مشاهدة النسخة كاملة : الإسلاميون وعواصف الباطل (محمد ولد الراجل)


أبوسمية
05-20-2012, 08:28 PM
الإسلاميون وعواصف الباطل (محمد ولد الراجل)

ما تفتأ موريتانيا تمخر عباب أزمة سياسية خانقة إلا اختار الحاكمون بزمام الأمور فعليا أن يقدموا صورة يشغلون بها الناس عن المطالب، وإسكاتهم عن مظالمهم.
ومنذو انقلاب الجنرال الحالي على سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله بدأت دولة الفرد المقدس والقائد الملهم تعود، ويأخذ هذا القائد، من ثائر أغرم به، وطبق رؤاه التي أثبتت أنها لا تصلح إلا أن تدور كخلجات لمهلوسي المجانين.
والجنرال المتحكم منذو السنة الماضية بدأ يركز أساسا على التيار الاسلامي الذي أراد منه خلال المرحلة الماضية تبعا يأتمر بأوامره وينتهي بنواهي، لكنه حينما اقتنع أن الاسلاميين يبحثون عن الشريك لا عن القائد، ويريدون الناصف لا المعبود، أدار لهم ظهر المجن، وركز عليهم خلال اجتماعاته الخاصة، كما شنت مخابراته حملاتها المغرضة للنيل من التيار الاسلامي.
ومنذو وصول الجنرال إلى السلطة اتخذ الاسلاميون مواقف متعددة، لكن ما ميز كل مواقفهم أنها تواجه بحملة إعلامية قوية وشرسة من طرف الأمن الموريتاني ومن يتقاطع معهم المصالح في أحايين كثيرة.
ولست هنا بصدد ذكر جميع الاشكالات التي تبنى الاسلاميون فيها مواقفهم، إذ لا تساعد المساحة، لكن أريد أن أثير موقفين كثر حولهم الهرج، معرجا على الحالة الديمقراطية في التيار الاسلامي نفسه..
وأول هذا المواقف الموقف من القضية الوطنية أحداث الجامعة نموذجا، كما ستنال محرقة بيرام قسطها، فقد نظر إليها من طرف الكثيرين بعين السخط، وعبر عنها الاعلام الرسمي بلسان الحاقد.
أحداث الجامعة
رغم أن الاتحاد الوطني يتبرأ من السياسة، والاسلاميون لا يتبنوه، ورغم أن الحزب الحاكم أول فصيل سياسي وطني يتبنى لائحة طلابية، ويبث أمواله في الساحة الجامعية بشكل علني، رغم ذلك كله، فسأنطلق من فرضية أن الاتحاد الوطني تابع للتيار الاسلامي.
ليس الغرض من ذلك أن تكون الجامعة ساحة للتجاذبات السياسية، وإنما هو سعي لتبيين إشكال مزج بإشاعات لا أساس لها من الصحة..
يقول البعض إن التيار الاسلامي في الجامعة وقف مدافعا عن الانفرانكفونية، بل في طليعة أصحابها، والحقيقة أن الطلاب المحسوبين على التيار الاسلامي أغاظوا المنافسين حينما قاموا بالوساطة الناجعة بين الاطراف المتصارعة من النقابات الطلابية في الساحة الجامعية.
نعم.. لهم الفضل في الوساطة، وأنا أتذكر وهذا في السنة قبل الماضية البيان الذي بدأت به الوساطة "ووحدة شعارنا"، وانتهت الوساطة بإخماد النار، وكبتت الاصوات العنصرية التي كادت تذهب بالوطن إلى هوة ليست متضحة..
وللتاريخ فقد كانت تلك الأحداث نتاجا لتصريحات متهورة قام بها الوزير الأول عن التعريب، ففهمها البعض إقصاء، وفهم آخرون التراجع عنها مساسا مباشرا بـ"الهوية الحقيقية والجامعة للشعب الموريتاني"
الاساسي في تصريحات الوزير الاول المتراجع عنها أنها لم تأت إلا استخداما للقضية العرقية كأداة لتثبيت شرعية يتيقن الممسك بالحكم أنها مفقودة في الحقيقة.
