مشاهدة النسخة كاملة : ... لم يسرع به نسبه (محمد الأمين ولد محمد محفوظ)


ابو نسيبة
05-18-2012, 07:34 AM
... لم يسرع به نسبه (محمد الأمين ولد محمد محفوظ)

بدوري لا أحب الدخول في المحاججات والسجالات ولكني عندما قرأت لجمع كبير من كتابنا وأدبائنا الذين تواطأ جلهم على تحميل الفقه الاسلامي وخاصة المالكي منه وزر العبودية التي عانت من وطأة ظلمها وجورها طائفة كريمة من طوائف مجتمعنا شهد التاريخ بوطنية رجالاتها وتدينهم إلى حد أن أكثرية عمار المساجد وزوارها وحملة لواء الدعوة والذائدين عن حياضها من ذلك اللون العزيز علينا لكون الله عز وجل جعله وباقي الألوان من آياته الباهرة التي تدل على كمال قدرته الظاهرة لكونه يخرج من ذكر وأنثى هذه الألوان المختلفة والألسنة المتباينة لا لتفاضل بينهم، إن الاسلام الذين ندين لله به لا يفاضل بين الناس حسب ألوانهم ولا ألسنتهم ولا أعراقهم وإنما التفاضل عنده بالمكتسبات والمكتسبات فقط وقد جسدت الآية الكريمة ذلك إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وقد سأل الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكرم الناس فقال (أتقاهم...) وقد قال عمر رضي الله عنه متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار وقال (...الناس كلهم في ذات الله سواء ...) وقال ربعي بن عامر لقائد الفرس (نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد..)
إن الاسلام في هذه المسألة لا يحتاج إلى محام لأنه دين عملي عندما يأمر بشيء يجسده على أرض الواقع فنحن عندما ننظر إلى قادة الاسلام إبان العصور المزكاة نجد ذلك الحضور الكبير للذين كانوا من تلك الطبقات المستعبدة فسيدنا بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وعمار وسمية وزيد بن ثابت وأسامة بن زيد وأم أيمن التي قال أبوبكر يوما لعمر انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها كل هؤلاء السادة رضي الله عنهم من خيرة صحابة رسول صلى الله عليه وسلم وقادتهم وسادتهم، الذين نزل في فضلهم قرآنا يتلى (..ولا تعد عيناك عنهم... ) وعندما نلقي نظرة خاطفة على عصر التابعين سنجد أسماء لامعة من الصف الأول من أمثال عطاء بن أبي رباح الذي ارتعش أمامه عبد الملك بن مروان وابناه، ونافع مولى بن عمر الذي نقرأ القرآن بقراءته الآن والذي تروى عنه السلسلة الذهبية عن مالك عن نافع عن ابن عمر وهذه قطرة من محيط لأن المقام لا يتسع للسرد.
إن لا الإسلام خاتمة الرسالات وخلاصة الأديان لا يكرس ممارسات لا تليق بالتكريم الإنساني وإنما عالج هذه الظاهرة في غاية من الرقي والتدرج شأنه مع الممارسات الجاهلية التي لم يجهز عليها الإسلام بشكل فجائي فتحريم الخمر لم يأت دفعة واحدة وتطهير البيت وهدم الأوثان كذلك لم يأت دفعة واحدة، إن الاسلام وهو يعالج هذه الظاهرة في طريقه إلى القضاء عليها أمر بمعاملة راقية لمن لا يزالون تحت وطأتها (إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم ألبسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون ولا تكلفوهم ما لا يطيقون فإن كلفتموهم فأعينوهم ) وحديث (..اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا...) فقام أبو مسعود بتحرير هذا الغلام على الفور فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (.... أما إنك لو لم تفعل للفحتك النار ) وقد أمر الله جل جلاله في أكثر من آية بعتق الرقاب (فلا اقتحم العقبة وما أدريك ما العقبة فك رقبة... ) وقد جعل من كفارة الحنث وكفارة الظهار وكفارة القتل تحرير الرقاب المؤمنة، وأمر أن يجعل نصيب من الزكاة لفك الرقاب(... وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله) إن الله جل جلاله كرم هذا الإنسان أي إنسان من أي لون كان من أي عرق من أي بلد.
