مشاهدة النسخة كاملة : البطالة أخطر نتائج الأوضاع العربية (د . لويس حبيقة)


nktt
04-28-2012, 06:59 AM
البطالة أخطر نتائج الأوضاع العربية

د . لويس حبيقة

التغيرات حاصلة في العالم العربي وستنتج واقعا يتحسن مع الوقت . كان من الأفضل أن يحصل التغيير دون عنف بل نتيجة تطورات المجتمع والإنسان والثقافة، إلا أن الواقع مر والتكلفة مرتفعة، وكان لا بد للناس من أن ينزلوا إلى الشوارع والساحات للمطالبة بالحقوق والحريات بعد عقود من حالات الطوارئ وظلم الأحزاب الحاكمة الواحدة والانتخابات المزورة والقمع المباشر، إلا أن النتائج لم تصبح ايجابية بعد، ولا ترضي المواطنين الذين يطمحون إلى الأفضل . ما معايير النجاح؟ التنمية والنمو وتضييق فجوة الدخل والثروة، وأهمها قطعاً بطالة الأجيال الصاعدة المرتبطة بالعوامل الأخرى التي ما زالت مرتفعة بكل المعايير . هنالك إحصاءات تشير إلى أن البطالة لا تنخفض بسرعة حتى عندما يعود النمو إلى الارتفاع بسبب تريث الشركات في التوظيف ورغبتها في التأكد من أن الركود أصبح وراءها . محاربة البطالة لا تقتصر على الاقتصاد الرسمي وإنما تشمل نقل العاملين في اقتصادات الظل إلى الرسمي بحيث يعملون علناً وبشروط انسانية ومادية أفضل إضافة إلى دفعهم الضرائب .
بطالة الشباب مهمة جداً لاسيما للفقراء والأقليات ولغير المتعلمين . في سنة 2009 بلغت بطالة الشباب حدودا لم تعرف في السابق إذ وصلت إلى 22% في بلجيكا، 23% في فرنسا، 25% في إيطاليا، 19% في بريطانيا ومعدل 21% في الدول الغربية . النسب مرتفعة وعقود العمل قصيرة الأمد ما يسبب قلقا عند الشباب . إذا قارنا نسبة البطالة عند الشباب (أي ما دون ال 24 سنة من العمر) مع نسبتها عند الذين يبلغون 25 سنة وما فوق، نرى أنها بلغت 3 أضعاف معدلاً للدول الصناعية في سنة 2009 وهذا في غاية الخطورة من نواحي الاستقرار والاجتماع كما التوازن الديمغرافي . من محاولات الحلول لبطالة الشباب، أقرت الحكومة الفرنسية مراسيم تهدف إلى تخفيف بطالة من هم دون ال 22 سنة من العمر وتركوا المدرسة قبل الشهادة الثانوية، لذا أعطيت الشركات التي وظفتهم مع عقود دائمة مساعدات مشجعة سخية .
حصلت الانتفاضات العربية في ظروف تعثر اقتصادي دولي بعد الأزمة المالية المستمرة . في مجموعة دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية oecd التي تضم الدول الصناعية، ارتفع معدل البطالة من 5 .6% في الربع الأول من سنة 2008 إلى 7 .6% بعد سنة وإلى 8 .7% في الربع الأول من سنة 2010 . انخفضت البطالة إلى 8 .5% في بداية السنة الماضية لكن الاتجاه ليس انحدارا اليوم بالضرورة نتيجة النمو المتعثر في أكثرية الدول الغربية . هنالك إحصاءات تشير إلى أن انخفاض الناتج بنسبة 1%، يرفع البطالة بنسبة 0 .3% في دول المنظمة . لا تعكس هذه المعدلات واقع كل دولة، إذ تختلف في ما بينها تبعا للقوانين وسهولة القيام بالأعمال والفساد والتنافسية العامة الناتجة من البيئة .
بينما كان الركود أقسى في ألمانيا مقارنة بالولايات المتحدة، ارتفعت البطالة بنسبة أقل . في فترة السنة الممتدة من الربع الأول في سنة 2008 إلى الربع الأول من سنة ،2009 انخفض الناتج الحقيقي بنسبة 6 .6% في ألمانيا و 4 .4% في الولايات المتحدة . ماذا حل بالبطالة؟ ارتفعت نصف نقطة في ألمانيا وتضاعفت مرتين في الولايات المتحدة فوصلت إلى 10% . ما الأسباب عموماً وفي ألمانيا خصوصاً؟ هل هنالك دروس لنا في العالم العربي من نواحي القوانين والمؤسسات والممارسة؟
