مشاهدة النسخة كاملة : حرب شوارع سياسية في موريتانيا


ابن تيارت
03-25-2010, 07:57 PM
حرب شوارع سياسية في موريتانيا

بدأت الساحة الموريتانية تغلي من جديد على وقع الصور والشعارات والخطابات النارية والاتهامات والاتهامات المضادة، وتسفيه الخصوم السياسيين بل حتى الشتائم والقدح الشخصي . . والجديد هو السباق نحو المهرجانات الشعبية وتحريك الشارع لأول مرة منذ الانتخابات الرئاسية الماضية . ووسط أجواء تذكر بالحملات الانتخابية، وإن كانت هذه المرة لا توجد انتخابات بل لا تلوح في الأفق، فإن الهدف أهم في ما يبدو ويتعلق بمعركة مصير بالنسبة لخصمي الساحة، إذ تسعى الأغلبية لاحتكار “كعكة” الحكم، وتسعى المعارضة لإخضاع النظام لشروطها المتمثلة في جره إلى الجلوس إلى طاولة حوار جديدة، سيترتب عليها الكثير في حالة اللجوء إلى تلك الطاولة .

ائتلاف أحزاب الأغلبية الرئاسية، الذي يضم 58 حزباً سياسياً من أصل 75 حزباً في البلاد، عاد إلى الشارع للمرة الثانية في أسبوع واحد، ونظم مساء السبت الماضي مهرجاناً حاشداً في ساحة “ابن عباس” بنواكشوط، تأييداً للرئيس محمد ولد عبدالعزيز، ونظم المهرجان الذي حضره رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة وقادة الأغلبية تحت شعار “الوفاء بالعهد” وأمام آلاف الجماهير التي توافدت من كافة أنحاء العاصمة نواكشوط مرددة شعارات الولاء للرئيس، رد قادة الأغلبية على اتهامات المعارضة، وسعوا لتطمين المواطنين إلى قدرتهم على تنفيذ البرامج التنموية التي تضمنها البرنامج الانتخابي للرئيس محمد ولد عبدالعزيز .


وكعادتها، سرقت الناها بنت مكناس وزيرة الخارجية، ورئيسة حزب “الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم” الأضواء، وهي التي تنزل لأول مرة في العهد الجديد إلى الشارع، وبثت رسالة واضحة العبارات .

ففي البداية ردت بنت مكناس على تشكيك مسعود ولد بلخير رئيس البرلمان، ورئيس منسقية أحزاب المعارضة، في قطع العلاقات مع “الكيان” الصهيوني، وعلى المنظمات التي دعت الى عدم الاكتفاء بتجميد تلك العلاقات وقطعها نهائيا، فقالت بنت مكناس أمام تصفيق حار من الجمهور “إن موريتانيا قطعت العلاقات مع “إسرائيل” بشكل نهائي وتام” . وإن المشككين في قطعها يعرفون أنها قطعت . مذكرة بأن جميع القرارات التي اتخذتها موريتانيا في ظل الرئيس محمد ولد عبدالعزيز كانت محل ترحيب وتقدير من طرف الشعب الموريتاني .

لكن بنت مكناس بعثت رسالة أخرى مضمونها “قطعنا العلاقات مع “إسرائيل” وفتح العالم أبوابه أمامنا”، فقد قالت “إن البعض ربما لا يروق له حضور موريتانيا اليوم في جميع المحافل الإقليمية والدولية” . وأضافت “أن موريتانيا استعادت خلال الأشهر الماضية وبفضل سياسة ولد عبدالعزيز، مكانتها الدولية والإقليمية وأصبحت عضواً في مجلس السلم والأمن الإفريقي الذي كان بعض الموريتانيين بالتعاون مع الخارج يهددونا به”، وذكرت أن موريتانيا اليوم مرشحة الى عضوية مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وتسعى للترشح مستقبلا لعضوية مجلس الأمن الدولي .

وقالت بنت مكناس إن الأغلبية قادرة على تنفيذ برنامجها الإنمائي، ولن تقبل المساس بمصالح البلاد (في إشارة لنقد المعارضة للأزمة مع جمهورية مالي المجاورة)، وأكدت أن الأغلبية “لن تتنازل عن شبر من مسؤولياتها التي منحها الشعب الموريتاني” و”لن تتقاسم السلطة مع المعارضة”، وبلهجة واضحة الدلالة قالت “ومن يغيظه ذلك فالبحر قريب يرمي فيه نفسه” .

وأثنت بنت مكناس على الرئيس ولد عبدالعزيز قائلة، إن الشعب الموريتاني كان موفقاً بانتخابه لأن الشعب “يعرف فيه الصدق مع الذات ومع الوطن” .

