مشاهدة النسخة كاملة : رفع المظالم إسقاط الظالم (محمد ولد الراجل)


أبو فاطمة
04-21-2012, 06:42 AM
رفع المظالم إسقاط الظالم (محمد ولد الراجل)

نعيش هذه الآونة أياما نفس التي عشناها الأيام قبل الانقلاب على العقيد ولد الطائع، نفس المزمرين للنظام حينها هم تابعوه اليوم، ونفس الرحلات التي قام بها ولد الطائع هي التي يقوم بها الجنرال عزيز، تماما كما يتشابه خطابا العسكريين، وكله مندرج في أنا "أتينا بموريتانيا من بعيد" الكلمة التي تفوه بها العقيد ولد الطائع.
1
وجدنا فرصة وطنية لإعطاء الشعب الفرصة في اختيار الحاكم والقضاء النهائي على الاستبداد وكل مظاهره، لكن وغفلا من النخبة السياسية حينها لم نقرأ اللحظة حق قراءتها، كما أنا لم نستشرف موريتانيا ديمقراطية بما فيه الكفاية.
نعم حدث تغيير.. لكن كلما في الأمر أن الجيش أراد أن يقطف الثمرة قبل أن تطيب، ويبقي على حكم موريتانيا التي كان قدرها انقلاب عقب انقلاب.
لوكان الجيش حينها جادا في التغيير الحقيقي لغير لب الدستور، ولم يبق لسلطة الشخص المقدس مكانا في دولة القانون، لكن العين التي تتشدق بالديمقراطية لها توأمة ويدان تنظران إلى موريتانيا المستقبل حكرا على الجنرال فلان أو العقيد علان.
والجيش دبر للإبقاء على موريتانيا، ربما نكون حينها شهدنا انتخابات نزيهة في ظاهرها، لكن الحقيقة أن دعم الجيش للمرشح سيدي على حساب المعارضة، وإغراء وجهاء القبائل للتبعية له كلها أمور تجعل من المستحيل التحول نحو الديمقراطية المنشودة.
ويحسب للرئيس سيدي أنه لم يطاوع العساكرة في اختطاف موريتانيا سرا إلى منعرجات تؤول في النهاية إلى الحكم العسكري، وكان الرد هو الانقلاب الذي جاء أساسا ردة فعل مباشرة على الاقالة التي وقع الرئيس صباح السادس من أغسطس.
2
استطاع عزيز بقدرة قادر أن يجري الانتخابات، وأخطأت الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية في القبول بمنافسته.
احتج كثير من قيادي الجبهة في أن الوطن وصل إلى تأزيم لا يستطيع الاستمرار فيه، لكن الصبر على شهر من الحصار والتأزيم خير من إسقاط موريتانيا في مستنقع المربع الأول..
ليس هنالك من مبرر وطني ولا أخلاقي للذهاب مع الجنرال في حوار دون رجوعه إلى ثكنته، كما أن أي انتخابات في تلك الظرفية دون تغيير الدستور كانت متضح المعالم.
الجنرال بطبيعته يذهب إلى الحوار حينما يجد نفسه على جرف السقوط، وليس حبا للوطن ولا تفكرا في مستقبله.
وقد رأينا النتائج المباشرة لاستمرار الجنرالات المفسدين في مقاليد الحكم، فقد شغلوا أنفسهم بالسياسة على حساب أمن الوطن، وكانت سياستنا العسكرية تنطلق من مبدأ واحد هو إبقاء النظام.. أو على الأصح إبقاء الشخص المتحكم، لأن موريتانيا للأسف الشديد لا تشهد نظاما حاكما بقدر ما تعيش شخصا أضاف إلى التحكم في مفاصل الإمارة الخبرة في المغامرة التجارية، ومركز كل قطاعات الدولة تحت يده بالمباشرة.
وشهدنا بداية العام الماضي حربا ليست متضحة الأهداف مع العصابات المسلحة في الشمال المالي، وكان يوما مشهودا اليوم الذي أعلن فيه أحد قواد مؤسستنا العسكرية سيطرتهم على الشمالي المالي ليتركوا ورائهم العاصمة نواكشوط في خطر!
3
