مشاهدة النسخة كاملة : حتى لا ننسى أعوان الشيطان في مصر (خالد عبدالقادرعودة)


ابو نسيبة
05-01-2012, 07:26 AM
حتى لا ننسى أعوان الشيطان في مصر (خالد عبدالقادرعودة)

يخطئ من يتصور أن العداء لأحزاب الحرية والعدالة أو النور أو الأحزاب الإسلامية أو مرشحو الرئاسة الإسلاميين هو مجرد أحقاد حزبية- وإنما هو عداء دولي قديم للإسلام، قِدَم الرسالة المحمدية، مبعثه كراهية الدين ذاته، والحقد على كل من انتسب إليه، ودليل ذلك لا يخفى على كل من له دراية بالتاريخ، فما تعرض له المسلمون في البوسنة والشيشان وكشمير ونيبال وفلسطين والصومال وأفغانستان والعراق ونيجيريا- هو انعكاس للسياسة العنصرية التي تبناها العالم غير الإسلامي ضد المسلمين، وتناوب على ممارستها كل من الشرق الملحد والغرب العنصري.. طيلة نحو تسعة قرون من الزمان، وقد بدأت معالم هذه السياسة العنصرية ضد الإسلام مع أول حملة صليبية ضد بيت المقدس عام 1099م ميلادية، واتضحت نواياها فيما بعد من خلال العديد من الحملات العسكرية الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والأسبانية والمغولية والروسية والنمساوية والصربية واليهودية.. ضد العالم الإسلامي.. حتى انتهى الأمر بإسقاط الخلافة الإسلامية في الحرب العالمية الأولى، وتوزيع أراضي الدولة الإسلامية وشعوبها كغنائم على الحلفاء أصحاب العالم الجديد.
وعلى الرغم من أن الدولة الإسلامية العظمى قد سقطت فعليًّا قبل هذا التاريخ، وأن المسلمين قد فقدوا وحدتهم وقوتهم وإرادتهم المستقلة خلال الفترة ما بين 1793 و 1918م، إلا أن ذلك لم يثن عزم الأنظمة غير الإسلامية عن حرب الإسلام، واغتصاب ثروات المسلمين، واحتلال منابع البترول، وتهجير السكان المسلمين من أراضيهم، وإحلال اليهود والشيوعيين الجدد محلهم خلال الفترة ما بين الحرب العالمية الأولى والثانية، وقد تعاظمت هذه السياسة إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية التي لم يكن للمسلمين فيها ناقة أو جمل؛ حيث بدأت حملات الإبادة المباشرة للمسلمين في المجتمعات التي تقطنها أقليات مسلمة، أو تلك التي ترضخ لغير الاستعمار الصليبي أو اليهودي أو الشيوعي.
فقد قام ستالين بحصار شبه جزيرة القرم، بعد أن طالب المسلمون بمنحهم الاستقلال تنفيذًا للوعد الذي قطعه ستالين على نفسه في حالة مشاركتهم له ضد العدوان النازي، إلا أنه حنث في وعده وحاصر شبه جزيرة القرم شهورًا عديدة؛ ما أدى إلى وفاة نحو ثلاثة أرباع المليون من المسلمين، أغلبهم من الشيوخ والنساء والأطفال، ونصب الجنرال الصربي ميخائيلوفيتش مذبحة للمسلمين في كرواتيا بناء على تعليمات الماريشال تيتو، وكان المسلمون وقتها يشكلون غالبية السكان في كرواتيا قبل تهجير النصارى والشيوعيين إليها، وقتل في هذه المذبحة نحو مليون مسلم، وألقيت جثثهم في نهر درينا؛ حيث أمكن انتشال نحو مائة ألف جثة لدفنها، كما قام الشيوعيون في كل من بلغاريا وألبانيا بإعدام عشرات الآلاف من المسلمين، وانقض صرب اليونان على مفتي المسلمين وأعدموه هو وأهله في أحد ميادين أثينا.
