مشاهدة النسخة كاملة : تفخيخ اللغات


أبوسمية
03-25-2010, 10:51 AM
تفخيخ اللغات

[/URL][URL="http://www.mushahed.net/vb"]http://www.mushahed.net/vb/imgcache/3248.imgcache.jpg (http://www.mushahed.net/vb/imgcache/3248.imgcache.jpg)




أحمد ولد الوديعة
عاد النقاش حول العربية والفرنسية واللغات الوطنية بقوة إلى واجهة الأحداث خلال الأسابيع والأيام الأخيرة التي أحيت فيها موريتانيا يوم العربية والذكرى الأربعين لتأسيس المنظومة الافرنكفونية، وعادت مع هذه النقاش تلك الدعوات التي تريد – وتلك مفارقة كبرى – أن تتخذ من اللغات التي هي فى الأصل أدوات تواصل معاول لهدم المشترك الوطني وإعادة ترميم جدران الفصل الثقافي والفكري والشعوري التى شيدتها سياسات تربوية وثقافية قاصرة، وأجهض انقلاب السادس أغسطس أكثر محاولة وطنية جدية لتدميرها.
وككثير مما يجري فى موريتانيا اليوم يحار المرأ حين يتابع ما يفترض أن يكون مؤشرات على توجه رسمي، فالوزير الأول يقول إن موريتانيا بلد عربي – وتلك كانت هي القطرة التى أفاضت الكأس- وعلى من لايعرف العربية أن يتدبر أمر نفسه، ووزير الاقتصاد يجدد توقيع اتفاق مع فرنسا يتيح للحكومة الحصول على تمويلات منها ثلاث مليارات لدعم اللغة الفرنسية فى التعليم ضمن مقتضيات المنهج التعليمي المتبع منذ نهاية التسعينات، والتلفزة الوطنية تحتفي على التوالي بيوم العربية والذكرى الأربعين لانشاء المنظمة الدولية للفرانكفونية.
ولأن فك ألغاز " توجهات حكام موريتانيا الجديدة" ربما يحتاج وقتا فقد يكون من المناسب العبور إلى ماوراء هذه التوجهات فهي تسير – بكل أسف – فى اتجاه تكرارا توجهات جربتها موريتانيا خلال العقود الثلاث الأخيرة وأنتجت المنظومة التربوية والأخلاقية التى نتجرع حصادها المر اليوم
1
كانت فرصة " يوم العربية" التى مرت قبل أسبوعين مناسبة تباري فيها عديدون للتأكيد على فضل اللغة العربية ومكانتها، وفى ذلك الكثير مما يمكن أن يقال وينبغي أن يقال ويعمل بمقتضاه لكن كثيرين من الذين تحدثوا عن فضل العربية وضرورة أن تكون – كما هو النص الدستوري – لغة رسمية فى البلد لم يطرحوا على أنفسهم السؤال الجوهري لما ذا أصبح مركز اللغة العربية مثار نقاش وجدال فى مجتمع كان إلى عهد قريب يرى العربية – كما تستحق أن ترى – لغة موحدة لكل المسلمين الذين يتحدثونها كل يوم أكثر من خمس مرات فى عماد الدين؛ لم يسأل أي أحد من هؤلاء نفسه ما الذي حول العربية في موريتانيا من لغة موحدة إلى لغة مثيرة للجدل والنقاش.
إن الإجابة على السؤال السابق تتطلب شجاعة لا تقل عن شجاعة طرحه لكنها ضرورية للحريصين - حقا – على العربية إذ بدونها لن تستطيع العربية أن تستعيد مكانتها المستحقة في هذا المجتمع المسلم عن بكرة أبيه، ومع أنه لايجوز لأي أحد أن يحتكر " الإجابة الصحيحة" على مثل هذا النوع من الأسئلة فأعتقد أن الباحث المنصف فى هذا الموضوع يمكنه التوصل إلى أن ثلاثة أسباب رئيسية مسؤولة عن وضع اللغة العربية اليوم وهذه الأسباب هي :
- إرادة " استعمارية" قديمة ومتجددة لإلحاق شعوبنا بالثقافة الغربية ومسخها من ثقافتها الإسلامية الأصيلة التي تمثل اللغة العربية مفتاحا أساسيا للتزود منها واستيعابها حق الاستيعاب، وقد رصد المفكر الموريتاني الدكتور الخليل النحوي معالم تلك الإرادة وما تمخض عنها من سياسات فى كتابه الرائع افريقيا المسلمة الهوية الضائعة.
- طرح قومي نزق هبط بالعربية من قمم الوحي إلى سفح العرق ووحل النزاعات والنزعات الطينية الواطئة.
- ارتباط مصالح مجموعات من كبار الموظفين من مختلف المجموعات الوطنية باللغة الفرنسية ، وهو ما جعلهم – إضافة إلى البعدين السابقين – يتحولون إلى مدافعين أقوياء عن تكريس الأمر الواقع الذى يهمش اللغة العربية، ويقطع الطريق أمام تطوير اللغات الوطنية الأخرى ؛ البولارية والسوننكية والولفية.
