مشاهدة النسخة كاملة : المصريون.. بين جرح العاطفة والاختيار (أحمد خيري)


أبوسمية
04-23-2012, 08:21 AM
المصريون.. بين جرح العاطفة والاختيار (أحمد خيري)

الشعب المصري بمسلميه ومسيحييه شعبٌ ودودٌ عاطفي بطبيعته، وهو يميل للتدين والتحفظ، إلا أن التدين الذي ينشده هو التدين المعتدل الذي لا تفريط فيه ولا مغالاة، والثقافة الإسلامية هي الثقافة الغالبة بين الثقافات الليبرالية والشيوعية والعلمانية والَّلاتي لا يُنْكر وجودهن.
ولعل أبرز ما يؤيد ذلك ما أفرزته نتائج الانتخابات النزيهة لمجلسي الشعب والشورى من فوزٍ للإسلاميين، والإسلاميون المَعنيون هم الذين يرون أن الثقافة الإسلامية والمشروع الإسلامي الحضاري هما المرجع الذي يصلح عليه أمر البلاد والعباد دون التعرض للعقائد والديانات، وهذه الثقافة تُؤصل حقوق الغير وتُوجب احترامه.
لقد رفض الكثير من المسيحيين ما طُرِح من أفكارٍ ليبرالية تخالف ثقافتهم، فذهبوا لانتخاب من وافقهم في الثقافة دون النظر عن مشاركته الديانة، ورفض المسلمون انتخاب بعض المتشددين الإسلاميين على الرغم من قوة التيار الذي ينتمي إليه هؤلاء المرشحون في دوائرهم الانتخابية، فذهبوا لانتخاب من يُقَدِرون من خارج هذا التيار.
إن لهذا الشعب الوديع الساكن على ضفاف النيل ذكاءً لا يُنكره إلا من هو غافلٌ عن الواقع، ولا يعلم شيئًا عن التاريخ، وفيه قوةٌ كامنة لمن يُحْسِن استغلالها وتوجيهها، نعم قد يغيب عنه كسائر الشعوب أحيانًا الوعي في بعض الأمور، لكنه في أضعف حالاته لا يغيب عنه أبدًا ذكاءٌ طفولي يعرف به المُحِب من المُبْغِض، والعدو من الصديق، والمُخْلِص من المخادع، وهو إما أن يَقوى عزمُه فيلتف حول من يقوده للنصر، وإما أن يخور فيَرْكَن للذي يخذله.
مع بداية إرهاصات الانتخابات الرئاسية لَمَع على الساحة ثلاثة مرشحين إسلاميين أجلاء، هم الدكتور سليم العوا، والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، والأستاذ حازم أبو إسماعيل، لقد جاب هؤلاء الساحات عارضين مشروعهم الإسلامي، والذي لقى صدى وقبولاً واسعًا عند الشعب المصري؛ حيت التناغم مع الثقافة، وبه ما يُنشد من انطلاقٍ وبناءٍ وتغيير.
والحق أن لكل منهم من المؤهلات والفكر والثقافات ما يجعله رجل دولة، ولا يُنْكر ما يتميز به العالم الدكتور سليم العوا من عمقٍ في الفكر، وقوةٍ في البيان، وتسلسلٍ في الأفكار، إلا أنه كان حظ صاحبيه من القبول هو الأكبر، وأخذ كذلك من ينادي: أَخرجوا علينا مرشحًا واحدًا.. أثابكم الله.
ولما كان المصريون يتطلعون نحو مستقبلٍ مشرق، ويرون أن خلاصهم من واقعهم المؤلم يتمثل في التفافهم حول قائدٍ يخلصهم مما يعانون، قوي السريان الوجداني بينهم وبين مرشحيهم هؤلاء، وتوثق الرباط بينهم، وازدادوا تعاطفًا معهم.
ثم جاءت المفاجأه الإخوانية بترشيح المهندس خيرت الشاطر للرئاسة، والجماعة معروفة باكتساحها أية انتخابات ما كانت نزيهة، والأدهى أن المُرشح المختار رجل شديد التميز، فهو رجل الجماعة القوي وفارسها، فلديه الملكات القيادية والخبرات الإدارية والتنظيمية، وهو الحاصل على سبع مؤهلات علمية، وهو رجل صناعةٍ ومالٍ واقتصاد، وهو رجل يعمل في صمتٍ حتى بين جدران السجون، ولا يعبأ كثيرًا بالإعلام.
هكذا اجتمعت قوة الجماعة مع قوة مرشحها، فتلقى المصريون عفويًّا نبأ ترشيح الشاطر على أنه الفائز في الانتخابات، وجَرَح ذلك العاطفة المعقودة الصلة مع المرشحين السابقين، وكان لجزءٍ من أعضاء الجماعة نفسها خاصةً الشباب منهم حظًّا من ذلك الجرح؛ حيث إنهم جميعًا من صلب المصريين؛ لذا تعالت الهتافات هنا وهناك: لماذا الآن؟ وما الفرق بين الشاطر وأبو الفتوح؟ أو بين الشاطر وحازم؟ ولماذا لا يكون الدعم لأحدهم عِوَضًا عن البديل؟ وغيرها من الانتقادات التي قد تبدو منها مُحِقة.
حين يُجرح المرء في عاطفته تغيب عنه العقلانية حتى يفيق؛ لقد نظر جانبٌ من المصريين للإخوان كما ينظر الأبناء للغازي عليهم الذي يريد أن يستبدل أبيهم برجلٍ آخر حتى ولو كان أصلح؛ فلم يتعامل هؤلاء مع الأمر بالروية المطلوبة، فمن الممكن أن يُقال: إن لكل جهةٍ أن ترشح مَن تشاء في أي وقتٍ تشاء، ويبقى علينا كمصريين المُفاضلة وحق الاختيار، ونحن أصحاب القرار، وإذا كانت الأيام حبْلى بالأخبار- كما يقول الإخوان- التي تبرر ما فعلوا، فلننتظر وسنرى من تكون له الحجة والبيان.
وفي سياق الحديث عن الرئيس المنتخب يَبْدُر للذهن أن صحابة رسول الله اجتمعوا يوم وفاته لاختيار حاكم يخلفه من بعده، دون تلكؤٍ أو انتظارٍ على عِظَم مُصابهم في وفاته صلى الله عليه وسلم، فلا بد من تنظيم الدولة التي يُحيط بها الأعداء من كل مكان، فكان ذلك غاية الوعي.
ويحضر للمَشهد أيضًا أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه حين حضرته الوفاة اختار ستة من كبار الصحابة، وأمرهم أن يجتمعوا بعد موته لاختيار خليفة المسلمين، فاختاروا عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي بايعه الناس بعدها.
إنني أتوجه للإخوان وأنا لست منهم مطالبًا بمراعاة ومعالجة أكثر لعاطفة المصريين خاصة الشباب، وأن يكون لهم مزيدٌ من التواصل معهم، وأرى أنهم قادرون على ذلك، وأتوجه لجموع المصريين وأنا منهم مطالبًا بمزيد من التريث والتعقل في تناول أمورٍ كهذه، وأتوجه كمواطنٍ مصري لكافة الإسلاميين، مشددًا أن يُخرجوا علينا مرشحًا واحدًا تأسيًا بالفاروق رضي الله عنه.

نقلا عن إخوان أون لاين