وخلال نفس الفترة تمكن اليهود من إحكام قبضتهم على فلسطين بعد سلسلة من الحروب والمذابح والتنكيل ضد سكانها المسلمين، وسار على نفس النهج نصارى فرنسا ضد مسلمي الجزائر، وهولندا ضد مسلمي إندونيسيا، والحبشة ضد السكان المسلمين في إرتريا، وسبقهم إلى ذلك- فاشيت إيطاليا ضد مسلمي ليبيا، ولحقهم في نفس السياسة عباد البقر في الهند ضد مسلمي كشمير، وقام ماوتسي تونج بعد قيام الحكومة الشيوعية في الصين عام 1949م بإعدام ثمانين ألف مسلم من مسلمي تركستان الشرقية (حاليًّا إقليم سبانج) على رأسهم الزعيم عثمان آتور، وذلك في الميدان الأحمر ببكين عام 1951م.
وخلال الخمسينيات قرر الحلفاء سياسة أخرى، هي سياسة استئصال جذور الإسلام من منابع الإسلام، أسوة بما فعله كمال أتاتورك في تركيا من حصار للإسلام، وإلغاء الأذان، وإقامة دولة علمانية على أنقاض دولة الخلافة الإسلامية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، فقاموا بتنصيب بعض أعوانهم أو تمكينهم من حكم البلاد الإسلامية المحتلة قبل الجلاء عنها، وأوعزوا لعملائهم أن يبدءوا حملات التصفية للمفكرين والمشرعين الإسلاميين بعد حل المنظمات الإسلامية التي تنشر الإسلام أو تدعو إليه، وأن يعملوا على إحلال القوانين الوضعية محل التشريعات الإسلامية، وأن يبذلوا ما في وسعهم من أجل فصل الدين عن الدولة، وعلى إثر ذلك قام جمال عبد الناصر بعد تمكينه من الانفراد بحكم مصر بمعرفة رجال المخابرات الأمريكية (انظر لعبة الأمم لمايلز كوبلاتد) قام بإعدام زعماء الإخوان وفقهائهم عام 1954م، وألقى بعشرات الآلاف من الإخوان في السجون، وحل منظماتهم وجمعياتهم، وصادر أموالهم، ثم اتجه إلى الأزهر لتخريبه تحت دعوى التطوير، ونادى بفكرة القومية العربية كبديل عن الخلافة الإسلامية، وأصدر الميثاق كدستور للدولة العلمانية الاشتراكية.
وسار شاه إيران على نهج عبد الناصر في حربه ضد الإسلام، وقام بإعدام نواب صفوى وزملائه من أعضاء جماعة الإخوان عام 1956م، وعلى الرغم من الخلاف العقائدي الذي طرأ على سياسة عبد الناصر فيما بعد بالنسبة لشاه إيران وتحوله الكامل نحو الشيوعية- إلا أن الاثنين اتفقا على محاصرة الدعوة الإسلامية وتصفية رموزها، فكرر عبد الناصر في عام 1965م إعدام رموز الإخوان وعلى رأسهم الشهيد سيد قطب، واعتقل الآلاف منهم؛ حيث تعرضوا إلى أقسى أنواع التعذيب، ولم يخرجوا من السجون إلا أعوام 1971- 1973 بعد انتهاء عهد عبد الناصر، أما شاه إيران فقد اتخذ العلمانية شعارًا لدولته بعد تتويجه عام 1967م، وقام بعزل الدين عن كل المعاملات في الدولة، وشجع على نشر الفساد، وأحكم قبضته على الشعب من خلال جهاز السافاك- حتى شاء الله أن يسقط سقوطًا مزريًا، وأن يتمكن المسلمون من إقامة دولتهم بإيران.
