مشاهدة النسخة كاملة : الإخوان المسلمون.. إنجازات وتاريخ ومستقبل (نور الدين بن عطية)


ابو نسيبة
05-16-2012, 07:12 AM
الإخوان المسلمون.. إنجازات وتاريخ ومستقبل (نور الدين بن عطية)

هي مسيرة جهاد طويل ممزوج بدموع وألم وأمل، أكثر من ثمانين سنة والإخوان المسلمون لم يتوقفوا عن العطاء والإبداع في الحسنى للخلق.. كل شيء جميل في الإسلام إلا ومروا عليه بمسحة من الرحمة واللين والتواضع وقدموه للبشرية لتسعد به في الدنيا والآخرة، هم الإخوان المسلمون الذين ذابت أرواحهم ونفوسهم وأجسامهم وعقولهم من أجل أن يعيش الإنسان في كرامة وحب وجمال وإيمان، من أموال خالصة طيبة حلال استنبتت مؤسسات ومشاريع خدمية وتعليمية للإنسان المصري في بدايات مسيرة الحركة، ولم تتلق دعمًا حكوميًّا ولا غير حكومي، لا داخليًّا ولا خارجيًّا، يقول الإمام الشهيد حسن البنا: (حسبنا أن نقول لهم في عبارة صريحة واضحة نتحدّى بها كلّ إنسان وكلّ هيئة وكلّ شخص كائنًا من كان: إنّ جماعة الإخوان المسلمين لم تستعن في مشروعاتها بغير أعضائها، وهي بذلك جد فخورة تجد لذة التضحية ونشوة الفرح بالإنفاق في سبيل الله). ولم يقتصر العمل والجهد على بناء المؤسسات والمشاريع المالية والاقتصادية والاجتماعية والصحية فقط، بل تعدّى ذلك إلى بناء الإنسان لأنّه جوهر الإرشاد والإصلاح والتنمية. ويصوّر لنا الإمام الشهيد حسن البنا هذا التّمايز والتّفاضل بين المادة والمعنى فيذكر أنّ: (جماعة الإخوان المسلمين كانت في طليعة الجمعيات المنتجة من حيث المشروعات العامة والمؤسسات النافعة، من مساجد ومدارس ولجان خير وبر ودروس ومحاضرات وخطب وعظات وأندية يتناوبها القول والفعل.
ولكن الأمم المجاهدة التي تواجه نهضة جديدة وتجتاز دور انتقال خطير، وتريد أن تبني حياتها المستقبلية على أساس متين يضمن للجيل الناشئ الرفاهة والهناءة، وتطالب بحق مسلوب وعز مغصوب، في حاجة إلى بناء آخر غير هذه الأبنية، إنها في مسيس الحاجة إلى بناء النفوس وتشييد الأخلاق وطبع أبنائها على خلق الرجولة الصحيحة، حتى يصمد لما يقف في طريقهم من عقبات ويتغلبوا على ما يعترضهم من مصاعب، إنّ الرّجل سرّ حياة الأمم ونهضتها).
وإذا أردت المزيد والتفصيل، أُحيلك إلى تحليل الإمام البنا بعقله وروحه تحت عنوان الرسالة: هل نحن قوم عمليون؟ وما زال عطاء الإخوان المسلمين سخاءً ممتدًا منذ عشرات السنين إلى يومنا هذا ولا يتوقف مستقبلاً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
2- النقطة الفاصلة.... سيبدأ التأريخ المصري الجديد من لحظة انطلاق ثورة التغيير في 25 يناير 2011، معلنًا عن إنهاء حكم الفراعنة الذي طال أمده.
كانت الحياة في هذه الحقبة من الزمن ضنكًا، عمّ فيها كلّ ما هو سلبي وأسود وقاتم على الإنسان المصري خاصة وعلى الإنسان العربي عامة، جُهّل النّاس عن عمد، وزُرع في قلوبهم الخوف والوهن، وصودرت الحقوق السياسية والفكرية والوجدانية، وأصبح النّاس يعيشون في متاهات اللاّ معلوم التي لا نهايات لها، حتى وصل الأمر إلى التآمر والعمالة والخيانة وبيع الوطن والإنسان إلى العدو، فعجز اللسان عن التعبير وشُلّت الأفكار عن توصيف ظاهرة الحكم بلا شعب ولا كرامة!
