مشاهدة النسخة كاملة : مفارقات بين التشهير والتنوير في الانتخابات الرئاسية (صلاح الدين سلطان)


ابو نسيبة
05-03-2012, 07:22 AM
مفارقات بين التشهير والتنوير في الانتخابات الرئاسية (صلاح الدين سلطان)

نحن في مرحلةٍ تبدو فيها أخلاقنا الإسلامية أو العربية أو الإنسانية في الاختبار الصعب؛ حيث ينقسم الناس، كما روى الإمام مسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقِهُوا"، ولذا أدعو إلى أهمية تبني منهجية التنوير لا التشهير في الانتخابات الرئاسية المصرية أو غيرها من الانتخابات؛ لأن النفس تدعو إلى التحقير والتشهير بالغير حتى يبني كل مرشح مجده على أشلاء غيره، وإذا جد بنا العزم في السير إلى الله تعالى فإن الغاية لا تبرر الوسيلة، والحرام لا ينتج خيرًا، وفساد البدايات مفضٍ إلى فساد النهايات، وخسارة سباق الرئاسة كله لا يساوي أبدًا أن نخسر البناء الأخلاقي الذي روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (رواه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم: 45).
من هنا فمن حق كل مرشح مع حملته أن يقوم بأقصى درجات التنوير عن خطته ومشروعه لبناء مصر، وتحويلها من الخوف والفزع إلى الأمن والأمان، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن الاستيراد إلى التصدير، ومن التسول إلى المساعدة، ومن اللامبالاة إلى المسئولية، ومن التقزيم إلى الترميز، ومن الإحجام إلى الإقدام، ومن الاحتقان إلى الاحتضان، ومن الطبقية إلى السواسية، ومن المرض إلى العافية، ومن الفساد إلى الشفافية، ومن الأمية والعشوائية إلى المعارف المنهجية، ومن الفرقة والاختلاف إلى الوحدة والائتلاف، ومن العصبية الذميمة إلى الأخوة الحميمة، ومن العزوبة الحارقة إلى الزوجية الرائقة، ومن الفقر والمسكنة إلى الغنى والمرحمة، ومن ردود الأفعال العشوائية إلى الخطط المستقبلية، وكل أيام الحملة لا تكفي لشرح كيفية التعامل مع كل هذه الملفات خاصةً إذا كانت مدة الدعاية لا تزيد عن ثلاثة أسابيع في مساحة تزيد عن ألف كيلو متر مربع موزعة على 27 محافظة لكتلة بشرية ضخمة قرابة 90 مليونًا من البشر منهم قرابة 50 مليونًا من الناخبين، بمعنى أن من اشتغل عن التنوير إلى التشهير ساعة من ليل أو نهار فقد خسر دنياه وآخرته؛ لأن التشهير يعني أن هناك تجاوزًا لقيم الصدق إلى الكذب والبهتان، ومن النصيحة إلى الفضيحة، ومن العدل في الرضا والغضب إلى الظلم في الرضا والغضب، والظلم ظلمات يوم القيامة.
وقد علّمنا القرآن أن ننصف الخصم ولو كان غير مسلم، ونزلت تسع آيات من سورة النساء تعاتب النبي صلى الله عليه وسلم لما اختلف يهودي ومسلم فسبق المسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ما يصح وما لا يصح في الخلاف بينه وبين اليهودي، وكاد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعاطف مع المسلم لحساب اليهودي فنزلت الآيات معاتبة للحبيب محمد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (106) وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَاأَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (109) وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (110) وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (112) وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)) (النساء)، وهو مشهد نحتاج أن نتدارسه جميعًا مع أبنائنا وبناتنا وإخواننا وأخواتنا بحيث يكون الجميع قادةً وأتباعًا، روادًا للحملات الانتخابية أو مشجعين على قيم وأخلاق ثابتة، فلا يرضى مرشح إسلامي أو إنساني أن يشهِّر بغيره وأن يلطخ سيرته، وأن يدنس عرضه، ويلعن تاريخه، أو ينسى العشرة الطيبة سنين عديدة، وحبذا لو أصدر كل مرشح قيم الحملة الانتخابية، ويتبرأ من أي قائد أو تابع يخالف هذه القيم النبيلة في الرضا والغضب، ويجب هنا أن نتذكر الحديث الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث جابر بن سليم: "وإن امرؤ شتمك وعيرك بأمر يعلمه فيك، فلا تعيره بأمر تعلمه فيه، فيكون لك أجره، وعليك إثمه، ولا تشتمن أحدًا" (رواه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم: 770).
كما يجب أن نحسب حسابًا للغد أن ينجح أحد الخصوم فتخسر مصر إمكانية التعاون بين كل ذي طاقة أو خبرة لبناء مصر الجديدة بكل سواعد المخلصين من أبنائها، وفقًا للحكمة: "أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما"، ولنتذكر جميعًا قول سعد بن أبي وقاص لما جاءه أحد مسعِّري الحرب بين الأصحاب فقال: "إن ها هنا مائة ألف فارس كلهم يرونك أحق بالأمر دونهم" أي علي ومعاوية، فقال بلسان الراقي أخلاقيًّا، الواعي سياسيًّا: "أعطني من مائة ألف فارس سيفًا واحدًا إن ضُرب به مسلم لم يقطع، وإن ضُرب به غير مسلم قطع"، وهذا هو عين الوعي الذي أتمنى من كل أحبابي أن يفقهوه ويطبقوه في الانتخابات التي لا يمكن أن نواجه الفلول بأدواتهم نفسها من التشهير دون التنوير مستعينين بـ22 قناة حكومية وخاصة لا همَّ لها سوى التشهير؛ لأنهم ببساطة ليس عندهم ما يحتاج إلى تنوير، فهل يرجع كل منا خطوة إلى الوراء لإعادة ضبط البوصلة الأخلاقية في الحملة الانتخابية التي لا تتجاوز مبدأ أخلاقيًّا، ولو خسرنا كل المواقع لتبقى المواقف شامة على رؤوس من تربوا على المنهاج الحق الذي يظهر عند الغضب والاستفزاز أننا حلماء أتقياء أنقياء كما قال تعالى: (وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ) (الروم: من الآية 60).

نقلا عن إخوان أون لاين