وبعد إعدام الإخوان وحل منظماتهم في كل من مصر وإيران أعوام 1954- 1956م، قام الفرنسيون بتسليم تونس إلى عميلهم "بورقييه" عام 1957م؛ حيث كان أول حاكم لدولة عربية يعلن كفره البواح، واستنكاره لقوانين الميراث الإسلامية، وتأييده للصلح مع إسرائيل، تلى ذلك قيام الفريق عبود قائد جيش السودان بأول انقلاب عسكري عام 1958م ضد الحكومة المنتخبة بعد استقلال السودان عن مصر، واتبع سبيل عبد الناصر في تطبيق القوانين الاشتراكية، وتقييد النشاط الإسلامي، وحل المنظمات والمؤسسات والجمعيات الإسلامية، واعتقال رموز الحركة الإسلامية من المهديين والميرغنية والإخوان، وخضعت سوريا لنفس نظام عبد الناصر وسياسته خلال عهد الوحدة؛ حيث تم القبض على رجال الإخوان بقيادة مصطفى السباعي، ولم يفرج عنهم إلا بعد الانفصال عن مصر.
وخلال الفترة من بين عامي 1962 و 1968م تولى الشيوعيون زمام أمر كل من الصومال والجزائر والعراق واليمن الجنوبي؛ حيث قاد بومدين انقلابًا ضد زعماء الثورة الجزائرية (بن بيلا ورفاقه)، واتخذ الشيوعية نظامًا لحكمه، وقام بتصفية النشاط الإسلامي، واعتقال وتشريد الدعاة المسلمين الذين كانوا يمثلون أعمدة الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، ولم يخرج الإسلاميون وعلى رأسهم محفوظ نحناح من السجون إلا في عهد الشاذلي بن جديد، وفعل الجنرال زياد بري الذي تولى أمر الصومال- ما هو أعتى فسادًا وأشد منكرًا؛ حيث جمع علماء المسلمين وخطباء المساجد وحرقهم في أحد ميادين مقديشيو، أما العراق فقد تولى أمره أحمد حسن البكر بعد سلسلة من المؤامرات والاغتيالات انتهت بمصرع عبد الرحمن عارف، وقاد حسن البكر حملة موسعة لبلشفة العراق وتصفية الإسلام خلال عهده كنائب لرئيس الجمهورية ثم رئيسًا للجمهورية فيما بين عامي 1963 و 1968م، وعاونه في ذلك تلميذه النجيب صدام حسين الذي سرعان ما انقلب على أستاذه، واستولى على حكم العراق خلسة ليستكمل ما بدأه البكر، وأيضًا قبض الشيوعيون على زمام الحكم في اليمن الجنوبي خلال الاستقلال عام 1967م واستهلوا حكمهم بإقصاء أو اعتقال أو قتل زعماء الثورة ضد الاحتلال الإنجليزي، واستمر مخطط تصفية النشاط الإسلامي في كل من السودان وليبيا وسوريا خلال الفترة ما بين عام 1968 و عام 1971م؛ حيث قفز إلى السلطة في هذه البلاد قواد الجيوش أو كبار ضباطهم أو بعضهم منهم النميري في السودان، والقذافي في ليبيا، والأسد في سوريا.
وأعاد النميري أوضاع السودان إلى ما كانت عليه خلال عهد الفريق عبود، واعتقل مرة أخرى زعماء الإخوان والعشائر والقبائل، ونصب للمهديين مذبحة بجزيرة أبا، وقام بتهجير الفلاشا إلى إسرائيل، وشجع على انفصال جنوب السودان؛ حيث تركه دون دفاع أو تنمية، ثم عدل سياسته إلى سياسة تعليق الكرباج أسوة بما فعله أنور السادات في مصر بعد وفاة جمال عبد الناصر، وكان السادات يغرض بهذه السياسة إعداد مصر لخوض حرب أكتوبر 1973م إلا أنه سرعان ما تحول إلى النظام الليبرالي، وخضع لما تمليه عليه الولايات المتحدة، فقام بزيارة إسرائيل، وأبرم اتفاقية الصلح المعروفة باسم اتفاقية كامب ديفيد، واستكمل بقية فترة ولايته في معارك سياسية مع الدول العربية التي رفضت الاتفاقية، وتحالف مع شاه إيران ضد الثورة الإسلامية، واتخذ من الصهاينة أصدقاء له، وكان أول من أجرى تطبيعًا للعلاقات مع إسرائيل، وطرد الفلسطينيون من مصر، وأوقف إذاعتهم الصادرة من القاهرة، وبعد أن استقر له الحكم عاد مرة أخرى لسياسة الكرباج وحرب الإسلام، فألقى بزعماء الإخوان والجماعات الإسلامية في السجون، وسخر من حجاب المرأة، وأصدر قرارات سبتمبر المشئومة وأهمها قرار حل ومصادرة أموال الإخوان المسلمين وجميع الجمعيات والجماعات الإسلامية.
