مشاهدة النسخة كاملة : عزيز يهاجم الشعراء لأنه شاعر! (محمد ولد أحمد المختار)


أبوسمية
04-24-2012, 09:25 PM
عزيز يهاجم الشعراء لأنه شاعر! (محمد ولد أحمد المختار)

إنه لمن الغريب حقا أن يقوم رئيس في أي بلد بالهجوم على الشعر أو الشعراء لا سيما رئيسا لبد يلقب "بلد مليون شاعر"، وأنا أطمئن الرئيس الذي يظن هذه الأسطورة حقيقة أنه لو كان في موريتانيا هذا العدد أو ربعه أو سدسه لما استطاع أن يحلم بالرئاسة عبر الانتخاب بله الوصول إليها.. فالشعراء قليل في كل زمان ومكان..
لقد استهان الرئيس الموريتاني بالشعر والشعراء ـ في خطاباته ـ أكثر من مرة، فحينا يقول إن هناك فائضا في الشعراء.. وآونة يقول إن أزمة البطالة متأتية من كثرة أصحاب الشهادات الأدبية، وفي مقابلته الأخيرة توصل إلى أن مأساة موريتانيا هي كونه بلد مليون شاعر!!!
ألم يكف الرئيس الموريتاني من تهميش الشعر والشعراء ما كان جاريا في ظل الأنظمة العسكرية حيث يوجه المتفوقون في الإعدادية إلى التخصصات العلمية دون مراعاة لموهبة أو هواية أو استعداد. ويوجه البلداء والأغبياء ومن زل به ذكاؤه إلى التخصصات الأدبية؟
ألم يكف الرئيس الموريتاني من تهميش الشعراء والمفكرين أنه فتح مدارس للمتفوقين خالصة للعلميين من دون الأدبيين بحجة أنه لا نصيب لهؤلاء في التميز!!!
ألم يكف من تهميش الشعراء أن أغلب الدواوين الموريتانية ما تزال مخطوطة، أو مرقونة، أو محفوظة في قلوب أصحابها.. وفي البلاد الأخرى نجد مئات الدواوين تنشر للمتشاعرين وأصحاب الخواطر!
تلك أمور تجعل الرئيس الموريتاني يشفي غليله من الشعراء، ومن سمعة بلده، وتاريخه دون أن يحتاج إلى مهاجمة الشعراء صراحة كما لم يفعل رئيس من قبل، ولاشك أن من تابعوا تصريحاته سيرجعونها إلى ثقافة الجنرال وتهوره من جهة، وإلى تقصير مستشاريه وعدم أخذهم على لسانه من جهة أخرى. لكنني أعتقد أن لهذه الحرب الغريبة أسبابا أخرى، وأزعم أن هذه الأسباب نفسية ؛ فول عبد العزيز يهاجم الشعراء لأنه شاعر!!!، وحتى لا يغضب الشعراء من وصفه بهذه الصفة، فإني أضيف أو أبين أنه شاعر بالقوة لا بالفعل.. أو شاعر بالمجاز؛ لأنه لو كان متعلما لكان شاعرا، ولكنه لم يكن كذلك للأسف وتلك مأساته..
لقد لاحظت أن ول عبد العزيز يشبه الشعراء في ست صفات، ثلاث منها لا تكاد تفارق الشاعر الحقيقي، وهي: سعة الخيال وحب الذات وحب الظهور.. وثلاث توجد في صنف من الشعراء وصفه القرآن الكريم في سورة الشعراء وسنقف عند كل صفة مبرزين تجليها في شخصية الرئيس الشاعر.
أما سعة الخيال فهي قدرة الشاعر على تجاوز الواقع وصنع واقع متخيل، وهي قدرة لا توجد إلا لدى الشعراء الموهوبين، وبهذه القدرة الخارقة استطاع ول عبد العزيز النجاح في شوط الانتخابات الأول، ذلك بأنه خلال الحملة الانتخابية وظف هذه الموهبة توظيفا جيدا، فصار يتحدث إلى الجماهير بصدق لا يخفى على المتتبع، ولكنه كان يتحدث برؤية شعرية خيالية، والشاعر في هذه الحالة لا يوصف بالكذب لأنه يتحدث عما يراه بعينه الشعرية لا الواقعية، وقد كان ول عبد العزيز صادقا في كل ما يقول.. فهو يحارب الفساد ولكنه يتثمل الفساد ويتخيله ماثلا في معارضيه، وكان يتخيل المفسدين حوله مجموعة من الطيبين المصطفين الأخيار، وبالرؤية الشعرية ذاتها استطاع ول عبد العزيز أن يخيل للفقراء ويتخيل نفسه رئيسا للفقراء، لأنه يرى ببصيرته الشعرية ما لا يراه الناس العاديون، فيتصور الغنى فقرا والفقر غنى..