من حين انتخابه رئيسا لموريتانيا ما بعد الديمقراطية أراد عزيز أن يجعل نفسه رمزا إسلاميا، وخليفة للعمل الدعوي، فأطلق إذاعة القرآن، وحسن العلاقات مع التيار الاسلامي بالرعاية الاعلامية لمؤتمر الوسطية ولقائه يوسف القرضاوي خلال زيارته لمركز تكزين العلماء.
كل ذلك من أجل أن يتحول الجنرال من رئيس منتخب إلى رمز للأمة الاسلامية لا يمكن الاستغناء عنه في المستقبل ورأى المثال على ذلك هو العقيد القذافي قائد الثورة الخضراء فكان أن سمى عليه، واقتفى اثره.. ونظم حوار الشعب وكانت المؤشرات تقول إن التفكير الرسمي يتجه نحو تغيير الدستور ليصبح بإمكان الرئيس الدوام في الحكم.
وحينما بدأ العالم العربي يشهد ثوراته على رؤوس الاستبداد المتحكمين، وجد الجنرال آماله تنحسر في بقاء الحكم، وعرف أن عليه أن يغير من خطابه فكان الثائر.
حالة فهم الرجل لم تجعله يعتبر بقائده القذافي التي تقول وقائع قتله إن الثورة إذا وقعت لا تتمخض عن عسكري، وإن الثائر إذا حكم لا يمكن أن يطبق على شعبه قانون الحديد والنار.
وحينما بدى له أنه لا يمكن أن يستوعب الاسلاميين في شخصه، وينصبونه "قائدا" عليهم أدار لهم الظهر وتغافل عن سياق الزمن الذي نعيش، ومثل شخصية الثائر المجاهد القائد الذي تجب طاعته في المنشط والمكره، وأن الاسلاميون كلهم سواء من يرفع منهم لواء الاعتدال ومن يشهر منهم السلاح، ويجب تطهير مؤسسات الدولة حتى لو لم يوجد غيرهم من يصلح لها مثل إذاعة القرآن التي بدأت تتحول نحو إذاعة للتصفيق والتحميد باسم الجنرال.
وكانت النتيجة المباشرة أن نجاحهم في الجامعة لن يقبل مهما كلف من ثمن، وأنه سيركعهم.. كل ذلك بحثا للجنرال عن حتفه بظلفه.
4
بعد هذا كله، وحينما رأى الأمن أن محاربة الفساد لم تجد نفعا، وأن المظالم وصلت مرحلة لم تصلها من ذي قبل كانت المحافظة على كرسي الرئاسة تقتصي الاعلان عن المشاريع الكبيرة، والبنى التحتية الضخمة، في حين يواجه الشباب الثائر بالقوة، ويعامل الأساتذة المضربون بسياسة تعليق الرواتب التي أكل عليها الهر وشرب.
وفي تجل أقوى للدولة البوليسية صار الحرم الجامعي مباحا للأمن يدخله متى شاء ليعذب ويعتقل.... المطالب ستتحقق لكن لا شرعية للمطالبة بها.
وفي المناطق الداخلية يقوم الجنرال بزياراته لكن لا ترفع اللافتات لأن ما تحتويه المطالب.. وهي معروفة قيد التحقق.. أما القصر الرئاسي فيبدو أن توجه نظام المطاع هو إعلانه مناطق محظورة.. فالحقيقة الداخلية أن المطالب لا يمكن أن تتحقق ويجب حجبها بكل قوة من طرف الجيش المنشغل بالسياسة.
يدان مسخرتان لقمع أصحاب المظالم، وأذن للاستماع إلى بعض الشكاوى، سبب الداء لم يعرف.. سبب الظلم الظالم، فلا استبداد بون مستبد، ولا يتصور تحكم المفسدين دون الافساد.
رفع سابقا شعار الحوار، وانتظر الشعب المسكين الانجازات الموعودة، وترقب أهل مقطع لحجار مائهم المدشن قبل سنتين، لكن الوعود من عرقوب والكلام من مسيلمة.
لنعرف جميعا أن سبب كل الابتلاءات يتمثل في الشخص المتحكم الفار من واجبه، ومن ثم وجب الانطلاق من مبدئ واحد هو القضاء كليا على السبب ثم البحث عن علاج للداء.
إن أي شعار لتحقيق المطالب ورفع المظالم يبقى هراء مالم يبدأ بإسقاط الظالم، وأعتقد أن الشعب بات يدرك ذلك، ففي فجر الغد نصحوا على موريتانيا المتحررة، وليس أمامنا إلا صبر آخر ليلة قد يسود لكن الفرج مع الصبر.. والغد لناظره قريب.

نقلا عن الأخبار