وخلال فترة ولاية السادات، انغمست كل من ليبيا وسوريا والعراق في علاقاتها مع دول الكتلة الشيوعية كرد فعل للتحول الإيدلوجي للرئيس المصري، ففي ليبيا امتلأت الشوارع بالجنود الكوبيين والخبراء السوفيت، وقاد القذافي حملة ضد الإسلاميين، وأوعز إلى اللجان الشعبية أن يحرقوا كتب التراث الإسلامية، وبدء في تحريف الآيات القرآنية، واستحدث دستورًا جديدًا يقوم على مبادئ الكتاب الأخضر الذي أصبح مصدرًا للفتوى والتشريع بديلاً عن القرآن الكريم في ليبيا.
أما في سوريا فقد قام الأسد بهدم مدينة حماة على رءوس الإسلاميين، واعتبر كل من ينتمي إلى جماعة الإخوان خائنًا للدولة يجب قتله، وفي العراق قام صدام حسين بتصفية الإخوان أولاً ثم اتجه إلى الأكراد من أهل السنة؛ حيث استخدم في تصفيتهم الغازات السامة لأول مرة في التاريخ، ثم تحول بعد ذلك لمحاربة النظام الإسلامي في إيران تحت رعاية الولايات المتحدة، ثم استدار صوب الكويت فأعمل فيها القتل والأسر والحرق والاغتصاب، وبعد أن استكمل دوره لم يعد لبقائه ضرورة، فأعدت الولايات المتحدة العدة للتخلص منه، كما تخلصت من أنور السادات.
ولم تكتف الدول الكبرى بتعطيل الدعوة الإسلامية، وتصفية رموزها في الدول العربية، وإنما عملت على إشاعة الفرقة بين الدول العربية، وحرضت بعضها ضد بعض، وشجعت انفصال بعضها عن بعض، بينما تولت الدول الكبرى مسئولية حصار المد الإسلامي في كلٍّ من آسيا وأوروبا، فأوعز الاتحاد السوفيتي السابق لجمال عبد الناصر أن يقوم بتدعيم حكومة الثورة اليمنية ضد الإمام أحمد، وتطورت المعارك إلى قتال ضارٍ بين القوات المصرية والسعودية- الأمر الذي أدى إلى استنزاف الجزء الأكبر من القوى العسكرية والاقتصادية المصرية، وهو ما ترتب عنه في النهاية هزيمة الجيش المصري في معارك يونيو 1967م، واحتلال إسرائيل لسيناء والضفة الغربية وجولان وجنوب لبنان.
وانفصلت البنجلاديش عن باكستان بعد معارك ضارية اشترك الهنود في تزكيتها وتدعيمها لمصلحة الانفصال، وسارعت الدول العظمى بالاعتراف بالبنجلاديش فور الانفصال، واندلعت حرب الحدود بين الجزائر والمغرب، ووقفت مصر بجانب الجزائر ضد المغرب في عهد عبد الناصر، ومع المغرب ضد الجزائر في عهد السادات، بينما قام الاتحاد السوفيتي بتدعيم الحكومة الشيوعية في أفغانستان ضد الملك ظاهر شاه، وقام الملك حسين بسحل مئات الفلسطينيين في مذبحة أيلول الأسود، وطردهم من الأردن، واشتبك سكان الصحراء الغربية (البوليساريو) مع القوات المغربية بعد انسحاب أسبانيا، وعاونت الجزائر البوليساريو، بينما انضمت موريتانيا إلى المغرب.
