مشاهدة النسخة كاملة : السياسيون الجدد... وكابوس الإخوان (محمد بن الشيخ)


ابو نسيبة
04-13-2012, 08:05 AM
السياسيون الجدد... وكابوس الإخوان (محمد بن الشيخ)

يطيب لي أن أستأذن الشيخ أحمد ولد هيين ولد مولود في مناقشة موضوعية لمقاله الصادر تحت عنوان (الإسلاميون الجدد وكابوس الشريعة)، وإبداء ملاحظات قليلة على بعض ما جاء فيه، وقبل الدخول في صميم المناقشة لا بأس أن أذكر الشيخ الفاضل والقارئ الكريم بنقطتين أساسيتين:
1 - إن الإخوان المسلمين الذين شكلو خلال الفترة الفارطة سدا منيعا في وجه الاستبداد وظلوا شوكة قوية في حلوق الطغاة، لن تقبل الأمة الطعن في مصداقيتهم أو التشكيك في إخلاصهم للشرع الذي دفعوا أرواحهم وحرياتهم ثمنا لاستعادته وإسقاط من عطلوه, ولعل منافستهم في المعارك الانتخابية أو محالفتهم أجدى وأنفع من حملات التشكيك والدعايات المغرضة التي سخرتها الأنظمة المستبدة ضدهم طويلا فلم توصلها إلى مقصود أو مرام.
2 - أن الإسلاميين لم يصلوا بعد إلى سدة الحكم، وكل ما في الأمر أنهم فازوا في انتخابات برلمانية مصرية داخل مشهد ما يزال العسكر سادة الموقف فيه، وليس الحال في تونس أحسن منه بمصر: حكومة ائتلافية مؤقتة ومجلس تأسيسي .
ولنسلم جدلا أنهم حكموا فعلا، وأن المؤسسات الدستورية قد تم بناؤها فهل ننتظر منهم إقامة دولة عمرية بين عشية وضحاها، بعد سلسلة الجهود التغريبية التي مورست على الأمة في تلك الحقب الطويلة، على يد المستعمر وعملائه المطاح بهم في الربيع العربي، ولا شك في أن تطبيق الشريعة الإسلامية يمثل الغاية الأسمى والهدف المنشود لكل مسلم، غير أن تعطيل أحكامها وإقصاء نظمها أمر سابق على الإسلاميين، شأنه شأن الرشوة والمحسوبية واستغلال الثروات وفشو الظلم واستشراء الفساد وغياب العدالة الاجتماعية.
كلها أمراض واعتلالات تنخر جسم الأمة، والطبيب الماهر عند ما يعاين جسما يحمل أمراضا مختلفة، تستحيل مداواتها في آن واحد، فإنه ينظر إلى أشدها خطرا على حياة المريض فيقدمه في الرعاية والتركيز، وما دام الشرع الحنيف معطلا في شتى مناحي الحياة فلا بد أن يذعن السياسي المسلم مكرها لمنهج التدرج، عبر سلم الأولويات ريثما ينتج العمل الإسلامي قاعدة شعبية مؤمنة بتحكيم الشرع الإسلامي، وعندها الاستعداد الكامل لمواصلته والمحافظة عليه، كي لا يبقى هذا الخيار النبيل مرتبطا بالتوجه الفكري للنظام الحاكم، كما شاهدنا في التجربة السياسية لطالبان واتحاد المحاكم الإسلامية.
والدارس للسيرة النبوية يجد فيها من الخطط المرسومة وفق منهج التدرج ما يقنعه بضرورة اعتماده في مثل هذه الحالات, إذ لم يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أي إجراء حاسم إلا بعد إجراء مسح شامل لنقاط قوته, من ذلك أنه عليه الصلاة والسلام لما أراد الغزو إلى تبوك قال لأصحابه: (اكتبوا لي من دخل في دين الله). أخرجه البخاري عن حذيفة, ونحن لسنا بصدد البرهنة على سنية التدرج لأنه يشكل سمة بارزة في السياسات النبوية.
ولست موافقا للشيخ في أن المانع من تطبيق الشريعة بمفهومها الشامل خشية الحصار الغربي أو الشرقي، لأن العلاقات الدولية مبنية في معظمها على اتفاقات وتفاهمات تحكمها المصالح المشتركة للشعوب، ولكن العقبة الكؤود دون تحقيق ذلك الطموح الأعلى، هي النخب الوطنية ذات المشارب المختلفة، والتوجهات المتعددة، والسياسي الحكيم والفقيه المتبصر يجعل هذا الواقع المعقد نصب عينيه خلال اتخاذه لأي قرار في دولة يسكنها الجميع، وليس ذلك نفاقا أو تملقا بل إنها سنة سياسية ثابتة عن المعصوم عليه الصلاة والسلام: روى مسلم عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ أَوْ قَالَ بِكُفْرٍ لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنْ الْحِجْرِ.
وروى البخاري عن جابر في حديث طويل نقتصر منه على محل الاستشهاد، قَالَ :جابر قال: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا؟ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَقَالَ عُمَر:ُ أَلَا نَقْتُلُ يَا رَسُولَ الله هَذَا الْخَبِيثَ لِعَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ.
