مشاهدة النسخة كاملة : انتخابات مصر بين شبح النظام القديم وتغلغل الإخوان (عادل لطيفي)


أبو فاطمة
05-30-2012, 02:19 PM
انتخابات مصر بين شبح النظام القديم وتغلغل الإخوان (عادل لطيفي)

انتهت الجولة الأولى من الانتخابات المصرية ووضعت نتائجها الأولية والشارع المصري والعربي في حيرة على مصير الثورة خاصة أمام الصعود المفاجئ لممثل النظام القديم أحمد شفيق. هي نتيجة مأزق بأتم معنى الكلمة وخاصة لمن اعتقد بالثورة من غير الإخوان. لكنها مأزق كذلك للتجربة الثورية في مصر والتي بدأ الشك حول مصيرها الغامض يتسع أكثر فأكثر.
سنورد في هذا الإطار بعض الملاحظات الأولية اعتمادا على النتائج المعلنة. فقد تمثلت المفاجأة المدوية لهذه الانتخابات في حصول أحمد شفيق على المرتبة الثانية، مما يسمح له بالمرور إلى الدور الثاني لمواجهة ممثل الإخوان المسلمين محمد مرسي. هذا الصعود لم يكن متوقعا أو أن أغلب الأطراف السياسية في مصر، وخاصة منها القوى الشبابية الثورية، لم تحسب لهذا الخطر حسابه.
فأحمد شفيق يمثل النظام القديم بامتياز بما أنه كان آخر رئيس وزراء لنظام مبارك، كما أنه شخصية عسكرية تعكس عمق النظام المصري الذي كان دائما عسكريا منذ ثورة يوليو/تموز 1952. خلق هذا الصعود حيرة أو أنه ربما مثل كابوسا خاصة بالنسبة لمن اعتقد بأفق الثورة وهو في نفس الوقت غير متحمس لمشروع الإسلاميين.
هي حيرة سياسية بما أنها تعيد الثوريين من الشباب خاصة إلى اللحظة الأولى للثورة، لحظة الإعلان عن تخلي مبارك عن الحكم، مما يعيق النظر إلى أفق جديد والتفكير في المجتمع البديل. إضافة إلى ذلك تجد هذه القوى نفسها في موقع لا تحسد عليه. فبعد أن استقرت النتائج رسميا على النحو الذي أعلن عنه, أصبح لزاما على هذه القوى اختيار موقف بين المر وما هو أمر منه.
وفي ظل استحالة مساندة شفيق، سيكون على القوى الثورية وكذلك الحداثية إما مساندة مرشح الإخوان المسلمين بما يعني ضربا ضمنيا لمشروعهم السياسي، أو عدم التصويت وما يمكن أن يحمله من مخاطر مساعدة غير مباشرة لأحمد شفيق.
هي ربما كذلك حيرة فكرية بما أنها تجعل من القوى الثورية في مواجهة جزء من المجتمع، أي ذلك الذي أعطى أصواته لأحمد شفيق، ليتساءل الثوريون حول الحالة الذهنية لمجتمع يختار رمزا للنظام القديم في سياق ما بعد الثورة. إنه تحدٍ معرفي بامتياز قد يذهب بصاحبه الثوري حدَّ الكفر بالثورة.
على العكس من القوى الثورية، يجد الإخوان أنفسهم في موقع مريح يسمح لهم بحشد التحالفات لصالح مرشحهم في الدور الثاني. محمد مرسي يتمتع باحتياطي أصوات يسمح له بالتقدم وبشكل مريح على منافسه أحمد شفيق، فهو سيحصل حتما على أصوات ناخبي أبو الفتوح وكذلك على أصوات حمدين صباحي وهي كافية لوحدها للفوز في الدور الثاني.
غير أن هذه الأريحية تحمل معها العديد من التحديات إن لم نقل المخاطر. أولا لأن الانفراد بسلطة الرئاسة سيعزز الفكرة التي أصبحت سائدة حول رغبة الإخوان في الانفراد بالسلطة وما يتبع ذلك من إقصاء. ونحن نتذكر أن تراجع جماعة الإخوان عن وعدهم عدم تقديم مرشح قوبل بنوع من الاستياء الشعبي.