كما أن أي ذهاب للتعريب، لا يتأتى إلا بإصلاح للمنظومة التربوية، وتكوين كل الأعراق، إذ نعيش الآن صنفين تعليميين متناقضين أحدهما لا يفهم إلا العربية والآخر لا يفهم منها شيئا، وحل المشكل لا يتأتى بإقصاء أيهما.
هذا فيما يخص الأحداث في السنة قبل الماضية، أما أحداث الانتخابات الماضية فقد طوي ملفها على أن القرائن والادلة تقتضي ضلوع الأجهزة الأمنية فيها بالمباشرة.
ولا أعتقد أن مجادلا بات يشك في ذلك بعد كشف الضباط الأمنيين وهم يحرضون في الصفحات الاجتماعية على المواجهة المباشرة بين العرب والزنوج، وبعد التعيين الفج لرئيس الجامعة الذي أشرف بنفسه على إشعال النار بين طلبة الاسلاميين والقوميين الزنوج.
لكن السحر انقلب على الساحر، وفهم الطلاب المكيدة، وأعلنوا براءتهم منها متهمين الجهات الامنية بشكل صريح بالضلوع فيها، وحملوها كل نتائج الاحتكاكات العرقية حينها.
ولا بد من الاشارة إلى أن كشف تورط رئاسة الجامعة وتحميلها مسؤولية الاحداث، والمبادرة إلى اللقاء بين الاتحاد الوطني والنقابة الوطنية، كان عملا طلابيا لا دخل للجهات الحكومية فيه، كما أن الاتحاد الوطني نجح في نهاية المطاف في جمع كل الطلاب على تحميل الادارة المسؤولية عن الاحداث.
محرقة بيرام
عندما قام بيرام بمحرقته ضد الكتب الفقهية أصدر حزب تواصل بيانا شجب فيه المحرقة، مجددا موقفه المبئي من الاسترقاق في موريتانيا بوصفه باطل الاصل والفرع، مخلدا في نفس الوقت كلمة لإمام دار الهجرتين أن كل كلام يؤخذ منه ويرد إليه إلا كلام النبي صلى الله عليه وسلم..
لعل موقف تواصل هذا أغاظ الكثيرين حيث أرادوا أن لا يصدر عنه موقف، لينتقدوه، وحينما لم تتحقق آمالهم كان لزاما عليهم البحث عن ثغرة يلجون مها إلى انتقاد البيان.
وصفوه بالباهت، وأرادوا أن تكون كلمة الامام مالك بن أنس هي السبب في جعله باهتا، ويكون من ثم بيرام صنيعة إخوانية بحتة، بل في وقت لاحق يكون التواصليون على علم بالمحرقة إن لم يكن مدبريها تماما كما مزقوا الكتب!
لكن هذه الصورة ليست قريبة من الموضوعية، فكلام جميل منصور كان واضحا حول المحرقة، وساق الأدلة القاطعة على أن النظام عنده العلم المسبق بها، كما أن خطاب الاسلاميين الواضح عن المحرقة لم يدع للنظام فرصة لجعلها مطية يعبر من خلالها إلى قلوب الجماهير.
وعلى العموم فجمعية المستقبل هي الوحيدة التي أقامت المحاضرة في العاصمة والولايات الداخلية منددة فيها بحرق الكتب، والمساس بالشعائر الدينية بما في ذلك الاستهزاء باللحى، والتطاول على مؤسسة حفظت مجد الشناقطة لعقود عدة ـ المعهد العالي ـ، ومحاولة القضاء عليها.
كما أن العدالة الانتقائية المتبعة من قبل الجنرال هي أساس هلاك الأمم، حيث أهلكت بني إسرائيل، ويبدو الجنرال يريد أن يهلك بها الامة الموريتانية.