وقام الجيش المصري باحتلال بلدة مساعد الليبية، وأغارت الطائرات الحربية المصرية على المطارات الليبية خلال عهد السادات، وقاتل السودانيون إلى جانب جنوب تشاد ضد ليبيا وشمال تشاد، واشتعلت الحرب الأهلية بلبنان حيث قاتل السوريون مرة إلى جانب النصارى، ومرة إلى جانب المسلمين، وثالثة ضد الفلسطينيين، وتطورت الحرب في أفغانستان إلى معارك بين القوات السوفيتية والثوار المسلمين الذين كبدوا الاتحاد السوفيتي خسائر فادحة حتى اضطر الاتحاد السوفيتي إلى الانسحاب من أفغانستان، وقامت القوات الفلبينية بعدة مذابح ضد السكان المسلمين بجنوب الفلبين، ودارت أكبر حرب بين المسلمين في القرن العشرين، حين أغرت الولايات المتحدة العراق بإيران، ثم عملت على مد الدولتين بالسلاح بطريق غير مباشر حتى تضمن استمرار المعارك أكبر فترة ممكنة لاستنزاف موارد البلدين.
وانهار الصومال وتفسخ إلى عدة مقاطعات بسبب سياسة زياد بري الذي سقط سقوط مذريًا وفرَّ خارج الصومال، واستولى الملحدون على الحكم في إرتيريا، وتطورت المعارك في جنوب السودان تحت رعاية الولايات المتحدة توطئة لفصل الجنوب عن الشمال، وإقامة دولة مسيحية بالجنوب، واشتركت كافة الدول الكبرى تحت راية الأمم المتحدة في حصار المد الإسلامي بالبوسنة والهرسك وكرواتيا، فأفسحت المجال أمام الصرب لاحتلال معظم أراضي المسلمين وأمدتهم بالعون المادي والعسكري، وحرمت المسلمين من كل أسباب الدفاع- الأمر الذي أدى إلى استشهاد ما يقرب من نصف مليون مسلم في هذه الحرب، ولم تتحرك أمريكا وحلفائها إلا بعد انتهاء المذابح.
وخلال الوقت ذاته قامت الحكومة العسكرية بنيبال بقتال وطرد المسلمين من السكان خارج البلاد، وقام الهندوس بهدم مساجد المسلمين في الهند، وحصارهم داخل المساجد في كشمير، وانفجرت حرب العراق ضد الكويت، وانضم السودان واليمن والأردن والحكومة الفلسطينية إلى جانب العراق، بينما وقفت السعودية ودول الخليج ومصر وسوريا إلى جانب الكويت، وشاركت كل هذه الدول العربية أمريكا في الحرب ضد العراق تحت رعاية الأمم المتحدة؛ ما أدى إلى تحطيم العراق تمامًا وإعادتها إلى ما كانت عليه بعد هجوم التتار الكاسح في القرن الثاني عشر، وبانتهاء هذه الحرب تفسخت الدول العربية إلى الحد الذي مكن إسرائيل من إبرام اتفاق ثنائي بينها وبين كل من فلسطين والأردن تحت رعاية حكومة مبارك والولايات المتحدة، وسقطت المقاطعة العربية، واعترفت معظم حكومات الدول الإسلامية بإسرائيل، وتمكنت إسرائيل من اقتحام الأسواق العربية، وأبرمت عدة اتفاقيات اقتصادية مع مصر والأردن وتونس والمغرب وبعض دول الخليج، علاوة على الاتفاقيات العسكرية الثنائية بينها وبين كل من تركيا والأردن وإرتيريا، واندلعت حرب الشيشان تحت الإشراف المباشر للرئيس الروسي الجديد يلسين، وفيها حصدت أرواح عشرات الآلاف من المسلمين الشيشان وهم يقاتلون ثاني أكبر قوة في العالم.