أما حب الذات فهي من السمات التي غالبا ما يتصف بها الشعراء، ولنا في تاريخ الشعر العربي ما يسوغ اقتران الشعر بحب الذات، ويكفي أن نضرب المتنبي مثلا لذلك، وهو الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس..، و يذهب بعض علماء النفس المعاصرين إلى أن هناك علاقة قوية بين حب الذات والشعر، فيرون أن غلبة العنصر النرجسي تودي إلى الشعر، وحب ول عبد العزيز لذاته أمر معروف لا يحتاج إلى دليل.. ويكفي مثالا عليه أن نذكر القارئ بانقلاب ولد عبد العزيز، فقد كان حب الذات السبب الوحيد وراء الانقلاب؛ لأنه حاول إقناع الرئيس سيدي ول الشيخ عبد الله بالتنازل عن قرار إقالته.. ولما لم يطعه قام بالانقلاب، غير آبه بالدستور ولا بالدمقراطية ولا بمستقبل الدولة، وحين هدده العالم بمحاصرة موريتانيا بدا غير مبال بذلك لأنه يحب لنفسه أكثر مما يحب لوطنه. ولو كان ولد عبد العزيز قارئا أو مثقفا لا استثمر هذه الخاصية في الإصلاح بدل التدمير.
أما السمة الثالثة فهي حب الظهور، ولهذه السمة ارتباط بالسمة السالفة.. ولعل حب الظهور من الأسباب التي دعت ول عبد العزيز إلى الانقلابين اللذين قام بهما.. وهي التي كانت وراء أدائه المسرحي الجميل خلال الحملة الانتخابية.. فمن تابعه على شاشة التلفاز وهو يصول ويجول في حربه الخيالية ضد الفساد، ومن شاهده وهو يلقي شعره المنثور على مسامع الفقراء لن يخالجه شك في أنه شاعر بالفطرة .. فإلقاؤه وحضوره المسرحي شاهدان على أن لديه شيطان شعر يحثه على الظهور والتأثير على الناس.. وربتما تكون هذه السمة وراء زياراته الغريبة التي يقوم بها، فكأني به لا يحب أن تنقضي فترة دون أن يلقى شعره على الناس، ويسمع تصفيقهم، ولو ذهبت في ذلك أموال طائلة.. وجاء في فترة أصبح فيها المتذوقون يطالبونه بالرحيل.
أما الصفات الثلاث الباقية فهي الصفات التي وصف بها القرآن الكريم صنفا من الشعراء في سياق معروف، وهي قوله تعالى: "والشُّعراءُ يَتْبَعُهُمُ الغاوونَ، أَلَمْ تَرَ أنَّهُمْ في كلِّ وادٍ يَهِيمونَ، وَأَنَّهُمْ يَقولونَ ما لا يَفْعلونَ..."
أما الصفة الأولى وهي اتباع الغاوين لولد عبد العزيز فهي سمة يشترك فيها مع الرؤساء العسكريين السابقين، فالغاوون من أصحاب المصالح الذاتية، والذين لا يريدون خيرا في الأرض ولا صلاحا يعززون النظام الفاسد و الحاكم المستبد، ويتخذون سبيل غيه سبيلا وليس معنى ذلك أن كل من اتبعوه كانوا من الغاوين، فهناك كثير من الفقراء تأثروا بصوره الشعرية، وسرابه الذي يحسبه الظمآن ماء. .
أما بالنسبة لهيمانه في كل واد فهو أمر باد، ومن اتبع خطاباته خلال مقابلاته، ومهرجاناته المتعددة يلاحظ ذلك، ويكفي أن نسوقه حديثه عن اللحى وعن الشعراء برهانا.
أما كونه من الذين يقولون ما لا يفعلون، فهو ـ كذلك ـ من السمات المتأصلة في شخصيته، فقد كانت وعوده العرقوبية من الأسباب التي جعلت أصدقاءه ينفضون عنه، بل يتحولون إلى أعداء، سواء تعلق الأمر بأصدقائه الرسميين من المعارضة الذين آنسوا، أو آنس بعضهم من جانب وعوده نارا، فلم يجدوا إلا الرماد.. أو تعلق الأمر بأصدقائه الفقراء الذين وعدهم بالإغناء فزادهم فقرا..
وخلاصة القول أن ول عبد العزيز شاعر بالفطرة أبطأت به ثقافته عن تحقيق الشاعرية، فأسرعت به بندقيته إلي تحقيق أهم خصائصها، فوجد منبرا إعلاميا أرفع من منابر زملائه الشعراء، فأصبح يلقي عليه صوره الشعرية خلال الحملة وبعدها، وبذلك فاق أقرانه في الظهور، وتحقيق الذات، لكن عقدته النفسية وشعوره بالنقص أمام الشعراء ظلا يلاحقانه، فصار يهاجمهم في كل ناد، ويهاجم العلوم الإنسانية، وكأنه يريد أن يقنع الجمهور أنه أفضل من الشعراء أصحاب الثقافة.. وأن الشاعر الميكانيكي الذي ترعرع تحت عجلات السيارات، أفضل من الشاعر الأدبي الذي ترعرع بين بطون الكتب وأفواه الرجال.
وإذا كان الشاعر الميكانيكي اختار أن يكون من الذين هم في كل واد يهيمون.. والذين يقولون ما لا يفعلون، والذين يتبعهم الغاوون. فإن الشاعر الأدبي يريد أن يكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا، وانتصروا من بعد ما ظلموا، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

نقلا عن الأخبار