مشاهدة النسخة كاملة : موريتانيا بين لحمة الدين والنسب ونزوات الساسة (سيديا ولد احمدناه)


أبوسمية
04-22-2012, 08:46 AM
موريتانيا بين لحمة الدين والنسب ونزوات الساسة (سيديا ولد احمدناه)

لكل شعب من الشعوب إذا ما قلبت صفحات تاريخه المديد هفوات وجوانب مظلمة ونقاط سوداء ومظالم جمة ومنكرات كثيرة فى الأخلاق والأعمال والأهواء وفى مقابل هذه الصورة القاتمة لوحة جميلة منمقة فيها من الألوان والأشكال ما يبهر العقول ويسبى الألباب ويلهم الوجدان و العواطف والمشاعر ويغريها با التضحية في سبيل الاوطان والذ ب عنها وبذل الغالى والنفيس فداء لها والحنين إليها والشوق والهيا م فى مرابعها ونجودها ورباها ومضارب العشيرة وأيام الصبا والنشأة الأولى وليا لى السمر
استودع الله قوما ماذكرتهـــــــــم إلا تحدر من دمعى ما سكنـــــــــا
أشتاقهم كا شتياق الأرض وابلها والأم واحدها والغا ئب الوطــــــنا
ولى وطن آليت أن لا أ بيعــــــه وأن لا أرى غيرى له الدهر با ئعا
من هنا كا نت الأوطان حبات الفؤاد وشغاف القلوب وحياة الأبدان وقوت الأرواح تجب حمايتها والذب عنها والعض عليها بالنواجذ لردغوائل الزمان وعاديات الأيام وما يخبئه القدر ويلوح ولو من بعيد من الأخطار والمصائب علي هذه الأسس النفسية الغائرة فى الشيمة البشرية والمركوزة فى طياتها وجب شرعا وعقلا أن تكون سياسة الأوطان قا ئمة على الحذر وعلى قا عدة جلب المصا لح ودرء المفاسد فإذا ما رجحت المصلحة أخذنا بها وإن غلبت المفسدة ألغيت المصلحة وإن استويا من كل وجه فمذهب ما لك إلغا ء المصلحة دفعا للضرر وتغليبا للسلامة
وهنا ك جناحان تحلق بهما الأوطان وتحفظ توازنها لا غنى لأحدهما عن الآخر - مجتمع يضبط تصرفا ته ويؤسس مستقبله وجهده وكل إمكا نا ته على نغمات الوطن وإيقا عاته وشدوه وحنينه وحلوه ومره وآلامه وأحلامه ويرى أمنه القومى وسلمه الاجتماعى ولحمته من المقدسات التى تتقزم أما مها النزوات الشخصية والخصومات الأيدولوجية والمناكفات السياسية
- حكومة حصيفة متبصرة لاترى حرجا فى ازدحام الآراء والنزول إلى الرأى المخالف دونما غضاضة ولا نكير بعد أن يتاح الوقت الكافى للتشريح والفحص وكشف الخبايا ومواطن الخلل والتقصير والربح والخسارة ومآلات الأمور وتجليا تها وخيوطها المتشعبة
هذه الصورة التى رسمنا ليست ترفا فكريا ولاهى كلمات شا عرية وإنما تتشكل من روافدها جينات بقاء المجتمعا ت وعوامل استمرارها وحفظ نسيجها المتشا بك فى الدين والدم والوطن وهنا أطرح أسئلة مشروعة أين الخلل فى تصرفا تنا نحن وفى رؤيتنا لما تضج به الساحة حولنا من أحداث وصخب وما يحا ك لنا من مؤامرات ومايوضع لنا من شراك وما الذى يجب علينا أن نتحلى به ويدفع عنا كيد الشرور والفتن والبلايا وهل نحن على إدراك تا م أن الإنسان إذا ألبس ثوبا رأسه أكبر منه ليس من السهولة خلعه إنها أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات صريحة لالبس فيها ولامواربة لأن الأمر إذا ما تعلق بكينونة الأمة ومستقبلها من السذاجة اللف فيه والدوران ودفن الر أس فى الرمل والتمنى والأحلام لا أدعي أننى ابن بجدتها أو فارسها المجرب أو أملك البلسم الشافى أو الدواء الناجع لأمراض مزمنة تحالف عليها عامل الزمن والإهمال والغفلة بل الغطيط فى النوم أحيانا إلا أننى سأحاول أن أضع أمامك أخى القارئ مزيجا متواضعا يجمع بين التحليل والتشخيص وعلاجات أولية على أن استدراكك لما أغفل أو تصويبك لخطئ فات هو المعول عليه فقلما يخلص مؤلف من الهفوات أو ينجوا مؤلف من العثرات.