لقد عانت العربية من هذا الثلاثي معاناة حقيقية؛ فالدعاية الاستعمارية صورتها لغة عاجزة، والنزق القومي جعلها جزء من مشكل كان الأولى أن تكون أحد حلوله، ومجموعات المصالح عمقت المتاريس فى طريق أي عودة ممكنة إلى ما كانت عليه قبل أن يفعل الثلاثي السابق فعلاته المنكرة.
2
نحن إذا بناء على التوصيف السابق أمام واقع " العربية فيه جزء من المشكل"، وليس من المفيد تجاهل تلك الحقيقة وترديد قضايا نظرية ربما كانت تفيد يوم غيبت عن النقاش فى ستينات القرن الماضي وثمانيناته وتسعيناته لكنها لا تفيد اليوم كثيرا، مما يعني ضرورة تطوير مقاربة أكثر وعيا واتزانا لتفكيك حزمة الأسلاك الشائكة التى طوقت قضية اللغات عندنا وفى مقدمتها قضية اللغة العربية، واعتقد أن هذه المقاربة ينبغي أن تقوم على نقد موضوعي للخطابات والمواقف السابقة، وهو ما يمكن أن يتم من خلال :
- إعادة الاعتبار إلى الخطاب الإسلامي التوحيدي الذى يدعو الناس إلى الإسلام ويقدم لهم ما فيه من ضمانات لحريتهم ورقيهم وسعادتهم فى الدنيا والآخرة، وتركيز الجهد الدعوي على ذلك بدل استنزاف الجهود فى معارك بلامضمون حول اللغة، فالأصل هو أن نقدم الإسلام من أصوله وكلياته وأن لانجره من ذيله إذا استخدمنا تعبير الداعية والمفكر الإسلامي الكبير محمد الغزالي فى نقده لطريقة تقديم بعض التيارات التجزئية للفكرة الإسلامية.
إن هذه النقطة بالغة الحيوية لأن التجارب قديما وحديثا تقول إن قضية اللغة هي جزء من كل فحين يقتنع فرد أي فرد بالتحاكم إلى المشروع الإسلامي سيضع على سلم أولوياته طريقة تعلم لغة القرءان لأن ذلك هو ما سيضمن له التعاطي بدون وسيط مع آخر نص ينزل من السماء إلى الأرض.
- سحب مفهوم التعريب من التداول السياسي والثقافي لأن فيه شحنة
" إلزامية وإكراهية" لا أصل لها في الشرع ولا فى العرف ولا فى القانون ثم إنها ضارة أولا وأخيرا باللغة العربية، وهاهي النتيجة ما ثلة أمامنا بعد عقود من رفع شعارات التعريب تخللتها محاولات سلطوية متقطعة لفرض ذلك بقوة القانون، ولعل من المهم هنا ملاحظة كيف أن أغلب المجموعات غير العربية فى موريتانيا لا تتكلم العربية مع اعتزازها القوى بهويتها الإسلامية، في حين نلاحظ أن امتدادت اجتماعية لنفس المجموعات فى دول الجوار ينتشر فيها تعلم العربية بفضل مؤسسات ألأهلية تعمل أحيانا ضد الإرادة السياسية للدولة.
إن السبب – من وجهة نظري – يعود إلى أن هؤلاء شعروا عندنا هنا أن العربية تفرض عليهم وأن البعض يريدها أن تكون على حساب لغاتهم المحلية.
- الاعتراف الفكري والسياسي والثقافي بالتعدد اللغوي والاجتماعي فى البلد، والسعي الجدي والجمعي لتطوير اللغات الوطنية، والاحتفاء بها باعتبارها لغات إسلامية آمنت يوم آمن الناطقون بها وتشربت مفرداتها بقاموس الإيمان والمحبة والأخوة.
إن عدم الاعتراف الجدي والإرادي بهذه المجموعات يوفر أرضية خصبة فى داخلها للدعوات القومية العرقية ، والتغريبيبة الإلحاقية، ويعطى فرصة لا تعوض لدعاة التفرقة والتجزئة، وتلك مسألة ينبغي على " المتعالين" عن الاعتراف بحقيقة تعددنا أن يدركوا جيدا أنها تجر للبلد كلها الكثير من المتاعب، وهي مع كل ذ لك عملية عبثية فالله خلقنا متعددين، والواقع من حولنا متعدد، ووسائل القمع والقهر بكل أشكالها تتصاغر يوما بعد يوم فى مواجهة أدوات التعبير والتأثير والممانعة، لذا يكون الأفضل لنا جميعا أن نعترف بتعددنا ثم ننشد التوحد من بعد ذلك.
- التعايش مع الفرنسية باعتبارها لغة انفتاح على جزء مهم من المحيط الإقليمي والقوى الدولية، وباعتبارها أيضا قناة تواصل اضطراي مع جزء من المجموعات الوطنية التى هدمت سياسات " التفخيخ والقمع والإقصاء" جسور التواصل الطبيعي معها من خلال لغاتنا الوطنية العربية والبولارية والسوننكية والولفية.