حتى جاءت اللحظة الحاسمة ليبدأ فجر جديد حمل كثيرًا من المتغيرات لثوابت كانت محسومة، وجاء بكثير من ثوابت لمتغيرات كانت مُغَيّبة!... لقد جعلوا الحكم الفرعوني ثابتا لا يتغير أبدًا، وأرادوا أن يصبغوا التوريث بصبغبة الخلود، وعملوا على أن يكون الفساد معلومًا من السياسة بالضرورة، فانقلبت موازين القيم، وأصبح اللاّ معهود معهودًا للعقلاء والمجانين على حد سواء!.. ولكن ربُّك سبحانه شاء أن يكون ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، قد حانت ساعته وبسط الخير رداءه على الناس وسمع دوي كلمة الله تعالى: (وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)) (الإسراء)، وتنفس الناس الصعداء، كما تذوقوا طعم الحرية الذي غاب عنهم سنين حتى كادوا ينسوه، واطمأنت النفوس وارتعدت فرائص الأعداء في الداخل والخارج. هي نقطة تحوُّل خطير، لأن بعدها سيتميّز العدوُّ من الصديق والخائن من الصّادق، والجاهل من النّبيه، والعامل من الكسول، ومُحبّ الشّر من المُحبّ للخير لمصر وللإنسانية قاطبة...
هي نقطة تحوُّل جادّ لا مكان بعدها للتّافهين وصغار التفكير، ولا يكون هناك مجال للعبث وازدراء الفضيلة.
3- هل سيتكرر سيناريو ديمقراطية حماس لقد لعن الكيان الصهيوني وعملاؤه في الداخل الفلسطيني وخارجه اللحظة الأولى التي فازت فيها حماس في الانتخابات ديمقراطيًّا، وشهد العدوُّ قبل الصديق بالأداء الحضاري لحماس سواء قبل عملية الانتخابات أو أثناءها أو بعدها، فأقرُّوا بالديمقراطية ولم يُقرُّوا بالفوز، وأقرُّوا بالأداء الحضاري اللاّ مُتوقّع من حماس، ولكنّهم رفضوا بأن يكون للإنسان الفلسطيني الحق في الوجود، وانبهروا بروعة البناء الفكري والروحي والتنظيمي لحماس ولكن نفوس أعدائها جحدت الخير الذي تحمله غزّة للناس. وعلى الرّغم من أنّ اللّعبة السياسية قد تمت ديمقراطيًّا لصالح حركة المقاومة الإسلامية حماس، إلاّ أنّ العدوّ الإسرائيلي وعملاءه قد أحكموا الخناق على هذه الديمقراطية الوليدة، التّي شهد الكون كلّه بصدقها ونزاهتها، (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: من الآية 46)، فحاصرهم الأعداء من فوق الأرض ومن تحت الأرض، وغُلَّقت الحدود على الجهات الأربعة ولوّثُوا المياه والهواء وأنزلوا بالإنسان الفلسطيني شتّى أنواع العذاب المحضور وغير المحضور عسى أن يخرج إنسان من غزة معاق الفكر واليدين، فإذا بالألوف المؤلفة تُبتعث حاملة في صدورها السليمة القرآن الكريم الذي تكرهه الصهاينة ومن لفّ لفّها، وما زالت حماس تخرج الخير للناس حتى يملّ أعداؤها، وتُنكّس أعلامهم.. فهل سيتكرر هذا السيناريو المشئوم على الإخوان المسلمين؟، سيفوز الإخوان المسلمون بإذن الله تعالى في كل المحطات السياسية، وسيعُمّ الخير على أيديهم، لأنهم نبتوا على ذلك، ونحن نعلم أنه سيتعاون كثير من بني جلدتهم مع عدوّهم، للحيلولة دون وصول الإخوان المسلمين إلى مبتغاهم، الذي هو في حقيقة الأمر ما هو إلاّ وسيلتهم لنشر الحرية والعدالة، لأنّ غايتهم الكبرى هي الله جلّ في عُلاه، أما إذا وصل الإخوان المسلمون إلى ما هيّأهم الله تعالى إليه، فسوف نرى أنيابًا تحمل سُمًّا أسود قد أظهرت بشاعتها، وغُلّقت أبواب مخابر المكر والدهاء والتخطيط لتعمل ليلاً نهارًا، عنوان كل هذه المخابر المحلية والعالمية هو (كيف نمسح الإخوان المسلمين من على هذا الوجود).. ولكن هيهات.. هيهات....
4- الطريق إلى الرئاسة و.. القنابل الموقوتة!....
