مشاهدة النسخة كاملة : ولاة الجور بين الطاعة والخلع { رؤية شرعية} (محمد ولد أحمد جدو)


أبوسمية
05-18-2012, 08:48 PM
وُلاة الجور بين الطاعة والخَلْع (رؤية شرعية) (محمد ولد أحمد جدو)

كلما تحركت الأمة لخلع أحد الطغاة الجاثمين على صدورها منذ أمد قام فقهاء السلاطين يخدرونها بأن ذلك خروج على ولاة الأمر وأنه لا يجوز ومخالف لنص القرآن والسنة ولعقيدة أهل السنة والجماعة .
فمن هم يا ترى ولاة الأمر المأمور بطاعتهم، وما الذي يعتبر خروجا على ولي الأمر، وفيم تجب طاعته، وما هي المعصية التي إذا أمر بها لم تجز طاعته
ذلك ما سنحاول إلقاء الضوء عليه في هذه الأسطر
من هو ولي الأمر
قال الله تعالى (يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) وقد اختلف المفسرون في المراد بأولي الأمر هل هم العلماء أو الحكام كما هو معروف، وقال بعض أهل العلم : إنه لا مانع من إرادتهما معا، وكلا القولين مشهور معروف عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم، لكن كثيرا من المتأخرين تجاهلوا أحد القولين وأشاعوا الآخر!
أرأيت لو أمر الحاكم الجائر الفاسق الظالم بأمر وأمر العالم الورع الرباني بخلافه فأيهما تجب طاعته ؟!! ثم ختم الآية بأمر الأمة عند التنازع مع ولاة أمرها بالرد إلى الله الرسول إن كان هناك إيمان بالله واليوم الآخر.
ومما لا شك فيه أنه قد وردت أحاديث كثيرة في الأمر بطاعة ولاة الأمر والنهي عن الخروج عليهم مطلقة مثل حديث : (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) رواه مسلم .
وحديث : (اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) مسلم . لكن ورد في روايات أخرى لهذا الحديث نفسه زيادة (....... يقودكم بكتاب الله فاسمعوا .....) . وهي في صحيح مسلم نفسه.
وفي حديث آخر في مسلم أيضا : (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم ». قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف فقال « لا ما أقاموا فيكم الصلاة وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة ».
وفي حديث آخر في مسلم أيضا : « إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع ». قالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم قال « لا ما صلوا ».
ومن المقرر عند أهل الحديث : أن زيادة الثقة مقبولة ، وعند أهل الأصول : أن المطلق يحمل على المقيد ؛ فلم لا يحمل مطلق هذه الأحاديث على مقيدها؟
ومن المعلوم ضرورة أن حكام اليوم لا يقودون بكتاب الله ، ولا يقيمون فينا الصلاة، بل وليسوا كلهم يصلون .
المراد بالخروج
بيِّنٌ من الأحاديث أن المراد بالخروج هو الخروج بالسيف " أفلا ننابذهم بالسيف " " ألا نقاتلهم "، أما ما عداه من مستويات إنكار المنكر سواء بالقول أو الفعل وعلى أي مستوى وبأي شكل كان فهو في معزل عن هذه النصوص. وقد أصبحت دساتير الدول وقوانينها تكفل للشعوب حق التظاهر والاعتصام والإضراب وغيرها من وسائل التعبير عن رفض منكرات الأنظمة الظالمة
وهب أنها لم تكفله فقد كفله الشرع ففي الحديث " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب و رجل قام إلى إمام جائر فأمره و نهاه فقتله) رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد و لم يخرجاه وحسنه الألباني، وعن عبادة بن الصامت قال (بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم). فانظر كيف عقب الأمر بالطاعة بالأمر بقول الحق مهما كان الثمن .
وفي مسند الإمام أحمد وغيره عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو يذكر بعظيم) والناس إنما يخافون على هذين الحياة والرزق
فيم يطاع وُلاة الأمر ؟
لقد قيدت الأحاديث هذه الطاعة بأن لا يأمر الحاكم بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ، وهذا أمر مجمع عليه عند أهل العلم .
لكن بعض الناس لا يفهم من المعصية إلا معنى ضيقا جدا ، فتراه يمثل بما لو أمر بترك الصلاة أو الصيام ونحو ذالك،
ومفهوم المعصية – والله أعلم – أوسع من هذا . يدل لذالك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر : " إنما الطاعة في المعروف "
افترض معي أن الحاكم لا يريد أن يكثر حملة الشهادات في البلد فأصدر أمرا بعدم مواصلة الدراسة من قبل الطلاب المتخرجين من الإعداديات والثانويات مثلا فهل تجب طاعته ؟
أو أنه لاحظ أن متابعة الناس لقناة الجزيرة وبعض المواقع على الإنترنت تزيد من وعي الناس يما يدور حولهم من تغيرات في العالم العربي وبما يجري في البلد من فساد ونهب للأموال فأمر الناس أن لا يتابعوا هذه القنوات وأن لا يتصفحوا تلك المواقع فهل تجب طاعته في ذالك أيضا ؟
وهب أن له شركات مقاولات، وشركات نقل، وشركات إيراد وتصدير، فأمر بقطع التعامل مع غير شركاته فهل تلزمنا طاعته في ذلك؟
إن المتبادر إلى أذهان البسطاء أنه لم يأمر بمعصية لأن حمل الشهادات الجامعية فما فوقها ليس واجبا ومتابعة وسائل الإعلام ليس فرضا.......، لكن عند التأمل يتبين أنه معصية
و ليس بمعروف؛ لأن الاستجابة لذلك إفساد للعباد والبلاد وتعد على حقوق الغير " وإنما الطاعة في المعروف " .
وتأمل معي كلام ابن أبي العز وهو يشرح كلام الطحاوي الذي طال ما توكأ عليه المدافعون عن ولاة الجور ورددوه عبر الشاشات وعلى المنابر .
قال الطحاوي رحمه الله (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ، ولا ندعو عليهم ، ولا ننزع يدًا من طاعتهم ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة ، ما لم يأمروا بمعصية ، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة)
فقال ابن أبي العز بعد أن أورد النصوص المتقدمة وغيرها (فقد دل الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر ما لم يأمروا بمعصية فتأمل قوله تعالى : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } - كيف قال : وأطيعوا الرسول ولم يقل : وأطيعوا أولي الأمر منكم ؟ لأن أولي الأمر لا يفردون بالطاعة بل يطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله وأعاد الفعل مع الرسول لأن من يطع الرسول فقد أطاع الله فإن الرسول لا يأمر بغير طاعة الله بل هو معصوم في ذلك وأما ولي الأمر فقد يأمر بغير طاعة الله فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله
فبين رحمه الله أنهم لا يفردون بالطاعة وإنما يطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله مفسرا بذلك كلام الطحاوي رحمه الله، فأين هذا من كلام من يريد أن نطيعهم في كل فساد وإفساد.
بقي أن نشير إلى وجوب التفريق بين الخروج على الحكام وخلعهم، فقد حكى كثير من أهل العلم الإجماع على وجوب خلع الحاكم الجائر إن أمكن ذلك بلا فتنة وإراقة دماء.
فإن لم يمكن إلا بذلك أخذ بقاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد قال ابن تيمية رحمه الله (مبنى الشريعة على هذه القاعدة, وهي تحصيل خير الخيرين بتفويت أدناهما, وتفويت شرِّ الشرَّين باحتمال أدناهما, بل مصالح الدنيا كلها قائمة على هذا الأصل).

نقلا عن الأخبار