ولابد هنا عند الحديث عن اللغة الفرنسية من القول إنه حان الوقت لكي نتجاوز الخطابات القاصرة التى جعلت أجيالا عديدة عندنا ترفض تعلم أي لغة أجنبية، وتنظر إلى ذلك باعتباره عملا مضرا باللغة العربية، فهذه الرؤية غير مؤسسة شرعا فقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم – كما فى البخاري - زيد بن ثابت على تعلم العبرية، وهي لغة " أشد الناس عدواة للذين آمنو"، وهي ضارة واقعا، فنحن فى عالم يفرض على كل من يريد أن يكون شيئا مذكورا أن يتعلك ويتكلم لغات عديدة؛ إنجليزية كانت أو فرنسية أو صينية أو إسبانية .
3
لقد أكدت الأحداث التى جرت فى الجامعة يوم أمس ما لم يكن يحتاج إلى تأكيد من وجود هوة سحيقة بين مجموعاتنا الوطنية ترقد على إرث من الظلم والقهر والصور النمطية المتبادلة، وهو أمر كفيل بتفجير وضعنا الاجتماعي الهش ما لم تتداركه رؤية عاقلة تؤسس على تجارب نصف قرن من المعالجات المبتسرة، وهو ما لايبدو مع الأسف أن من يحكمون البلد اليوم مهيئون للقيام به بل الظاهر مع الأسف أنهم يتحملون جزء كبيرا من المسؤولية المباشرة عما جرى فى الجامعة أمس وما قد يجري خلال الأيام القادمة فلقد كانت كلمة ولد محمد لغظف – سواء أراد ذلك أم لم يرد- كلمة جارحة للمجموعات غير العربية التى وجدت نفسها فجأة أمام شعار مستفز هو " تدبروا أمركم موريتانيا بلد عربي"
إن من الأحسن للفريق الحاكم – إن لم يكن راغبا- فى مضاعفة متاعبه أن يسحب كلمة ولد محمد لغظف ويقدم اعتذارا عنها ويعيد تعريف موريتانيا بما عرفه به الأجداد المؤسسون، وكرسته دساتيرها المتعاقبة فموريتانيا جمهورية إسلامية فيها العربي وغير العربي، إنها بلد مسلم وكفى.

نقلا عن السراج