريد من حركة مثل الإخوان أن تكون مؤهلةً للحكم حقًّا، ولن تكون كذلك إلا إذا تمَّ تمحيصها؛ لأن الفوز بعدد من المقاعد أو بمنصب الرئاسة دون تأهيل يعدُّ خطرًا عظيمًا بل هو مجرد تضليل كما قال المفكر الإسلامي د. عبد الحليم عويس، رحمه الله، في كتابه "دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية"، قال عن سقوط الدولة الطولونية في مصر، وما أعظم ما قال:
الانتصار في معركة.‏‏.‏ والحصول على مكسب وقتي‏‏.‏‏.‏ والوصول إلى السلطة‏.‏‏.‏ هذه كلها ليست هي قضية التاريخ.‏‏.‏ ولا معركة التقدم البشري‏.‏‏.‏ بل هي عمومًا ليست من عوامل تحريك التاريخ إلى الأمام أو الخلف على نحو واضح وضخم‏.‏‏.‏ إن الانتصار في معركة‏.‏‏.‏ قد لا يعني الهزيمة الحقيقية للأعداء، فحين لا تتوافر العوامل الحقيقية للنصر‏.‏‏.‏ يصبح أي نصر مرحلي عملية تضليل، واستمرارًا للسير الخطأ، وتماديًا في طريق الوصول إلى الهزيمة الحقيقية‏.‏‏.‏ هكذا سار التاريخ في مراحل كثيرة من تطوراته.‏‏.‏ كان النصر بداية الهزيمة، وكانت الهزيمة بداية النصر‏!‏ وحين يصل إنسان ما إلى الحكم.‏‏.‏ دون أن يكون معدًّا إعدادًا حقيقيًّا للقيادة، ودون أن يكون في مستوى أمته‏.‏‏.‏ يكون وصوله على هذا النحو هو المسمار الأخير الذي يدق في نعش حياته وحياة الممثل لهم‏.‏‏.‏ ‏!‏" ا.ه.
أما الدرس الثالث من جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة فهو التمايز أو "التزايل" بتعبير القرآن الكريم بين الحق والباطل، والكشف عن مكنون النفوس وخبايا الضمائر؛ لأن الأحداث والمواقف وتتابع الأيام تُظهر معادن الناس، وتكشف عن حقيقتها، وعن أصالتها أو زيفها، قال تعالى: (مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) (آل عمران: 179)، وقال: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ) (الأنفال: 37) وقد رأينا وقرأنا وسمعنا من البعض ما يدل على تغيير مواقفه، كما رأينا من ثبت على مواقفه ومبادئه.
الدرس الرابع في هذه الأحداث أن الحق يتجمع ويتوحد ويقوى، كما أن الباطل نفسه يتميز ويتكشف وينقسم ويتحلل؛ لأن هناك ممن يسيرون في ركاب الباطل وهم مخدوعون أو مغيبون، وإن طول الأحداث وتوالي الأيام ليكشف هذه الحقائق، ويزيد الحق جلاءً، والباطل جلاءً؛ ولهذا سمعنا خبر انسحاب 37 عضوًا من حملة الفريق أحمد شفيق، وبعدها توالت الانسحابات بعد كشف الحقيقة للجميع، سمعنا عن انسحاب أكثر من 93 عضوًا آخرين من حملة شفيق بعد اكتشافهم التعاون الحادث بين شفيق وأعضاء الحزب الوطني في محافظة قنا؛ حيث اكتشف الأعضاء في اجتماع لأكبر أسماء الحزب الوطني في قنا وهم: عبد الرحيم الغول القيادى البارز بالحزب المنحل، وسيد فؤاد أبو زيد عضو مجلس الشورى الحالي، وهشام الشعيني عضو مجلس الشعب الحالي، وخالد خلف الله عضو مجلس الشعب السابق ورئيس جهاز مباحث أمن الدولة السابق، وطارق رسلان عضو مجلس الشعب السابق، ومحمود الغزالي أمين الحزب المنحل في قنا سابقًا، وتعهد المنسحبون بالكشف عن مفاجئات خطيرة في الفترة المقبلة، ولا تزال المفاجآت تتوالى، والأيام تكشف عن أحداث، والأحداث تسفر عن دروس وعبر تتمثل في حكمة الله من إرادته التي يجريها على عباده!.
هناك دروس وعبر لا حصر لها، وأود في النهاية أن أعبِّر عن اطمئناني المطلق لحكمة الله فيما يجريه علينا من أقدار ومن أحداث، تزيد الحق جلاءً، وتزيد الباطل وضوحًا، وتمحِّص المؤمنين، وتوحد الوطنيين الصادقين الذين أرجو أن يكون شعارهم مع الجميع ما قاله الشاعر المقَنَّع الكِنْدِيُّ لقومه حين عاتبوه أو خالفوه.

يُعَاتِبُني فِي الدَّيْنِ قَوْمي وَإنَّما ... دُيُونِيَ في أشْياءَ تَكْسبُهُمْ حَمْدَا

أسُدُّ بهِ ما قَدْ أخَلُّوا وَضيَّعُوا ... ثُغُورَ حُقُوقٍ مَا أطَاقُوا لَها سَدَّا

وَإنَّ الَّذِي بَينِي وبَينَ بَنِي أبِي ...... وبَيْنَ بَني عَمِّي لَمُخْتَلِفٌ جِدَّا

فإِنْ أكَلُوا لَحْمِي وفَرْتُ لُحُومَهُمْ ... وَإنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لَهُمْ مَجْدَا

وإنْ ضَيَّعُوا غَيبي حَفِظْتُ غُيوبَهُمْ ... وإنْ هُمْ هَوُوا غَيِّبي هَوِيتُ لَهُمْ رُشْدَا

وإنْ زَجَرُوا طَيْراً بِنَحْسٍ تَمُرُّ بِي .... زَجَرْتُ لَهْمْ طَيراً تَمرُّ بِهِمْ سَعْدَا

ولاَ أحْمِلُ الْحِقْدَ الْقَدِيمَ عليْهِمِ ... .. ولَيْسَ رَئيسُ الْقوْمِ مَنْ يحْمِلُ الْحِقْدَا

وقى الله مصر وأهلها من كيد الكائدين، وشر الفاسدين، وبلَّغ ثورتها أهدافها، وأنعم عليها بالأمن والإيمان، والسلامة والسلام، وأقام فيها أمر رشد يعز فيها أهل الطاعة، ويذل فيها أهل الفجور والفساد والإجرام!.

نقلا عن إخوان أون لاين