ثم بدأت المؤامرة الكبرى للولايات المتحدة تحت علم الأمم المتحدة في احتلال أفغانستان عام 2001م بعد أن قويت شوكة حكومة طالبان تحت دعوى تشجيعها على الإرهاب بعد افتعالها وتدبيرها لحادث مبنى التجارة الدولية في سبتمبر من نفس العام في نيويورك، تلا ذلك احتلال العراق كاملاً عام 2003م بعد عصيان صدام حسين للإملاءات الأمريكية وخروجه عن الحدود المرسومة له بإعلانه الاستعداد لضرب إسرائيل بالصواريخ، فقامت بتحطيم قوات العراق العسكرية، وبثت الفتنة بين سكان العراق من الشيعة وأهل السنة، ونهبت أموال العراق وثرواته البترولية وأثاره التاريخية، وهي الآن تستعد لمغادرة العراق بعد أن تركته مشتعلاً في حرب أهلية ما زالت إلى الآن تحصد أرواح العراقيين يوميًّا بغرض تقسيم العراق لثلاث دويلات كردية وشيعية وسنية بديلا عن دولة العراق.
واستمرارًا لسياسة العداء ضد الإسلام ومن يدعو إلى إحيائه أو مقاومة إسرائيل- قامت إسرائيل بتشجيع من الحكومتين الأمريكية والفرنسية في إطار ما يسمى بالشرق الأوسط الجديد بشنِّ حرب ضد لبنان صيف عام 2006م بقصد تصفية حزب الله الإسلامي، إلا أن الله عزَّ وجلَّ خيب رجاءهم ونصر حزب الله على الرغم من الخسائر الباهظة التي تكلفها لبنان، فاتجهوا إلى بثِّ الفرقة بين اللبنانيين وتحريض أهل السنة ضد حزب الله بدعوى مسئولية حزب الله عن قتل رفيق الحريري، وهم يعدون حاليًّا الساحة اللبنانية لحرب أهلية جديدة، ثم قامت إسرائيل تحت بصر وسمع العالم بحرب غير متكافئة ضد أهل غزة العزل بغية القضاء على حكومة حماس الإسلامية بعد حصار طويل اشتركت فيه مصر بقيادة الرئيس السابق مبارك- إلا أن الله نصر حماس وثبت أقدامهم وخيب رجاء المعتدين.
ومع استمرار عملية التغيير الديموجرافي الكبيرة في فلسطين مع سياسة التهجير المتلاحقة والإحلال للشعب الفلسطيني، تأتي مؤامرة فصل جنوب السودان عن دولة السودان لاستكمال مشروع الشرق الأوسط الجديد، وإحكام حلقاته بعد إعلان البشير عن تطبيقه للأحكام الإسلامية في السودان، فاستفتاء تقسيم السودان يرسم الخريطة الجديدة للمنطقة ويدعم الإستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية نحوها، ويؤكد ذلك كتاب لمركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط تحت عنوان إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان للضابط المتقاعد ووثيق الصلة بالموساد موشي قرحي، والذي يشرح الدور الذي قامت به إسرائيل من أجل انفصال الجنوب عن السودان، ومساندة الحركة الشعبية على صعيد الإمداد بالسلاح والخبراء والمال، وحشد التأييد الدبلوماسي والسياسي الدولي للانفصال؛ بهدف إضعاف العالم العربي ومحاصرة مصر، وما زال نفس السيناريو تعده إسرائيل وأمريكا لانفصال دارفور عن السودان، ويجري حاليًّا تحريض دول الخليج ضد النظام الإسلامي في إيران، وما زالت الحرب في أفغانستان مستمرة ضد طالبان، وما زالت الفتنة في باكستان ضد الإسلاميين على الرغم من تغيير الحكومة العسكرية بحكومة مدنية، ولم ينسحب الجيش الإسرائيلي بعد من الجولان أو بقية مدن الضفة الغربية بما في ذلك القدس، وليس لديه نية بالانسحاب إلى حدود يونيو 1967م.
أما في مصر، فقد عاد الشيوعيون القدامى بعد أن استدعاهم حسني مبارك وبتأييد منه وتحت رعايته- عادوا في ثوب جديد يمارسون دورهم العتيد في محاربة الإسلام، وتأجيج نار العداء ضد الإخوان المسلمين، فانقضوا على كل منابر الثقافة والإعلام والتعليم، بعد أن غيروا قبلتهم إلى واشنطن بدلاً من موسكو، وتخلوا عن مساندة العمال والفلاحين، واتجهوا يعانقون الإمبريالية والإقطاع، وينادون مع أقرانهم من الليبراليين بدولة علمانية لا مكان فيها للدين، وهم يقصدون سلخ الأمة العربية من تاريخها، وتسخير شعوب المنطقة لخدمة أهداف الصهيونية العالمية.