من الثابت بالواقع والتجربة، أنّ الإخوان المسلمين يعلمون أنّ هناك مخاطر تنتظرهم ولامفرّ من اجتيازها، وتكون هذه المخاطر على شكل قنابل موقوتة أُحبكت خيوطها داخل مخابر صُنّاع القرار ووُضعت بذكاء وحذر شديدين لعلّ إحدى هذه القنابل تصيب مشهدًا من مشاهد السياسة التي ينسج سيناريوهاتها الإخوان المسلمون بتوفيق ربّاني دقيق؛ منحة وعطاءً بعد سنين من العرق والدّم والإجحاف، وتظهر معالم هذه القنابل الموقوتة في كثير من محطات تُفتعل ظروفُها افتعالاً أو تُستغل أحداث هذه الظروف فيسرع القائمون على الأمر إلى خلط الأوراق لعلّ سهمًا يصيب قلب الهدف، وقد يتمّ الإعلان عن وجود هذه القنابل الموقوتة أحيانًا في التلفزيون الرسمي المصري أو التلفزيونات الرسمية العربية الأخرى أو القنوات الخاصة المأجورة وأحيانًا أخرى في زمن ومكان مُعيّنين كأحداث العباسية ومن قبلها بورسعيد وغيرها... أو تُشهر على أفواه بعض قيادات أحزاب مصرية صديقة للعسكر وما بقي من الفلول، ولا ننسى إخوانهم في الخارج الذين يمُدّونهم من الغيّ مدًّا، ولعلّ أهمّ هذه القنابل الموقوتة هي:
1- القنبلة الموقوتة الأولى: يلمز كثير من الكتاب العلمانيين المأجورين والحاقدين على الإخوان المسلمين- داخل مصر وخارجها- في كثير من تحليلاتهم وكتاباتهم، ويُروّجون أنّ حركة الإخوان المسلمين أصبحت كثيرة الاضطراب والتردّد وعدم التحقق في التعاطي مع الفعل السياسي ومع الطارئ من المتغيرات السياسية التي لم تكن معهودة لدى الإنسان المصري خاصة ولدى الإنسان العربي عامّة. وهذا إجحاف في حقّهم ونكران مساهماتهم الفكرية والتنظيمية والتطبيقية في كلّ المجالات السياسية منها والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وفي كل مناحي الحياة، لا تكاد تجد شُعلةً من الوعي مُضيئة إلا ّوعليها بصمة من بصمات الإخوان المسلمين، لا ينكرها إلاّ جاحد أو مكابر... كما أنّ هؤلاء نسوا أو تناسوا أنّ الفعل السياسي كلّه اجتهادات لمُقتضى المرحلة الراهنة ليس فيها القطع أو الجزم وحيثما تكون المصلحة يكون القرار بالردّ أو التثبيت.
2- اللّغم الثّاني: يحاول صانعوه أن يزرعوا من خلاله الفتنة وإحداث خلل في التنظيم المبارك الذي تسير عليه حركة الإخوان المسلمين منذ قرن تقريبًا، حافظ على وحدتها وصفّها، وحاول الأعداء اختراقه فلم يفلحوا ووجدوه جدارًا صلبًا عصيًّا عن الولوج والهدم، لأنّه مبنيٌّ على الإخلاص والحبّ والأخوّة، مشدود بإسمنت مُسلّح اسمه (رباط العقيدة). فأراد الأعداء والمناوئون أن يبثّوا زعمًا نتنًا ليشقّوا به الصفّ، وراحوا في كلّ مرّة يذكرون ويُذكّرون الناس بأنّ هناك حرسًا قديمًا في الجماعة وحرسًا جديدًا متمرّدًا؛ ترتّب عن صراع بين شيوخ وشباب، وهذه مغالطة كبيرة تُشتمّ منها رائحة حقد دفين. فالكيان البشري للإخوان المسلمين، يستمدُّ وحدته من قوّة الأفكار المتنوّعة التي تتلاقح في فضاء الحريّة وعدم المصادرة للرّأي، وكلمّا توسّع مجال الحريّة الفكريّة عند الإخوان، زاد الإبداع والعطاء الذي لا يتوقّف، أمّا غيرهم فلا نجد إلاّ المصادرة في الحقوق والازدراء وكبت الخفايا من الإبداع، وحبّ الظهور والتنطّع، فالشيخ في الإخوان شابّ يستمدّ طاقته من الحركة التي لا تهدأ ومن العطاء الفيّاض الذي لا ينضب، والشابّ في الإخوان شيخ يستمدّ حكمته من التجربة التي نحتتها السنون والليالي والمعاناة، إذا نظرت إلى شيخ من الإخوان تقول هذا شاب يعيش حالته الراهنة بكل تفاصيلها، وإذا بصرت شابًا من الإخوان تجزم أنّ الحكمة هي التي ولدته. ويبقى أننا كلّنا بشر.......
