مشاهدة النسخة كاملة : حتى لا نذرف الدموع مجددا على آخرين ، رجاء لنأخذ العبر (القاسم ولد عفان)


أبوسمية
04-12-2012, 06:33 AM
حتى لا نذرف الدموع مجددا على آخرين ، رجاء لنأخذ العبر (القاسم ولد عفان)

خمسة شبان أضرموا النار في أجسادهم؟ ماذا بعد؟
لا يخفي على أحد ما يميز المجتمع الموريتاني من ميول للتقليد وحب للمحاكاة يتضح ذلك جليا عندما ندرك أن أغلب الأحياء في عاصمتنا الفتية تحمل أسماء لمدن أجنبية (بغداد ، بكين ، قندهار ..الخ) كما أن لهجتنا المحلية تحتوى آلاف من الكلمات الدخيلة استقتها عن احتكاك أو تأثر بالآخر .
إن المجتمع الموريتاني أصيل متدين ومحافظ ، استطاع بناء حضارة إسلامية عربية إفريقية امتدت لأكثر من أحد عشر قرنا ، يمتاز هذا المجتمع بتنوعه العرقي وثراءه الثقافي اشتهر بمقاومته الثقافية للمستعمر الفرنسي ، فلم يفلح خلال ستين سنة من الاستعمار في تنصير أي فرد من عناصر هذا المجتمع ، فكيف إذن يلجأ شبان سليلوا هذا المجتمع إلى الإقدام على تصرف يحرمه الشرع وتانفه الأنفس السليمة.
لكن دهشتي كانت كبيرة عندما سمعت بعد يومين من إشعال البوعزيزي النار في جسده أن رجلا أعمال موريتاني هو أيضا صب البنزين على جسده وأحكم إغلاق سيارته أمام مبني مجلس الشيوخ ، ثم أشعل النار في جسده!!.
حاول رجال أمننا الأوفياء إنقاذه ، فأخرجوه حيا لكن الجرح بلغ النخاع ، تم رفعه إلى المغرب لأجل التداوي عله يجد من العناية ما يكفي ليستعيد نشاطه!.
تساءلت ومعي كثيرون لماذا يا دحود بلغ بك الأسى والحزن أن تنتقم من نفسك ، أتعترض على قضاء الله؟ أتريد أن تستوفي جميع حقوقك في الدنيا؟؟.
لم يجبنا دحود لكن أقاربه يرجحون أن أغلب ما أرقه ولم يستطع بعده أن يغض مضجعه فوزه بمناقصة لشراء معدات طبية لصالح وزارة الصحة ، وبعد وصول الطلبية ، الوزارة ترفض تسلمها والمصنع يرفض الإقالة ، الضحية إذن رجل أعمال فتي يخسر الملايين ، رفع القضية إلى القضاء لكن لا حياة لمن تنادي ، بل لا يرى أن له أملا أن يفوز بحقه من خلال التقاضي.
بعد شهر من ذلك شاب زنجي فشل في الحصول على شهادة الباكلوريا ، فقرر الهجرة ليعمل في أمريكا أو أوروبا ، حاول مرت ومرات أن يتوسل إلى سفارات هذه الدول علها تمنحه تأشيرة دخول إليها ، لكن دون جدوى ، لا بد من رشاوى وتعامل مع وسطاء ، أخونا المسكين لا يقدر على تحمل تلك المبالغ ولا سبيل له لتذليل تلك الصعاب ، فقرر شنق نفسه بالقرب من مدرسة الشرطة ، وليس ببعيد عن ذلك شاب في الرابعة عشر من عمره في عرفات قرب "كرفور تفسكي" ، يطلب من والدته الثرية ـ وهو ابنها الأصغر والذكر الوحيد فله أربع أخوات ـ أن تشترى له أحذية رياضية ، للأسف يبدو أن أمه كانت مشغولة بالاعتناء بضيوفها ، لكن ابنها الغالي مستعجل هدد بوضع حد لحياته عن لم تلب رغبته ، الأم مشغولة لم تأخذ بمحل الجد هذا التهديد!! الابن الغالي يئس بعد طول إلحاح أن تلبي حاجته ، فقرر الذهاب إلى ساحة القمامات وإضرام النار في ثوبه .