ثانيا لأن مرشحهم الحالي، محمد مرسي، هو في الحقيقة مرشح احتياطي مما يسمح ضمنا بالتشكيك في قدرته على تسيير البلاد في ظرف شديد الهشاشة والخطورة. ثم أخيرا لأن السيطرة على مؤسسة رئاسة الجمهورية، بعد السيطرة على مجلسي الشعب والشورى، سيجعل الإسلاميين وحدهم في السلطة أي سيتحملون لوحدهم كل مسؤولية الحكم في ظرف تعبر فيه شرائح المجتمع المختلفة عن انتظارات متنوعة ومتناقضة وصعبة التحقيق على المدى القريب.
فالمشروع الإسلامي كما حمله الإخوان منذ تأسيسهم سيجد نفسه على محك الواقع الاجتماعي المصري الصعب والمعقد، وكذلك على محك الواقع السياسي الإقليمي والعالمي خاصة وأن هذا التحدي يتم في ظرف أصبحت فيه حلول المعضلات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية رهينة تعقيدات الوضع الإقليمي والعالمي.
مقابل ذلك لم تطرأ على فكر الإخوان تغيرات مهمة منذ بلور حسن البنا أفكاره الأولى في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي. وحتى سيد قطب لم يزد الجماعة والإخوان إلا ارتباطا بالهاجس السياسي، في حين ساهمت التطورات اللاحقة ومن بينها تزايد الدور الثقافي والإعلامي للسعودية في تأثرهم بالفكر الوهابي. أي أن الإشكال الأساسي في هذه الحالة يتمثل في القدرة على التحول من نظرة دعوية لها خصوصياتها إلى نظرة سياسية مرتهنة بتقلبات الواقع وبأحكامه.
أما على المستوى السياسي الحيني فستجد سلطة الإخوان رقما صعبا آخر وهو المؤسسة العسكرية. ففي حال التفّت القوى السياسية، بما فيها قوى الثورة الشبابية، حول محمد مرسي، فسيجدون أنفسهم في مواجهة محتملة مع الجيش إذا برز تباطؤ في نقل السلطة للمدنيين أو في حال فرضت المؤسسة العسكرية شروطا ما قد تُبقي لهم دورا فاعلا ولو من وراء الستار.
والمعلوم أن شقا كبيرا من الإخوان لا يرى ضيرا في محافظة المؤسسة العسكرية على امتيازاتها وخاصة من حيث السلطة، لأن معركتهم الرئيسية هي مع القوى التي تسميها علمانية بمن فيهم الليبراليون وشباب الثورة.
هناك ملاحظة أخرى يمكن إدراجها في سياق هذا التحليل، وتتمثل في الخيارات العامة المطروحة على الناخب المصري اليوم أو بالأحرى الخيارات التي أفرزها الناخب نفسه من خلال تصويته. تبرز هذه الخيارات من خلال البعد الدلالي للأطراف التي احتلت المراتب الثلاث الأولى، وهي على هذا المستوى خيارات ماضوية بامتياز. فماضوية محمد مرسي تتمثل في مشروع الإخوان الذي يرونه إسلاميا من خلال قراءة فوق تاريخية تعود إلى ماضٍ متخيل على أساس قراءة حرفية للمصادر النصية (القرآن والسنة).
أما ماضوية أحمد شفيق فتتمثل في حمله لواء التواصل مع النظام السابق، ولو أنه يحاول بنوع من الخجل الابتعاد عن الحديث عن ذلك النظام وعن رموزه. لكنه يبقى في عين مسانديه أو معارضيه ممثلا للحقبة السابقة. أما ماضوية حمدين صباحي فتعود إلى كونه يمثل التوجه الناصري من القومية العربية، وهي تجربة كانت قد عاشتها مصر ونعلم مصيرها بسلبياتها وبإيجابياتها.
هناك إذن نزعة ماضوية في هذا التصويت المصري ولا يمكن من خلال مجرد قراءة سريعة النفاذ إلى عمقها المجتمعي. لا بد من تحليل سوسيولوجي أوسع يربط بين التصويت وتوزيعه الجغرافي والواقع الاجتماعي للناخبين، وهذا يتطلب جهدا كبيرا.
مأزق آخر من مآزق النتائج المعلنة لهذه الرئاسيات، إنه مأزق الصوت القبطي. لماذا؟ الصوت القبطي يمثل في مجمله كتلة ناخبة متجانسة في أغلبها لأسباب اجتماعية وتاريخية وثقافية نعرفها. ومن الضروري على هذه الكتلة، كي تفرض نفسها كرقم مهم وكمركز ضغط سياسي، بعد التهميش والعيش تحت مظلة السلطة، أن تبرز تجانسها وتعلن عن اختيار سياسي ما بالنسبة للدور الثاني.