وقالت إن موريتانيا اليوم بخير وإن الباب مفتوح للحوار مع المعارضة إذا كانت تؤمن بالديمقراطية، وخاطبت الذين يتمسكون بالحوار وفق اتفاق دكار قائلة “لا يوجد اليوم إلا حوار على أساس نواكشوط ومن يريد الحديث عن دكار وحواره فدكار غير بعيدة ومن يريد الحديث عن مشاكل موريتانيا في نواكشوط فليتفضل والباب مفتوح” .

أما سيدي محمد ولد محمد، أحد أبرز قادة “ثورة النواب” (2008)، ورئيس محكمة العدل السامية، وعمر ولد معط الله نائب رئيس حزب “الاتحاد” الحاكم، فقد اتهموا المعارضة بالعمالة للخارج، وفقدان الرؤية السياسية، وأكدوا أن البلد ينعم بالخير والعافية و”أن موريتانيا لم تعرف منذ استقلالها مثيلا للرئيس محمد ولد عبدالعزيز في الحنكة والوطنية والرحمة بالمواطنين والوفاء بالالتزامات” .

وشددوا على أن الشعب الموريتاني متوحد اليوم بكافة مكوناته حول نظام ولد عبدالعزيز، الذي بعث في نفوس الجميع أمل العيش الكريم في وطنه، حيث سوى مخلفات الإرث الإنساني (مظالم الأقلية الإفريقية) ووزع الأراضي السكنية على الفقراء، وأقام المشاريع الإنمائية التي حسنت من ظروف السكان المعيشية وعمم العدالة على العمال من خلال سن علاوات النقل والسكن، واستغربوا “ادعاء” المعارضة بأن البلاد اليوم تعيش في خطر .

واستنكر قادة الأغلبية “كون المعارضة تطالب باستقالة نظام أنجز خلال أشهر ما لم تنجزه أنظمة في عقود”، قائلين إنه كان من الأجدر بالمعارضة أن “تتقاعد” عن العمل السياسي وتترك الشعب الموريتاني ينعم في ظل إنجازات الحكم الذي اختاره من خلال صناديق الاقتراع بحرية كاملة” .

وقال عمر ولد معط الله إن قافلة الأكثرية سائرة بخطى ثابتة على طريق نهج التصحيح والبناء ومحاربة الفساد، وليقل من يعارض هذا النهج ما يشاء” .

فيما وصف النائب سيدي محمد ولد محم، في حديثه باسم المنتخبين، المعارضة بأنها “ثلة من الأشخاص يسبحون عكس تيار التنمية الجارف والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والحكم الرشيد الذي تعرفه البلاد” .
وقال إن النظام جعل من أولياته توفير الدواء والغذاء والتعليم والسكن والماء والكهرباء للمواطنين أينما كانوا، وأن “المعارضة الآن تسعى إلى تدجين الجماهير ولفت أنظارهم”، واتخاذهم مطية للوصول إلى أغراضها” .

واتهم المعارضة بأنها تسعى دائماً إلى تفرقة الشعب الموريتاني من خلال رفع شعارات حقوق الإنسان والعبودية وبث الفرقة بين فئات المجتمع ومكوناته العرقية، مؤكداً أن الأغلبية لن تقبل بذلك وأن الشعب الموريتاني اليوم يعيش أعز فترات قوة وحدة الوطنية” .
وسخر ولد محم من انتقاد المعارضة لتباطؤ توزيع الأراضي على الفقراء، قائلاً إن أحياء الصفيح التي توزع قطعها الأرضية حالياً على المواطنين كانت موجودة منذ خمسين سنة ولم تهتم بهم المعارضة التي كانت في السلطة .

وانتقد ولد محم بشدة ما سماه مزايدة المعارضة الموريتانية على القرارات التي اتخذها ولد عبدالعزيز، وقال من ذلك “ادعاءات المعارضة بعدم قطع العلاقات مع “إسرائيل”، وهذه العلاقات لم تقطع فقط بل أزيح مكان السفارة بالجرافات علناً ولأول مرة في العالم يجرف مكان ل”إسرائيل” التي عودت العالم على تجريف منازل الفلسطينيين” .

ولأول مرة، ترد الأغلبية على اتهامات أطراف في المعارضة في ما يتعلق بملف الرق، فقد خاطب عمر ولد معط الله “أولئك الذين يستنجدون بالأمم المتحدة للتدخل في الشؤون الموريتانية، بأن عهد الاستقواء بالخارج وإيجاد مبررات لكسب وده كقضايا حقوق الإنسان والدفاع عن الديمقراطية، هذا العهد قد ولى إلى الأبد منذ انتخاب الشعب الموريتاني لمحمد ولد عبدالعزيز” . في إشارة إلى تحرك قيادات في “الحراطين” (العرب السمر) لمطالبة الأمين العام للأمم المتحدة بالتدخل لإنصاف “الحراطين” .

