مشاهدة النسخة كاملة : مرة أخرى! الثورة في مواجهة الخطر (خالد فهمي)


ابو نسيبة
05-29-2012, 07:08 PM
مرة أخرى! الثورة في مواجهة الخطر (خالد فهمي)

(1) مدخل: بداية الخلل
كان ترك الميدان خطأً إستراتيجيًّا في مسيرة النور المصرية، تعكس قدرًا ظاهرًا مما خلفه النظام السابق في نفوس المصريين من الفرح الغامر بتنحي رأس هذا النظام كما كان خطأً إستراتيجيًّا عكس الإهمال المزري الذي تركه هذا النظام في نفوس المصريين الذين غيبوا عن الممارسة الديمقراطية طيلةَ ما يقرب من ستين عامًا كاملة هي عمر الجمهورية الأولى كما يحلو للكثيرين أن يطلقوا عليها كما كان كذلك خطأ إستراتيجيًّا كشف عن تدهور البيئة التعليمية والثقافية التي كرَّسها ذلك النظام المستبد، وهو الأمر الذي جعل الكثيرين من الثوار يميلون إلى ترك الميدان بفعلٍ من غياب تدريس مادة الإستراتيجية تعيينا في مقررات التعليم لقد استطاعت الثورة مع استمرار الضغط على النظام أن تحرز مكاسب متعددة، يرتفع سقفها مع تنامي الضغوط، واكتساب أرض جديدة يومًا بعد يوم، وقد كان بإمكان الثورة لو صبرت مدة مساوية للأيام الثمانية عشرة أن تزيح أعمدة النظام جميعًا.
وعلى الذين اليوم تقدَّم واحدٍ من رموز هذا النظام في سباق انتخابات الرئاسة أن يسلموا بأن الخطرَ لم يولد اليوم على أعتاب نتائج فرز الأصوات، وإنما وُلد في اللحظة التي تقرر فيها ترك الميدان خاليًا، كانت أعمدة النظام على وشك الغياب التام؛ لكن شيئًا من الحياة دبَّت فيه مع تنامي هذا الخلل حتى زادت علاماتها، فاستوحش هؤلاء الذين ظننا أنهم لن تقوم لهم قائمة بعد وكان خطأً كبيرًا.
كان الخطأ فادحًا ،وكان الخلل رهيبًا، وعلينا الآن أن نتفهم مخاطر هذا العلو في جانب فصيل هو بلا شك عدو ظاهر للثورة!
(2) كيف حدث ما حدث؟
وقراءة هذا الذي حدث أمر مهم جدًّا؛ لأنه كاشف عما ينبغي أن نتعلمه، ونستفيد منه ونستثمره لمسيرة استنقاذ الثورة بعدما أصبحت في مواجهة مباشرة ورهيبة مع من قامت الثورة لاقتلاعهم، وتغيير سياسيتهم، والإتيان على فسادهم بالمحو والإزالة.
وبإمكاننا أن نقرر أن الذي حدث كان وراءه عوامل كثيرة، راجعةً جميعًا إلى ما استقرَّ في العقل المصري بسبب من سياسات النظام السابق الاجتماعية والتعليمية والثقافية، ولكن ثمة عوامل تفصيلية يمكن إجمالها في رءوس الأقلام التالية:
1- قلة التجربة الثورية لدى القطاع الأكبر ثوار مصر الذين انخرطوا في أعمالهم بدءًا من 25 يناير 2011م.
2- تنامي دور الإعلام غير الوطني، وغير الشريف في صناعة التشويش، والإرباك، وشق الصف الوطني، بالتركيز على علامات التفرق، والتعتيم على محددات الوحدة الثقافية والحضارية الجامعة بين أبناء الوطن المصري.
3- عدم ظهور فقه بأولويات المرحلة التي كان ينبغي أن يتصدر قوائمها الوفاق الوطني، ووحدة الجماعات الوطنية، مهما كان الثمن.
والمرء في هذه الحالة مضطر إلى أن يُذكِّر بسكوت هارون عليه السلام على بني إسرائيل بعد غياب موسى مع تورطهم في الكفر، لقد كان رده عجيبًا ساعة قال لموسى عليه السلام ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ (طه: من الآية 94)، والتفاسير تقرر أن ترك بني إسرائيل على ضلالهم كان مرحلةً مؤقتةً اتخذ قرارها حتى لا ينشق الصف الوطني لبني إسرائيل، إلى فريقين، فريق يتبع هارون عليه السلام، وفريق يعبد العجل الذي صنعه لهم السامري من حليهم! وهو ما زلنا محتاجين إلى تأمله.
4- استجابة كثير من القوى والفصائل لنزعات التشكيك والتخوين، والشطط في تفسير المواقف؛ ما خلق نوعًا من روح الانغلاق، وطلب التمايز وتوجس كل فريق من الآخر.