لكن الخيار هنا كذلك هو بين المرّ وما هو أمرّ منه. لأن اختيار محمد مرسي غير مطروح منطقيا بسبب مشروعه الذي يعلن استمداد شرعيته من الشريعة، وهو مشروع يحمل نظريا خطرا على هذه الأقلية الدينية في ظل ضبابية فهم الشريعة، وخاصة في ظل دخول أطراف إسلامية جديدة أكثر تطرفا ساحة الفعل السياسي في مصر وتواتر المواجهات بين الطرفين.
لهذا السبب سيكون اختيار الأقباط لأحمد شفيق منطقيا لكنه سيعمق القطيعة بين الفئة القبطية وجزء كبير من المجتمع المصري الذي يرغب في القطع مع الماضي. كما يمكن لهذا الخيار أن يجعل من الطرف القبطي عامل جذب إلى الوراء ويحشرهم في خانة الفلول.
هذه إذن بعض الوضعيات المتناقضة التي آلت إليها انتخابات الرئاسة المصرية، والسؤال الذي يطرح هنا يتمثل في معرفة الظروف المفسرة لمجمل هذه المتعارضات. الإجابة ليست واحدة، وهي مرتبطة في العمق بخصوصيات تركيبة المجتمع المصري وكذلك بالنظام السياسي الذي ساد البلاد منذ ثورة الضباط الأحرار، أي النظام العسكري، وهذا يطلب مجالا أفسح للتحليل. لكن في نفس الوقت توجد ظروف آنية تفسر بعض الإشكاليات المرتبطة بهذه الانتخابات، تتمثل هذه الظروف في مجمل الإجراءات التي تمّ اتخاذها على إثر سقوط حكم مبارك. وأقول في هذا الخصوص إن الانتخابات الرئاسية المصرية تعتبر تتويجا لمسار انتقالي غير سليم منذ البداية.
فهذا المسار بلورته المؤسسة العسكرية وأريد له أن يكون متسرعا وضبابيا بهدف ربح الوقت وامتصاص الغضب الثوري الشبابي. المشكلة أن المؤسسة العسكرية وجدت مساندة من طرف الإخوان في هذا الصدد، فكان تنقيح الدستور والاستفتاء عليه بمثابة الفخ الأول ضمن من خلاله الجيش حضورا سياسيا قويا. تتمثل الضبابية الأخرى في تنظيم الانتخابات التشريعية وكذلك الرئاسية، والحال أن العلاقة بين المؤسسات تبقى غير واضحة وكذلك طبيعة النظام السياسي الذي سيحكم تنظيم التداول على السلطة.
فنحن لا نعلم مثلا طبيعة المهام التي ستوكل للرئيس المنتخب وطبيعة علاقته بالبرلمان، كما أن موقع هذه الانتخابات والمؤسسات التي تولدت عنها في المسار الانتقالي هي غير واضحة دستوريا.
خلاصة القول على هذا المستوى إن جملة المسارات والخطوات التي تم اعتمادها جعلت الوضع يراوح مكانه بين المحافظة على وضع انتقالي غير مستقر وبروز النظام السابق كاحتمال ممكن، وبين المحاولات المجهضة للتقدم نحو بديل جديد يسترجع روح الثورة المصرية.
إن قبول ترشح أحمد شفيق منذ البداية هو نتيجة حتمية لذلك النسق المتسرع الذي أنتج قانون العزل دون أن يضمن قطعا للطريق أمام رموز النظام السابق، خاصة وأن قرارات مجلس الشعب تبقى رهينة مصادقة المجلس العسكري وهو مظهر آخر من مظاهر هذه "اللخبطة".
ختام القول وفي انتظار الخوض في معركة الدور الثاني من الانتخابات، لا بد أن يعاد النظر في أولويات المرحلة الانتقالية في مصر وبشكل متروٍ يجنح من خلاله الفاعلون إلى عقلية التوافق أكثر من ارتكازهم على الشرعية الانتخابية.
وهذا يعني أن يبتعد السياسيون المصريون عن المعالجة السريعة من خلال نصوص قانونية متسرعة وغير مدروسة. لا بد من فتح نقاشات واسعة حول مسائل جوهرية مثل مفهوم الحريات وتحديد الحقوق وحرية الصحافة واستقلال القضاء وحياد الإدارة، وهي مواضيع لم تكن حاضرة بقوة بسبب طغيان الهاجس السياسي بعد الثورة.

نقلا عن الجزيرة نت