إن المتتبع للطريقة التى ندير بها الأمور وسيرتنا فى التعاطى مع المستجدات والأحداث يخرج بمسلمة تكاد تجمع كثيرا من الأنظمة المتعاقبة على حكم هذا البلد وهى إغفال الفرص المتاحة وإذكاء عوامل الصراع وديمومتها بل الأمور الكبرى التى تهدد السلم الاجتماعي في أعيننا أدق من الشعر نخوض فيها ونلعب ولانلقي لها بالا ونضع لها الحبل على الغارب دونما قيود ولاضوابط ولعل هذا الاداء السيئ الذى يعترى صاحب القرار عندنا ناجم عن العجلة في اتخاذ القرار واستفراد شخص واحد بكل تفاصيله ثم إن هناك عاملا آخر يتمثل في الإعلام الذى أثبتت الدراسات الر صينة أن له الأثر الأكبر فى تشكل الشعور والقناعات والتحكم فى الرأىالعام يمينا وشمالا فبعد تركيزه على قضية من القضاياحقا أوباطلا يدفع صاحب القرار تحت تأثير ضرباته النفسية المؤلمة إلى التصرف دونما روية ولانظر فى العواقب وللإعلام مذاهب شتى فى اختراق النفوس والحجب فاالصحافة الصفراء فى ابريطانيا همها الفضائح الشخصية التى يرتكبها الفرد فى خاصة نفسه وبعيدا عن عين الرقيب لكن الأخطر من ذلك إثارة النعرات وفتح باب الفتنة على مصراعيه وترويج الشائعات المغرضة على أنها حقائق ثابتة وشغل الناس فى صراعات جانبية لايكاد أوارها يخبوا حتى تنفخ ناره من جد يد وللإعلام تعلاته فالغريب من الأخبار والجديد مما هو خارج عن المألوف والسياق له وطأة على القارئ وسلطا ن على النفوس وشد للأعين والروح والوجدان فبرنامج استار أكاديمي حصد 70مليون مشاهد بينما برنامج عن حرب أفغانستان 3مليون فقط والعالم الأمريكى اتشومسكى يأسى على جهل قومه بأبجديات الثقافة العا مة بينما علموا كل شىء تقريبا عن بعض الأمور التافهة التى يسوقها الإعلام ويحاجج الطرف الآخربأن المقال الرصين والتحليل الدقيق والتحقيق الجاد لهم جمهور عريض يزداد بانتشار الوعى وما يراه الناس من أحداث يومية متلاحقة أضف إلى ذلك كله أن صاحب القرار فى الغالب يحجب عنه جانب من الصورة أوكلها إذ التقليد المتبع أن كل مسؤول لا يقدم الصورة التى تدينه أوتظهر تقصير ا أو خللا ما فى الحيز الذى تمتد إليه يده فتكون بذلك النظرة حولاء إلي قضايا كثيرة وليت الأمريقف عند هذا الحد فلا يتعداه إلي الزج بأوجاع مجتمعنا فى بؤرة الصراع المرير علي السلطة والمهاترات التى تجاوزت كثيرا حدود الأدب واللباقة وكأن الحياة تختزل في صندوق اقتراع ومهرجان حاشد وألعاب وأناشيد وليكن ما يكن علي غرار الخباز الذى سئل عن 2 إذا ما زيدت بمثلها كم يكون العدد فأجاب أربع خبزات يخلص الجاحظ بعد نقل هذه القصة أن صاحب المهنة تنحسر مداركه في حدود مهنته ولا يري الأمور إلا من خلالها عند ما أنظر إلى مجتمعنا أجد الجار يواسي جاره يعزيه فى المصيبة ويشاركه أفراحه ويقوم في حاجته ويستشيره في كثير من أموره الخاصة ويحافظ على شعوره وجبرخاطره ولوترك الناس لحالهم لماتت سوق العصبية وكسدت بضاعتها وهجرها أكثرروادها والعجيب أن كثيرا من القائمين علي هذه السوق لاتعودإليهم بأي ريع أوكسب ذى بال فهل يتواضع السياسي ويتعلم من غبراء الناس قيما نبيلة قد تكون أبعد أثرا وأقرب إلى مفاتيح القلوب وبشاشة النفوس وشد اللحمة بين أبناء المجتمع الواحد
إننا فى عالم يأكل القوى فيه الضعيف وتخلق فيه الذرائع وتسلط على رقاب الأمة فتستنزف أرزاقها ومقدراتها تمهيدا لذهاب ريحها وتبديد قوتها بعدأن تدان من الرأي العام وتسلط عليها الأضواء الكاشفة فكان من الحصافة زنةالأمور وتقديرها حق قدرها قبل فوات الأوان