5- عدم التنبه لانفتاح المجتمع المصري، واستقباله لعددٍ غيرِ قليل من الأفراد والجمعيات الأهلية الغربية غير البريئة بطبيعة الحال.
(3) هل ثمة ألغاز؟!
لقد كان المشهد بديعًا على أرض الميدان التحرير من أكثر من جهة، أخص منها أمرين ظاهرين هما:
- البعد الحضاري الذي أُعيد ميلاده على الأرض، تعاونًا، ونظامًا إلخ.
- البعد الإنساني الذي تمثَّل في أعلى ملامحه في حالة التآخي بين الثوار جميعًا مسلمين ونصارى، إسلاميين وليبراليين وقوميين غير مسيسين.
ثم تسربت روح غير تلك الروح فانمحى- أو كاد- الوجه الحضاري، وحلَّ الشقاق محل التآخي.
لقد كان موقف الكنيسة سلبيًّا بامتيازٍ من الثورة، وصدر عن قيادتها قرارات تمنع شعب الكنيسة من الإسهام أو المشاركة، وهو ما لم يستجب له؛ ما أقام دليلاً على وطنية النصارى المصريين الذين انضموا إلى أرض ميدان التحرير، ثم كان ما كان من تكتل هؤلاء النصارى جميعًا وراء رمزٍ مخيفٍ من رموز النظام السابق، وهو الأمر الذي يُفجِّر أسئلةً كثيرةً في حجم الألغاز المعقدة والمركبة من مثل:
- هل ثمة مشكلات في تحديد مفهوم الوطنية في الثقافة المسيحية المصرية المعاصرة
- وهل ثمة دخل للشعور الأمني في تحديد هذا المفهوم، بحيث يكون طلب هذا الأمن، وكثير منه محض وساوس وهواجس، سببًا مباشرًا في التراجع ودعم هذا الرمز المنتمي للنظام الذي ثارت ضده مصر جميعًا؟
- وهل نحن بصدد حصاد نتاج ممارسات النظام السابق الذي دأب على تأجيج الاحتقان الطائفي بين المسلمين والنصارى؟
- وهل للإسلاميين بإجمال دخل في هذا التحول والارتداد والتراجع بسبب من أنهم لم يستطيعوا بث حالة الطمأنينة في نفوس النصارى بما هي فصيل وطني؟
هذه الأسئلة تمس جانبًا من القضية لا يصح تجاهلها أو تجاوزها.
ومن جانبٍ آخر فإن ثمة أسئلة أخرى لا تقل في تعقدها وإلغازها عما سبقها من مثل:
- كيف انطلى على النخب الثقافية والسياسية معًا قبول اتهام فصيل وطني في حجم الإخوان المسلمين؟
- وكيف تجاوز عقل هذه النخبة أمرين خطيرين جدًّا ارتبطا بمسيرة هذا الفصيل الوطنى هما:
أ- انبثاق الإطار الحاكم لعمل هذا الفصيل بمرجعية الأمة وهويتها المتمثلة في الإسلام في نسخته الوسطية الحضارية الشاملة المرنة.
ب- جهاد الإخوان العريق في مواجهة الاحتلال الأجنبي طلبًا للتحرير في مواجهة الاحتلال الوطني للحرية.
إنه أمر مؤسف حقًّا أن يتورط عدد كبير من النخب المثقفة في عدم تقدير الوجه الوطني المشرق لجماعة الإخوان، على الرغم من استقراره في بحوث دارسي الجماعة الوطنية المصرية من أمثال: طارق البشري وحمادة إسماعيل وغيرهما.
لكن المدهش والمثير في الوقت نفسه هو ضرورة مراجعة الخطاب الإخواني المعاصر لنفسه في نقطة جوهرية هي: ما يتعلق بعلامات الاطمئنان للسياق الاجتماعي والثقافي والسياسي المصري، وما يتعلق بمحددات المشاركة الحقيقية في تحمل عبء النهوض بهذا الوطن.
إن مصر اليوم بعد أن أفرزت الانتخابات الرئاسية عن تقدُّم بعض الرموز النظام الاستبدادي والفاسد في حالة خطر حقيقي؛ لأن النظام السابق بدا متوحشًا ومتوغلاً، وهو يستشعر أنه من الممكن القضاء عليه.
إن المعركة الآن تتلخص في أنها معركة وجود على الجانبين، فعلى جانب النظام يظهر تمسُّك أنصاره بكل حالات الوجود والمكاسب المادية الناتجة عن أجواء الفساد، وعلى جانب المعارضة التي تحوَّلت لتكون الفريق المعبر عن الثورة لا سبيل أمام أنصاره جميعًا لكي لا يقتلعوا من الوجود الجديد إلا أن يتماسكوا، وإلا فالمصير أكثر من مروع!

نقلا عن إخوان أون لاين