مشاهدة النسخة كاملة : ملاحظات عابرة علي مقال الشنقيطي (عبد الله ولد محمد بمب)


أبوسمية
05-13-2012, 06:50 AM
ملاحظات عابرة علي مقال الشنقيطي (عبد الله ولد محمد بمب)

طالعت بكل شغف مقال الأستاذ الدكتور محمد بن المختار الشنقيطي الموسوم بقصة العبودية في كتب المالكية , ولقد أعجبني المقال حقا ولاغرابة في ذلك من كاتب ومفكر عودنا دائما علي جودة الحبك والسبك موضوعا ولغة , علي أن ذلك لا يمنعنا من إبداء بعض الملاحظات علي قلتها حول بعض ما جاء في المقال المذكور وهي لعمري لا تعد نقصا من المقال , وإنما إثراء له وتكملة وحسب الدكتور قصب السبق وطرق المشكلة وإثارة رواكد ها .
الملاحظة الأولي يقول الدكتور : (إن المعروف تاريخيا أن أصل الاسترقاق ابتداءً هو الأسر في الحرب ، وقد قال الله تعالى في أسرى الحرب :" فاما منا بعد وإما فداء "( سورة محمد الآية 4) فهذه الآية صريحة في خيارين للتعامل مع أسير الحرب ، وهما المن: أي التسريح بلا مقابل ، والفداء : أي التسريح بمقابل مالي. ولم تذكر الآية الكريمة أي خيار ثالث ، بل حصرت الأمر بين "إما" و"إما).
والذي تواترت عليه معظم أمهات التفسير و كتب الفقه المعروفة والمقبولة من الأمة علي مر العصور أن للمسلمين خيارات للتعامل مع الأسري تصل إلي حدود تتجاوز خيارين قطعا , بل قد تصل لحدود الخمسة .
.فعند تناوله للآية السابقة يقول أبو البركات عبدا لله بن أحمد بن محمود النسفي في تفسيره مدارك التنزيل وحقائق التأويل :(حكم الأساري المشركين عندنا القتل أو الاسترقاق و المن والفداء المذكوران في الآية منسوخ بقوله ( فاقتلوا المشركين ) لأن سورة براءة من آخر مانزل , وعن مجاهد ليس اليوم من ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق , أو المراد بالمن أن يمن عليهم بترك القتل ويسترقوا أو يمن عليهم فيخلوا لقبولهم الجزية , وبالفداء أن يفادي بأساراهم أساري المسلمين , فقد رواه الطحاوي مذهبا عن أبي حنيفة _رحمه الله _ وهو قولهما , والمشهور أنه لا يري فداءهم لا بمال ولا بغيره لئلا يعودوا حربا علينا , وعند الشافعي رحمه الله تعالي للإمام أن يختار أحد الأمور الأربعة القتل والاسترقاق والفداء بأساري المسلمين والمن (مدارك التنزيل وحقائق التأويل – للنسفي ج4 / 1117 )
وفي التسهيل لعلوم التنزيل لأبي القاسم محمد بن أحمد بن جزي الكلبي- ج-2 /340 يقول: (( المن العتق والفداء فك الأسير بمال , وهما جائزان , فإن مذهب مالك أن الإمام مخير في الأساري بين خمسة أشياء وهي المن والفداء والقتل والاسترقاق وضرب الجزية , وقيل لايجوز المن ولا الفداء لأن الآية منسوخة بقوله (فاقتلوا المشركين ) التوبة 5) فلا يجوز علي هذا إلا قتلهم , والصحيح أنها محكمة ))
ويقول القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ج19/246-247 وأختلف العلماء في تأويل هذه الآية(فاما منا بعد وإما فداء) علي خمسة أقوال إلي أن يقول : ( ...... الخامس أن الآية محكمة والإمام مخير علي كل حال ,رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس, وقاله كثير من العلماء منهم ابن عمر والحسن وعطاء وهو مذهب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبي عبيد وغيرهم . وهو الاختيار لأن النبي والخلفاء الراشدين فعلوا كل ذلك , قتل النبي صلي الله عليه وسلم عقبة بن معيط والنضر بن الحارث يوم بدر صبرا ,وفادي أساري بدر , ومن علي أبي عروة الجمحي وقتل بني قريظة وقد نزلوا علي حكم سعد وصاروا في يده سلما , ومن علي ثمامة بن أثال الحنفي وهو أسير في يده , وأخذ من سلمة بن الأكوع جارية ففدي بها أناسا من المسلمين , وهبط عليه _ عليه الصلاة والسلام – قوم من أهل مكة فأخذهم النبي وقد من عليهم , وقد من علي سبي هوازن , وهذا كله ثابت في الصحيح ) .