ثم أخزاهم الله أخيرًا بالسقوط المدوي لنظام مبارك الفاسد، وانتصار ثورة الشعب المصري، فإذا بهم يتحولون بأسرع من البرق لتأييد الثورة عندما تأكد لهم انتصار الشعب، ويهاجمون الفساد الرأسمالي وتزاوج السلطة بالثروة بعد أن شبعت بطونهم، وتوقفوا عن مهاجمة الإخوان شهرًا واحدًا، حتى انقلبوا على وجوههم مرة أخرى يسبون الإخوان وكل الجماعات الإسلامية عندما شعروا أن الإسلام قادم في مصر بإرادة شعبية كاسحة، ولا عجب من تصرف هؤلاء، فمن لا دين له لا أمان له، في قلوبهم مرض، فزادهم الله مرضًا، يعيشون في كل الجحور، ويأكلون على كل الموائد، ويرددون إلى آخر الزمان هتافهم مع إبليس:
تبديل الإيدولوجية لا يُغَير لنا نية
فالإسلام عدونا والإخوان شر وبلية
ألم يأن لهولاء أن يعلموا أن الدعوة إلى الإسلام فريضة شرعية، وأن التجمع حول الدين هو أمر فطري، وأن المناداة بدولة مرجعيتها الشريعة الإسلامية هو مطلب دستوري، وحشد الرأي العام للحصول على الغالبية المنشودة لإحداث التغيير السلمي في نظام الحكم هو هدف مشروع يتفق مع أغراض الديمقراطية، وأن الإخوان في ذلك مثلهم مثل أي جماعة أو حزب أو فئة أو مجموعة من الأفراد الذين يؤمنون بفكر ما، ويسعون في إطار السلم إلى تطبيقه أو وضعه موضع التنفيذ، ومن ثم جاز لهم تنظيم صفوفهم، وترتيب مراحل دعوتهم، واستخدام كافة وسائل الإعلام ونشر فكرتهم وعرض منهجهم.
ألم يأن لهؤلاء أن يتوقفوا عن الادعاء بأن الإخوان يضمرون شيئًا مختلفًا عما يبدون، فهم يستخدمون نفس السلاح الذي يستنكرونه على أعضاء جماعات التكفير، فليس من العدل أو المنطق أن نطالب هذه الجماعات بأن يحترموا ظاهر الإنسان، وأن يتركوا لله السرائر- ثم نتهم الإخوان بأنهم يظهرون ما لا يبطنون، كما أن المدعين لم يروا حكمًا للإخوان من قبل، حتى يحسنوا الحكم أو يصيبوا الظن من واقع التجربة، لذا فإن دعواهم تكون مجرد مهاترات وافتراءات، واتهامهم للإخوان يصبح بمثابة قذف في حقِّ أفرادها.
إن كل المحاولات لإزاحة الإخوان المسلمين من الساحة السياسية سوف تبوء بالفشل، فالإخوان ليسوا ضعفاء كما يدعي أعداؤهم، وإنما يضمون خيرة شباب هذه الأمة من كل ذي صفة أو خاصة أو مهنة، وهم أقوى مما يتخيلون- إلا أنهم لا يرون القوة في العدد، أو في السلاح، وإنما تكمن عناصر القوة في القدرة على التحمل، والصمود، وضبط النفس، وهي العناصر اللازمة لاستمرار الدعوة وانتقالها عبر الأجيال، فليتقوا غضبة الشعب المصري الذي أفقده مبارك وبطانته كل شيء من متاع الدنيا، ولم يعد يملك سوى دينه الذي هو عصمة أمره، فلنتمسك بالدين، فهو قارب النجاة الوحيد لنهضة هذه الأمة وحمايتها بعد أن أورثها نظام مبارك الفقر والجهل والمرض.

نقلا عن إخوان أون لاين