إذا لم يذنب معارض فإفساده واضح، حيث كان يسرق الماء، أما إذا أجرم وتكابر على الامة الاسلامية فسيكون ذنبه مضاعفا وستطبق فيه الشريعة.
أما الموالاة فذنوبها مغفورة، ومن باب أحرى إذا كان قريبا لولد عبد العزيز فإنه لن يسأل عن ما فعل.
هذا هو المنطق المجابه والواضح الذي عبر به الاسلاميون في المحرقة والتطاول على الرموز الاسلامية.. لكن على الأرض لم تبذل جهة سياسية معشار ما بذل الاسلاميون مجابهة للمتطاولين على رموز الأمة.
تماسك الاسلاميين
يسمي بعضهم النيران الداخلية في التيار الاسلامي بأنها أشد فتكا لحزب تواصل، كما يقول إن النظرة التلمودية التي يقول الاسلاميون عن أنفسهم تمنعهم حسب عقيدتهم النقد..
تكثر أحيانا الانتقادات الناحية هذا المنحى، لكن الاسلاميين اكثر ديمقراطية من أي فصيل وطني آخر، ويرحبون بانتقاداتهم وصدورهم رحبة لكل كاتب، ومن يعتبر الاسلاميين تلموديين إنما يتكلم بمنطق لا تسعفه الوقائع، كما أنه ليس مطلعا على المبادئ التي تحكم عمل الاسلاميين.
يخوضون كثيرا في التفاصيل، التي تندرج تحت النقطة الواحدة تتكرر عدة مرات، يضخموها قدر الاستطاعة، ويرمون اصحاب الشرائك التجارية بقتل المواطنين! يضخموها قدر الاستطاعة، ويرمون اصحاب الشرائك التجارية بقتل المواطنين!
وأطرف ما رأيت من أحدهم اتهامه للاسلاميين بأكل ضرائب المواطنين بعرفات، في إشارة منه للفترة التي قضاها جميل منصور عمدة لها، وكأن الأموال وفرت له ليستحوذ عليها، أو أن الشرطة وفرت له ليجبي ما يريد على المواطنين!
كثرت التهم وستكثر، لأن الجنرال عرف أن ساعته قاربت النهاية، كما أن الحاقدين الذين ظهروا على غير حقيقتهم باتوا يعلمون يقينا أن زمان الشخص المقدس، والنظرة العلوية لم يعد هذا زمانها..
إن هذا ليس زمان الكتاب ولا الانسان الأصف ولا الأسود ولا الأخضر، إنما هو زمن إنسان الحقيقة حيث كان، الناس سواسية، ليس فيهم المقدس، لكن الاسلاميين ينزلون الناس منازلهم..
يعتبرون الجامع للأمة الموريتانية هو الدين وحده، وغيره من تنوع عرقي هو عامل إثراء لا عامل تفرقة..
معيار التفاضل ليس في اللون وإنما هو في القلب، فالناس سواسية كأسنان المشط..
هذا هو ما يغيظهم، ارادوا أن يكون المعيار في البشرة، لأن منظرهم الأرثوذكسي قرر مبادئ غريبة على الفطرة مناقضة للاسلام.. يريدون الآن أن يظهروا بصورة المدافع عن الاسلام، لكن الاسلام أبعد ما يكون عنهم، فقد نظر كبراؤهم للعلمانية الدفينة والعنصرية المتأصلة، ومع هذا يجرؤون على مجابهة من اعتقدوا أن القرآن هو دستورهم وأن كل الكتب إن لم تكن "في سبيل الله" باطلة.
وما يميز كل الحملات الاعلامية الكاذبة الموجهة ضد التيار الاسلامي أنها تبدأ كأشد ما يكون قوة وحرارة، لكن سرعان ما ينكشف مدبروها على حقيقتهم، ويتضح الموقف الأصيل للاسلاميين، الذي ينطلق من قيود الأرض إلى القاوانين الفطرية..

نقلا عن الأخبار