وأنا أرى أن هذا الواقع المظلم الذي تعيشه الأمة، يمثل كل نقص أو تخفيف منه مكسبا ونجاحا، ورحم الله الخليفة عمر بن عبد العزيز، حين ألح عليه ابنه عبد الملك في الإسراع في إصلاح ما أفسده من قبله، فقال له: يا بني أما يكفيك أن يكون أبوك يحيي كل يوم سنة ويميت بدعة؟.
وإن ما زعم الشيخ أن أردوغان أوصى به إخوان مصر من إتقان في العمل وصدق وأمانة ومحاربة للفساد، ليس إلا أساسيات معطلة من شرع الله تعالى، طالما اكتوت الشعوب المسلمة بنيران أضدادها آمادا مديدة خلال العهود البائدة.
والمنصف يحسب للإسلاميين اهتمامهم المبكر بتطبيقها في البلدان الإسلامية، وهل يعلم الشيخ الكريم أن النهضة الاقتصادية التركية ما كانت لتحصل لولا تطبيق القيم الإسلامية من طرف الحكومة هناك، كإيقافهم سرقة عشرين مليار دولار عامهم الأول في السلطة.
وأقف وقفة الحيران المستغرب لفصل الشيخ بين الشريعة وبين العمل الخدمي، حيث جعل خدمة المجتمع شيئا وتطبيق الشريعة شيئا آخر، فقال منتقدا الحكومة في المغرب (والحالة نفسها تنطبق على حكومة "بن كيران" في المغرب حيث جعلت من أولوياتها، إطعام الناس والقضاء على البطالة والفساد وتوفير الأمن ثم تطبيق الشريعة)، ألا يعتبر هذا التصور الذي انتهجته الحكومة المغربية صعودا واضحا في درج الأولويات، لأن إسعاد البشرية بإطعام جائعها وإنصاف مظلومها وتأمين خائفها يعد من صلب الشريعة، ومن أجل أنواع العبادة، قال: النبي صلى الله عليه وسلم: (كل سُلاَمَى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة. والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة) أخرجه الشيخان عن أبي هريرة.
وهذا الجانب مقدم على غيره إذ هو المقصد الذي وضعت له الشريعة ابتداء، كما هو معروف في علم المقاصد، أما الحدود فهي كما قال الشيخ لا تمثل سوى الجانب الجنائي، وليست مشروعة لذاتها، وإنما شرعت لمؤداها الدائر بين الزجر والجبر، حسب الخلاف الفقهي المعروف، من ما يجعلها في رتبة بعد الجوانب الخدمية والتعاملية من الشريعة.
ومن ما لفت انتباهي في هذا المقال، ما ذهب إليه الشيخ من أن ذكر الفوائد الدنيوية الناجمة عن تطبيق الشريعة مناف للعبودية: (ونحن لا نريد هنا أن تسوغ الشريعة على اعتبار أنها تحل مشاكل المجتمع وتحقق الرفاهية له.. لأنه إذا استجاب الناس وقبلوا بتطبيق الشريعة لهذه الميزة الدنيوية لا تكون العبودية لله قد تحققت). إن ترغيب الناس في الدين والتزام تعاليمه بتنبيههم إلى الثمار والنتائج العاجلة، أسلوب دعوي قديم، اعتمده القرآن في دعوته للناس، قال تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب)، وقال: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض...)، كما انتهجه الرسل خلال جهادهم وتبليغهم، فقد حكى الله سبحانه عن نوح عليه السلام وهو يدعو قومه إلى الإيمان: (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا)، كما استخدمه رسولنا صلى الله عليه وسلم في معالجته لقريش ودعوته إياهم إلى أصل الإيمان، فقد أخرج أحمد في المسند وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس قال: مرض أبو طالب، فأتته قريش وأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده وعند رأسه مقعد رجل، فقام أبو جهل فقعد فيه، فشكوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي طالب، فقالوا: إن ابن أخيك يقع في آلهتنا، قال: ما شأن قومك يشكونك يا ابن أخي؟ قال: (يا عم، إنما أردتهم على كلمة واحدة تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية).
وفي ختام هذه السطور لا يسعني إلا أن أسجل استغرابي لما أراه ازدواجية في المعايير التي يتعامل بها شيخنا العزيز مع الوضع السياسي في كل من أزواد ومصر، حيث يرى أسلوب المرحلية سائغا للأزواديين، محظورا في مصر، بلد التباين الفكري والعقدي، فهل للشيخ مستند شرعي يؤيد النظرة المزدوجة التي ينظر بها إلى هذين الوضعين، أم أن الأمر لا يعدو أنه أعاد قراءة النصوص الشرعية ففهمها فهما صحيحا، يطابق الواقع الذي اصطدم بجداره السميك في شمال مالي (الدولة الوليدة)؟...

نقلا عن الأخبار