أولاً: في القوانين الضامنة لحقوق العمال عند البطالة، أي أن تبقى هنالك منافع تختلف من دولة إلى أخرى . المنافع مهمة إذ يتعرض العاطل من العمل ليس للحرمان المادي فقط وإنما إلى الأمراض الخطرة المرتبطة بالقلب والنفس وربما العقل أحياناً . لا يمكن ترك العاطل من العمل يواجه المخاطر الكبيرة الناتجة من ضغط الحاجات المادية والعلاقات الاجتماعية . لا شك أن المنافع الأوروبية أفضل من الأمريكية، بالرغم من أن أمريكا ضاعفت تغطيتها أربع مرات بعد أزمة 2008 أي من 26 أسبوعاً إلى 99 حفاظاً على السلم الأهلي . هنالك من يقول إن ارتفاع التغطية عند البطالة يرفع مؤشرها، اذ يتقاعس عندها المواطن في البحث الجدي عن فرصة تعيده أو تدخله إلى عالم العمل والإنتاج . المهم أيضا وضع قوانين تمنع الطرد التعسفي الذي تقوم به بعض الشركات مستغلة الأوضاع العامة الصعبة . تمنع الشركات بطريقة غير مباشرة، أي بفرض عقوبات مرتفعة عليها تقررها المحاكم المتخصصة .
ثانياً: في المؤسسات حيث تهتم الدولة بتسهيل التلاقي بين العرض والطلب . في لبنان مثلاً، هنالك مؤسسة عامة هي “المؤسسة الوطنية للاستخدام” تهدف إلى ربط العمال بأرباب العمل، لكنها غير فاعلة وتحتاج إلى الموارد البشرية والمادية كي تؤدي دورها في هذه الظروف التي تندر فيها فرص العمل الجيدة والكافية . من أصعب التحديات التي تواجه شباب وشابات اليوم إيجاد فرصة عمل، إذ إن الآلية غائبة والمعلومات غير متوافرة .
ثالثاً: ترتبط مرونة سوق العمل بدرجة سهولة التوظيف كما الطرد . فالتشدد بالمعاملات والإجراءات يحمي العاملين لكنه يسيء إلى الداخلين إليها ويجعل الشركات تفكر مراراً قبل أن تقوم بأي عملية توظيف . ليس المطلوب إلغاء الإجراءات وإنما تسهيلها لمصلحة الموظف والعامل كما الشركة . في الظروف الصعبة، المطلوب حماية العامل عبر ابقائه قدر الإمكان في شركته وعبر تأمين المنافع اذا اضطرت الشركة قسرا إلى الطرد .
رابعاً: تصرف الشركات مهم جداً، اذ إن الممارسة والأخلاق يؤثران في معدلات البطالة . في ألمانيا مثلاً وفي الظروف الصعبة لا تطرد الشركات عمالها، بل تخفض ساعات العمل كما الأجور بالنسبة نفسها ما يسمح لها بالاستمرار وتخفيض تكلفتها . هذا مهم جدا ليس لطرفي الإنتاج فقط وإنما يمكن الشركة من الحفاظ على عمالها وعدم الاستغناء عن خبراتهم . هذا التضامن الإنتاجي الاجتماعي مهم وقوي وتظهر حسناته في ظروف التعثر الاقتصادي العام . لا شك أن الاقتصاد الألماني يبقى في طليعة الاقتصادات من ناحية الإنتاجية والسلامة المالية .
خامساً: لا يمكن تخفيض نسبة البطالة إلى الصفر حتى في ظروف الازدهار . تسعى كل دولة إلى الوصول إلى نسبة البطالة التي تترافق مع نسب تضخم منخفضة أو مستقرة . في كل اقتصاد هنالك نسبة بطالة طبيعية تعكس أوضاعه القانونية والثقافية والتاريخية، ولا يمكن تخفيضها دون إحداث تضخم قوي مضر بالأجور وأصحاب الدخل المتوسط وما دون .
أما مكافحة العمل غير الشرعي بنقل من يعمل به إلى الاقتصاد الرسمي، فتواجهها صعوبات كبرى مرتبطة بالعامل نفسه في الكفاءة والجنسية كما بالشركة نفسها . يحصل العمل غير الشرعي في المنازل كالخدم وفي المهن التقنية المرتبطة بالانشاء والصناعة كما الزراعة، حيث لا يتوافر لها عمال محليون . في ظروف بطالة مرتفعة، تتردد الدول في محاربة الاقتصاد غير الرسمي بسبب تأثيره في البطالة كما في تكلفة الإنتاج . فالعمال غير الرسميين ليسوا أجانب فقط، وإنما أيضاً محليون يتهربون من دفع الضرائب ويوفرون على أرباب العمل رسوم الضمانات الاجتماعية والصحية . تصل نسب العمالة غير الرسمية من مجموع القوة العاملة المسجلة إلى حدود 46% في آسيا (بينها 50% في الهند، 65% في اليمن و 60% في باكستان) وإلى حدود 50% في أمريكا اللاتينية (بينها 49% في البرازيل، 40% في التشيلي و 54% في كولومبيا) . ارتفعت هذه النسب أخيراً بسبب زيادة الثقل الضرائبي على الدخل ورفع رسوم الضمانات الاجتماعية كما بسبب تقصير الدول في الرقابة إضافة إلى الفساد المغذي للنشاطات غير الرسمية . أخيراً ارتفعت نسب العمالة غير الرسمية للتهرب من إجراءات وقوانين العمل الصارمة والمعقدة في بعض الاقتصادات، لاسيما للعمالة الأجنبية .


عن الخليج