إنني ارى أن مسألة العبودية في الفقه ليست إلا عبارة عن تعرض لظاهرة إن وقعت إن فقهاءنا الأجلاء لم يأمروا الإنسان أن يستعبد أخيه الإنسان إن هؤلاء القوم ثبتت عدالتهم وفقهم في الدين وعلمهم بشريعة الله وإنهم حكوا أقوالا للعلماء والمجتهدين في فهم نصوص قائمة لظاهرة كانت قائمة وإني أهيب بكتابنا الفضلاء ومفكرين العقلاء أن ينأوا بأنفسهم عن تحميل الفقه المالكي والفقهاء المالكيين لظاهرة الاسترقاق.
إن الأصل في الإنسان الحرية الناس يولدون أحرارا فمن ادعى استرقاقهم فعليه البينة والمدعي مطالب بالبينة وإن مدعي الأصل لا يطالب بالبينة وانطلاقا من هذا المبدأ القضائي يتبين أن العبودية في موريتانيا ليس لها أصل شرعي لأن مدعيها لا يملك بينة حسب علمي فهذه العبودية مورست على أخ في العقيدة لذلك لا سند لها شرعي.
إنني أطلب من الإخوة الكتاب الفضلاء والمفكرين العقلاء أن لا يحملوا الفقه والفقهاء عملا أملاه ظرف زمني كان الدين فيه في المؤخرة ولم يكن في قمرة القيادة إن الظرف الذي مورست فيه العبودية في موريتانيا هو ظرف اطهدت فيه عدة شرائح مجتمعية وهو ظرف دولي تحكم فيه قانون الغاب مارس فيه ظاهرة الاستعباد وبأبشع أنواعها الذين يدعون زيفا أنهم حملة لواء الانعتاق والتحرر .
إن مجتمعنا مجتمع مسلم مسالم وعليه أن يتجاوز الماضي بما فيه من هفوات وأغلاط ومظالم وجرائم، وأن ينهض إلى المستقبل بقلوب سليمة ملؤها الصفح والمسامحة.
إن هذه القضية العادلة التي يجب علينا أن نتعاون جميعا من أجل رفع مخلفاتها النفسية والأدبية والمادية تنفيذا لأمر الله جل جلاله (وتعاونوا على البر والتقوى...)
لا ينبغي أن تكون مادة دسمة يتغذى عليها أصحاب النزعات العنصرية الذين لا يريدون إلا مصالحهم الضيقة الآنية، ولا أن تكون مسألة يراد منها الشيوع والظهور وكثرة الأتباع أما الذين في قلوبهم أحقاد دفينة على هذا الدين وأهله فأقول لهم موتوا بغيظكم إنكم لن تستطيعوا أن تلصقوا بالدين ما هو منه براء إن الذين يرفعون شعارات رفع الظلم ودفع المضرة عن شريحة كريمة من مجتمعنا من الأسلم والأقوم أن لا يصموا شريحة أخرى من غير استثناء بأبشع العبارات العنصرية المقيتة التي لا ترفع حيفا واقعا ولا ترد حقا مسلوبا
إن هذا العصر الذي نعيش فيه شهد عدة ممارسات عنصرية تسببت في حروب طاحنة حرقت الأخضر قبل اليابس من أبرزها تلك التي وقعت في دولة جنوب إفريقيا غير المسلمة، وإن السود فيها مورس عليهم الظلم والاطهاد ولكن رجالهم الذين دافعوا عن تلك القضية لم ينتصروا إلا عندما أرادوا إحقاق الحق ولم يريدوا إذلال شريحة انتقاما لأخرى وحينها انتصروا وساد العدل الجميع ببيضه وسوده.
أكتب هذه الأسطر المتواضعة راجيا من طبقتنا المثقفة أن لا تكرر أخطاء الماضي وأن تسهم في بناء مستقبل زاه تنعم فيه الرعية بالحرية والعدالة وتكون الصدارة فيه للكفاءة لا للزبونية ويكون شعار الحاكم فيه وصية الصديق الخالدة لعمر بن الخطاب (فإن أنت وليت عليهم أمرهم فإن استطعت أن تجف يدك من دمائهم وتضمر بطنك من أموالهم وتكف لسانك عن أعراضهم فافعل )
والله ولي الصالحين

نقلا عن الأخبار