وهاجم من سماهم ب “دعاة الفتنة” و”الساعين لتخريب وحدة البلاد”، واتهمهم بالمزايدة وتسيس ملف اجتماعي، وقال إن الفئات التي يتاجر البعض بها لم تخول أحدا للدفاع عنها أو التحدث باسمها أو المتاجرة بهمومها ملخصا هموم تلك الفئات (الأرقاء السابقين) في نقطتين أساسيتين هما “تقسيم الأحياء الشعبية وتحسين الأوضاع المعيشية”، وأن هذا ما يعمل الرئيس الموريتاني على القيام به .

تحرك المعارضة

وبالتزامن مع مهرجان الأغلبية الحاشد، والذي قصد منه استعراض واضح للعضلات “الشعبية”، لم تكتف المعارضة بإرسال بعثة يقودها النائب المصطفى ولد بدر الدين إلى الولايات الداخلية لتعبئة السكان ضد سياسات نظام ولد عبدالعزيز، بل عقد “حزب اتحاد قوى التقدم” (اليسار) مهرجاناً جماهيرياً بنواكشوط، شن خلاله رئيس الحزب محمد ولد مولود هجوماً لاذعاً على الرئيس الموريتاني محمد ولد عبدالعزيز، واتهمه بتوظيف علاقات الدولة لخدمة أغراضه الشخصية، وقال ولد مولود إن ولد عبدالعزيز اتهم المعارضة بالفساد لأنها طالبت بالكشف عن مصير 50 مليون دولار تركها الرئيس السابق سيدي ولد الشيخ عبدالله وديعة في البنك المركزي، مضيفاً “أنه إذا كان هذا المبلغ تم صرفه في طرق أخرى فيجب أن يعترف بذلك، ويتم جمع المبلغ من طرف الأهل والأقارب لتسديده وفق النهج الذي يعامل به حالياً مع موظفي الدولة”، مؤكداً أن المعارضة لن تسكت عن مصير أموال الدولة من دون الكشف عن الطرق التي أنفقت فيها”، حسب قوله .

واتهم ولد مولود النظام بالتستر على ملف المخدرات في البلاد، وطالب بالكشف عن مصير 6 أطنان من المخدرات أعلنت السلطات استيلاء الجيش عليها خلال عملية “المزرب” مؤخراً شمال البلاد، وقال “ما يثير مخاوفنا هو ضبط سفينة في تشيلي بأمريكا اللاتينية بداخلها 3 أطنان من المخدرات، إذاً موريتانيا أصبحت تصدر الكوكايين وهذا يثير المخاوف بلا شك”، حسب قوله .
واتهم ولد مولود النظام برفض الحوار مع المعارضة لتسوية مشاكل البلد، وتدهور الوضع المعيشي للسكان، وارتفاع الأسعار، وعجز الحكومة عن ضبط الأمن، وتسيير الدولة، وتخبط السياسات الخارجية .

وهاجم ولد مولود إسبانيا قائلاً إنها “دعمت ولد عبدالعزيز ووقفت إلى جانبه خلال فترة الانقلاب” .

وعبر ذلك عن استياء المعارضة الموريتانية من موقف الاتحاد الأوروبي الذي ترى أطراف في المعارضة أنه الداعم الرئيسي لنظام ولد عبدالعزيز .

. . تصاعدت المعركة السياسية في موريتانيا، وقرر الطرفان من جديد الاحتكام إلى “الشارع” من خلال المهرجانات الحاشدة، والكرنفالات الاستعراضية، والخطب العصماء، ويمكن ل”الخليج” قراءة ما وصل إليه هذا التطور فيما يلي:

النظام يعلن سد الباب نهائياً أمام مشاركة المعارضة في السلطة، وأمام التدخل الخارجي في الملف السياسي الداخلي، “فلا وجود إلا لنواكشوط”، والأهم هو خروج النظام على “التقاليد” حيث كان يجري إسكات المعارضة، أو أطراف قوية فيها، بحصص غير معلنة في الإدارة والتمويل .

المعارضة يائسة من التوصل لأي توافق مع النظام الحالي بأسلوب تسييره السياسي والإداري، وليس أمامها سوى استغلال ورقة “عدم الاستقرار”، خاصة مع شعورها بضعف أداء الواجهة الحالية للأغلبية، واستبعاد “العقول السياسية” و”البروبوكاندائية” (التليدة) إلى المقاعد الخلفية في صنع القرار “الأغلبي” .

إذاً، موريتانيا استعادت روح الأزمة السياسية، بكل قاروراتها الزجاجية، وهي مرشحة بقوة للخروج من الحراك السياسي الناعم . لكن إلى أين يمكن أن تصل “الخشونة”؟ هذا الذي ستفصح عنه الأشهر المقبلة .


"""عن الخليج الاماراتية"""