إن النخبة التي تتصدر المشهد في هذا البلد إعلامية كانت أو سياسية يجب أن تدرك حجم المسؤولية الملقاة علي عاتقها وأن تركزعلي روابط الدين والدم التي تربط مجتمعنا بكل فئاته وأعراقه بل بالمجتعات الأخرىوخاصة الإفريقية التي كان أجدادنا أساتذة لها وحملة علم ودعاة حضارة لنترسم طريق الأجداد ونصلح ما أثأت يدالغفلات يقول د عمرباه وهو موريتانى مهاجر إلي كاصا مانس في كتابه القيم أثر الثقافة العربية والإسلامية في غرب إفريقيا شنقيط صهريج العلم مقولة شائعة في إفريقيا بل فى العلم العربي إلي أن يقول إن معظم علماء الجنوب من المعتد بهم قد قرأوا علي الشناقطة ...وعامل الجوار سهل للفوتين سكا ن منطقة حوض النهر الفاصل بين موريتانيا والسينغال الاتصال بهؤلاء العلماء فتأثروابهم تأثراثقافيا أفادهم كثيرا وإذاكان المقام لايتسع لتفصيل ماذكره د باه فيكفي أن الشيوخ الكبار في الجوارالإفريى يرون في ظلال الخيمة اللسان القويم والنقل الصحيح والعلم الغزيروالتواضع الجم فاالشيخ سليمان بال مؤسس الدولة الإمامية في فوتا ت 1769 قرأفي الشمال وتزوج هناك وخليفته عبد القادركن أقام في مضارب أهل العاقل حتي نهل من علومهم العقلية والنقلية وتأثربحركة الإمام ناصرالدين وكانت له صداقة با بن بونا وقد تلقى منه تهنئة عندما انتصر علي بعض الإمارات الحسانية كما تلقى تهنئة من حرمه ولد عبد الجليل وأحمد مختار ساغوت1940 ظل ولفترة طويلة يلازم الحارث الحسني ويستقي من معينه العذب حتي تصدر في العلم وأصبح من أجل علماء زمانه قدرا وكان له في شيوخه وجواره العربي صهر ونسب وينقل باه عن والده محمد صالح الفلاني أنه كان لايخفى إيمانه بالأخوة العربية الفلانبة وفي معرض حديثه عن حياة عالي كوبيا من بساو ت 1987ينقل عنه إن الخلق لوكان مثل الشيخ عبد الفتاح والشيخ عبد الودود التركزيان وبدو اللمتوني لما خلقت النار أصلا
أما عن روابط النسب فإن روابط النسب بين مجتمعنا وجواره الإفريقى ضاربة فى جذور المجتمع فكان فى جيش المرابطين أفارقة كثر وقد تزوج ابن عامر امرأة إفريقية تسمى فاطمة صل ولما استشهد عاد ولده أحمد إلي أخوله وأقام إمارة في جلف ومنه نشأت سلالة باروبا جلف وهكذا هاجر شمس الدين القلقمي من آدار وتزوج من أعيان الأسر المحلية في الضفة الأخرى من نهر السنغال أو نهر صنهاجة وأنجب علماء أجلاء كانوا هم النواة الأولى للمحاظر فى بلادفوتا التى تفرقوا فيها وهم أجداد الذين يلقبون سي فى بوسيا والدائرة التيجانية فى تواون وانتيكان ودمت وانجوم وبودور وما حولها وجا هد الكثير منهم فى صفوف جيش عمر الفوتى وقد أنشأ أحد أحفاد هذا الرجل الصالح إمارة فى جنوب السنغال وتعرف ذريته باسم جم سى ولعل أكثر هذه الوشائج اتساعا بيننا مع ولف لأن كثيرا من هذه المجموعة من أصول موريتانية حتي الشيخ أحمدو بنبا طبقا للمصدر السابق وقد تزوج الأميرمحمد لحبيب أمير اترارزة ملكة لاو منطقة علي حدود لبراكنة الجنوبية الغربية جنبت ولما ترعرع ولده منها عاد إلي والووسعي إلي ملكها وفقا لمانقله باه عن عمرصمبا في كتابه الأدب السينغالي وتزوج الرجل الصالح العلامة الشيخ محمدالمامي ابنة المجاهد عمر الفوتي وله منها ذرية ويروى أن الشيخ ابراهيم انياس خليفة التيجانية في كولخ نحن عرب سودتنا أمهاتنا وكان عمر الفوتى وعبد القادر كن يرفعان نسبهما إلىالعرب ...وهذا غيض من فيض .
وختاما لعلك أدركت أخي القارئ أن لنا عمقا استراتيجيا ضائعا إذا ما وفقنا في رعايته والعناية به بحذق ومسؤولية سوف يعود علينا بخير عميم ويقينا مصائب جمة و أن ثقافة الكراهية التي تسعي جهات عديدة إلي التمكين لها في القلوب و المشاعر والوجدان ليست شيمة جبلت عليها القلوب وتواطأت عليها الأجيال كابرا عن كابروإنما هي أعراض طارئة وأوهام ونبتة ضارة غرست وترعرعت علي حين غفلة منا ولكنها لن تزول قبل جهد موازيسخر فيه الإعلام والمناهج التربوية والمحظرة والمدرسة والمستشفي والمسرح والغيورون علي الأمة والعارفون بشؤون هذه المجتمعات وأمزجتها وما تألفه وتسكن إليه لأن مكمن الخلل في رأيي هوجهل صاحب القراروالمثقف عندنا بتفاصيل كثيرة لايكون البناء بدونها محكما وقابلا للبقاء وما يغري بهذا الجهد هو قول الله تعالى إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما

نقلا عن الأخبار