وهذا التقسيم كثير ومنتشر في معظم كتب التفسير والفقه تصعب الإحاطة به لكثرته , والحصر في المن والفداء فقط كطريق للتعامل مع الأساري هو النادر ولاوجه للحصر أبدا , بل إن قسما كبيرا من الفقهاء والمفسرين يعتبر الآية منسوخة بقوله تعالي:( فاقتلوا المشركين ) –التوبة( 5) وليست محكمة .
الملاحظة الثانية يقول الدكتور :( لكن تشريع الإسلام لم يقف عند هذا الحد، بل جعل قضية الرق عمليا مرحلة مؤقتة، حينما وضع حرية الرقيق في يده من خلال نظام المكاتبة. والمكاتبة هي عقد بين العبد والسيد يلتزم العبد بمقتضاه بدفع فدية على أقساط مقابل حريته، ويصبح المكاتب حرا بمجرد إبرام العقد. فإن عجز عن الأداء لم يعد عبدا، وإنما يصبح عليه دين للسيد السابق، يجب على الدائن إنظاره فيه إلى حين ميسرة،) إلي أن يقول الدكتور :( ففي الآية أمران صريحان: يُلزم أولهما السادة بقبول عقد الحرية، ويُلزم الثاني المجتمع –ممثَّلا في الدولة- بالإسهام المالي في هذا المسار التحرري)
في الحقيقة كلام الدكتور الفاضل هنا يحتاج للعرض لأننا لا نتفق معه في كون المكاتب يصبح حرا بمجرد إبرام العقد , ولا نتفق معه كذلك حول مدي إلزامية الأوامر في الآية,للسيد بل الذي عليه معظم الجمهور هو اختيارية تلك الأوامر للسيد ,علي ما سنستعرضه من أدلة , ونرجوا أن لا يفهم أحد أننا ندافع أو نكرس للعبودية, وإنما لا نريد أن تدفعنا الحماسة والنشوة لتجاوز النصوص الفقهية والآراء الراجحة لأقوال مرجوحة من أجل فقه يلائم حاجاتنا الحالية حساب النصوص الثابتة والقوية في دلالاتها . .السياسية والاجتماعية علي
في معرض تفسيره لقوله تعالى: "وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ." (سورة النور، الآية33).
يقول الحافظ بن كثير في تفسير القرآن العظيم/_1332-1331
(هذا أمر من الله تعالي للسادة إذا طلب منهم عبيدهم الكتابة أن يكاتبوا , بشرط أن يكون للعبد حيلة وكسب يؤدي إلي سيده المال الذي شارطه علي أدائه , وقد ذهب كثير من العلماء إلي أن هذا الأمر أمر استرشاد و استحباب , لا أمر تحتم وإيجاب بل السيد مخير إذا طلب منه عبده الكتابة , إن شاء كاتبه , وإن شاء لم يكاتبه ,وقال الثوري عن جابر عن الشعبي :إن شاء كاتبه , وإن شاء لم يكاتبه ........... وذهب آخرون إلي أنه يجب علي السيد إذا طلب منه عبده ذلك أن يجيبه إلي ما أخذا بظاهر هذا الأمر )
ويستمرالحافظ بن كثير في تفسيره إلي أن يبين قول الشافعي في المسألة و مالك رضي الله عنهما فيقول :(وذهب في الجديد(الشافعي) إلي أنه لا يجب لقوله عليه الصلا ة والسلام : " لايحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه " وقال ابن وهب قال مالك : الأمر عندنا أن ليس علي سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك , ولم أسمع أحدا من الأئمة أكره أحدا علي أن يكاتب عبده, قال مالك : وإنما ذلك من أمر الله, وإذن منه للناس وليس بواجب ) 1332
يقول القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ج15/236 عند تعرضه لتفسير هذه الآية : (.....الثالثة : معني المكاتبة معني المكاتبة في الشرع : هو أن يكاتب الرجل عبده علي مال يؤديه منجما عليه , فإذا أداه فهو حر )
وذهب الجمهور إلي أن الكتابة معاوضة وعليه فلا بد من التراضي ,يقول القرطبي15/237 : ( فكذلك الكتابة لأنها معاوضة فلا تصح إلا عن تراض)
وكون مطلق الأمر في الآية بقتضي الوجوب فلا خلاف في ذلك لكن يشير القرطبي 15/ 237-238 هنا إلي أن : (.... إذا عري عن قرينة تقتضي صرفه عن الوجوب وهي تعليقه هنا بشرط علم الخير فيه , فعلق الوجوب علي أمر باطن , وهو علم السيد بالخيرية وإذا قال العبد: كاتبني وقال السيد: لم أعلم فيك خيرا, وهو أمر باطن , فيرجع فيه إليه , ويعول عليه وهذا قوي في بابه )
والمكاتب عبد ما بقي عليه جزء من كتابته , وهو رأي الجمهور لقوله صلي الله عليه وسلم : (المكاتب عبد ما بقي عليه درهم ) رواه أبو داود بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
يقول القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 15/243 (المكاتب عبد ما بقي عليه من مال الكتابة شيء , لقوله عليه الصلاة والسلام " المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم " أخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ,وري عنه أيضا أن النبي صلي الله عليه وسلم قال :" أيما عبد كاتب علي مائة دينار, فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد " وهذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود والطبري وروي ذلك عن ابن عمر من وجوه وعن زيد بن ثابت وعائشة وأم سلمة , لم يختلف عنهم في ذلك رضي الله عنهم وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وبه قال ابن المسيب و القاسم وسالم وعطاء , قال مالك وكل من أدركنا ببلدنا يقول ذلك .)