3- اللّغم الثالث: يسعى كثير من أعداء الإخوان إلى حفر هوّة كبيرة بينهم وبين من يخالفهم في الرّأي، سواء من التيارات الوطنية الأخرى، أو من الحركات التي تقتسم مع الإخوان الطرح الإسلامي. وممّا لا شك فيه أنّ الاختلافات تكون أحيانًا متباينة وخاصة مع التيارات الفكرية ذات التوجه المتديّن والتي تحاول إثبات وجودها أثناء التعاطي السياسي، وهو قد يكون تجربة جديدة يتعامل معها الجميع بالتسرّع أحيانًا وبالتباطؤ أحيانًا أخرى، ولكن من غير المعقول ومن غير المقبول أن (تتشخصن) هذه الخلافات الفكرية أو السياسية، وتنتقل من دائرة المحمود في الخلاف إلى دائرة المذموم الجالب للفرقة والشحناء، فقد اختلف غيرنا من السلف الصالح في أكثر المواضيع خطورة، ولكن بقيت القلوب مطمئنّة تعمرها الأخوّة والإيمان.
4- القنبلة الموقوتة الرابعة: تحريض الناس ضدّ الإخوان بأنهم يسعون إلى مباركات واشنطن وغيرها. إنّه ادّعاء بعيد كل البعد عن الحقيقة والحق؛ وقبل أن يكون رجمًا للإخوان، فإنّه استخفاف بعقل الإنسان المصري، وأنّه لا يقدر الأمور ولا يعرف صديقه من عدّوه، وأصبح هؤلاء الأفّاكون يستعملون رضا أمريكا شمّاعة يعلّقون عليها تبعات كلّ من يخالفهم، وحقيقة الأمر أنّ هؤلاء هم الذين يسعون حبوًا إلى أمريكا وغير أمريكا ويعجلون الأمر إليها لعلّها ترضى!.
وكلّ الدنيا تعرف أنّ الإخوان المسلمين هم بمثابة حجر عثرة في وجه أمريكا تكبحها في كلّ حين، فيتآكل الجبروت والاستعلاء.
5- مشروع النهضة.. وأفق ما بعد الرئاسة..
في هذه الظروف بالضبط، وفي ظلّ هذه الأحداث السريعة والمتسارعة، وفي عالم متغيّر، يبرز التعاطي الفعّال للإخوان المسلمين، هذا التعاطي نابع من مؤسسة قائمة ومشروع نهضة تتحدّد فيه الملامح الكبرى لنهضة مصر وإعادة بريقها في الريادة الذي خَفَتَ إبّان فترة حَكَمَ فيها صغار الهمم. لقد تميّز مشروع النهضة الذي تبنّاه المرشح للرئاسة عن حزب الحريّة والعدالة، الدكتور محمد مرسي، برؤية شاملة للواقع المصري والواقع الإقليمي والدولي والعالمي.
كما أعاد المشروع الاعتبار إلى الإنسان المصري، وكفل حق الأسرة، وقد نبّه على ضرورة التحوّل السريع والشامل من اقتصاد ريعيّ إلى اقتصاد قيمة مضافة في إطار مجتمع المعرفة والإنتاج، وأكّد المشروع على ضرورة استرجاع الريادة، على المستوى الإقليمي والدولي بما يحقق المصالح المشتركة، ويرى حتمية بناء النظام السياسي، وذلك بإعادة هيكلة الدولة المصرية وتحويلها من دولة مهيمنة إلى دولة مؤسسات. وأوضح المشروع بأنّه من الضروري إيجاد منظومة تشريعية متوازنة، تُقنّن لمجموع مناحي الحياة المتنوّعة، وقد حدّد المشروع أُطر التنمية البشرية الشاملة في مصر، تعطي قيمة أساسية وهامّة للإنسان. هذه بعض ملامح مشروع النهضة الكبرى محدّدة المسارات والأهداف، بحيث تفتح آفاقًا رحبة لما بعد الرئاسة، تكون فيها مصر مغايرة تمامًا للوجه القديم الذي يراهن المشروع على عدم تكراره ولو دفع من أجلها الغالي والنفيس.. آفاق ما بعد الرئاسة، يسود فيها القانون وتحترم فيها الحريات الفردية والجماعية، وترتفع قيمة الإنتاج بدل عادة الاستهلاك القاتل للإبداع. آفاق ما بعد الرئاسة تكون فيها كلمة مصر أقوى وأكثر احترامًا، ويُنظر إليها بعين الجدّ والحسابات الدقيقة.

نقلا عن إخوان أون لاين