ورأي الدكتور هو قول لبعض السلف أنه يصير بنفس عقد الكتابة حر , لكنه غريم بالكتابة,لا يرجع إلي الرق أبدا ,وهذا القول يرده حديث بريرة فلو كان المكاتب حرا مابيعت بريرة لتنافي الحرية مع البيع و يحتج الجمهور كذلك علي كون المكاتب عبد بحكم النبي صلي الله عليه وسلم لسلما ن و جويرية بالرق حتي أدوا الكتابة, فالمكاتب عبد ما بقي علية شيء
من الفقه الشافعي يقول الغزالي في الوجيز في فقه الإمام الشافعي ج2-280 عرف الكتابة فقال : ( وهي عقد ليس بواجب ولكن يستحب إن التمس العبد , وكان أمينا قادرا علي الكسب , فإن لم يكن أمينا لم يستحب , وإن لم يقدر علي الكسب ففي الاستحباب وجهان )
ومن الفقه الحنفي يقول الكاساني في بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ج/5 /420 (...... وأدني درجات الأمر الندب فكانت الكتابة مندوبا إليها , فضلا عن الجواز )
إلي أن يقول بدائع الصنائع ج5/421 ( ..... وبه يتبين أن قول داود بن علي الأصفهاني أن الكتابة واجبة قول مخالف للإجماع وأن تعلقه بظاهر الأمر لايصح )
وفي عمدة الفقه في المذهب الحنبلي لابن قدامة المقدسي /تحقيق أحمد محمد عزوزص86 يقول : ( والمكاتبة شراء العبد نفسه من سيده بمال في ذمته إذا ابتغاه العبد المكتسب الصدوق من سيده , واستحب له إجابته إليها لقول الله تعالي :( وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ." (سورة النور، الآية33).ويجعل المال عليه منجما , فمتي أداها عتق , .......والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم)
في الأخير نشير إلي أنه لا جدال في محاربة للإسلام للعبودية وفي تكسيره للفوارق الطبقية المبنية علي الجنس واللون , فمعيار الأفضلية هو التقوى , ففتح الإسلام أبواب الحرية التي هي أصل الإنسان ,وجعل تحرير الرقاب من أعظم القربات قال تعالي في محكم التنزيل :فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَة فَكُّ رَقَبَةٍ( سورة البلد الآيات 11-13) وعن البراء بن عازب قال : جاء أعرابي إلى النبي فقال : يا رسول الله علمني عملاً يدخلني الجنة . فقال : اعتق النسمة وفك الرقبة . فقال : أوليسا واحداً ؟ فقال : لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها ، وفك الرقبة : أن تعين على فكاكها ( رواه البيهقي وابن حبان) كما فرض الإسلام سهما في الزكاة لتحرير الرقاب قال تعالي : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) سورة التوبة آية 60 .
كما أوجب الإسلام علي من ملك ذا رحم محرم عليه بعتقه ففي الحديث (من ملك ذا رحم محرم فهو حر(رواه أبو داود والترمذي) هذا فضلا جعل الإعتاق كفارة للكثير من الإثم كالقتل الخطإ والظهار والجماع في نهار رمضان وغيرها ,هذا بالإضافة إلي المكاتبة والتدبير وأم الولد وغيرها من الأبواب التي شرعها ديننا الحنيف لمحو الاسترقاق
الذي نحتاج إليه اليوم هي رؤية فقهية لا تقصي أي نص مهما كان خصوصا إذا كان قويا , وذلك من أجل الخروج بحلول لمشاكلنا التي لم تعد قابلة للتأجيل .
كل التقدير والاحترام للأخ الأستاذ والمفكر الدكتور محمد بن المختار الشنقيطي ولولا ثقتي بسعة صدره وغزارة علمه لما علقت علي مقاله , فما أكثر الغثاء الذي يمر علينا يوميا دون أن نعيره كبير شأن.

نقلا عن الأخبار