شاب آخر غُرر به أو قاده الجهل لأن يكون منخرطا في الجماعة السلفية الجهادية ، وللأسف أصبح لا يرى ضيرا في أن يقتل أبناء جلدته وأن يثير البلبلة والقلق في البيوت الآمنة ، قدر الله أن قوات أمننا كانت له بالمرصاد ، وكانت يقظة ومتابعة لهذا الغريب بدقة متناهية ، أيقن الإرهابي بالهزيمة ، فقرر أن يبادر نفسه بالموت ، فصوب فوهة مسدسه إلى صدره لتخرج منه الرصاصة وتخرج معها روحه.
أخيرا في ليلة الجمعة 10/02/2012 مدرس مهموم شاءت له الأقدار أن يرمي به في أقصى الشرق الموريتاني ، وتنسى وزارته أنه بشر يسدي خدمة نبيلة مقابل أجر زهيد ، أجر عن قدر أنه صرف في الوقت المناسب لا يكفي لصون ماء الوجه ، أحرى أن يتم تعليقه لمدة 6 أشهر متتالية ، أخونا ابن الددي فجع بإصابته أمه بمرض مزمن وأحب زيارتها لكن للأسف مدرسنا يدره مفتش لا إنسانية له ، لم يرخص لمدرسنا أن يأخذ راحة أيام لزيارة والدته ، تدهورت صحتها ، وذهبت إلى قضاء الله ، إخوته لم يريدوا تكدير صفوه وإخباره بوفاتها ، أخيرا بلغ المدرس الخبر فكان كالصاعقة نزلت عليه ، وكأن الدنيا صارت جحيما عليه ، قرر الذهاب إلى أهله للتعزية لكن كيف؟
لا راتب له ، لا مدخرات بحسابه ، لا صلة ولا قريب له في مكان عمله ، وبعد جهد كبير وجد من يحمله إلى أهله ، فازداد الطين بلة ، الذكريات وفلذة القلب ذهبت إلى قضاء الله ، للأسف لم يتعزى بأن لا مصيبة بعد وفاة الحبيب صلي الله عليه وسلم ، لم يدرك أن الأجل إذا جاء لا يرد {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}.
حاول مدرسنا إبلاغ مأساته لرئيسنا "رئيس الفقراء! ، لكن دون سيدنا حجاب وحرس لا يفهمون إلا لغة الرصاص ، أمروه بالتراجع ، أو هكذا ما سمعنا ، رفض فرموه بقنابل حارقة حسب البعض ، أو ضربوا الإناء الممتلئ بالوقود الذي أراد أن يحرق به نفسه ، فأصابه البنزين المحترق ... وهو ما تسبب في وفاته.
بالإضافة إلى ذلك هناك أسباب أخرى لم تقد بعد إلى الانتحار ، لكن أصحابنا لهم العديد من الأساليب الاحتجاجية كالوقفات والكتابة على الجدران والرسائل المفتوحة والموجهة إلى الحكومة... وقد تكرر ذلك مرات ومرات أمام البرلمان والقصر الرئاسي ، من أبرز الأمثلة على ذلك وقفات الشباب العاطلين عن العمل ودعاة محاربة التمييز العرقي والمتذمرون من عدم تكافؤ الفرص التنموية بين الأقاليم ، بالإضافة إلى الاحتجاجات الطلابية لتحسين ظروف هذه الفئة الهشة وفتح آفاق للتكوين العالي في المناطق الأكثر جذبا للسكان.
إذن حتى لا نذرف الدموع مجددا على آخرين ، رجاء لنأخذ العبر من هذه التجارب ، وهذه حلول عشرة أتمنى أن تكون حلا نهائيا لوقف نزيف الدم:
1. ضرورة إعادة ثقة المواطن في المحاكم الوطنية: يذكر فيشكر للسلطات الموريتانية أنها حسنت بشكل كبير الظروف المادية للقضاة ، كما تم إعطاؤهم العديد من الضمانات حتى يتمتعوا بالاستقلالية في إصدار الأحكام ، لكن ينبغي أن تفهم السلطات العمومية أن العدل هو أساس الحكم ، وأنه ما لم يتم الفصل التام بين السلطات في البلد فلن نستطيع رد ثقة المواطن في القضاء ، يمكن تحقيق ذلك باتخاذ الإجراءات التالية:
- أن يتم تعيين رؤساء المحاكم عن طريق المجلس الأعلي للقضاء
- استقلالية القاضي عن وزير العدل
- أن يتولي رئاسة المجلي الأعلي للقضاء قاض منتخب من طرف نقابة المحامين
- تشجيع القضاة المهنيين ماديا ومعنويا
- تخصيص حصص تلفزيونية لإشاعة ثقافة التقاضي أمام المحاكم
2. ضرورة وفاء الدولة بالتزاماتها مع المقاولين: فالاقتصاد لا يقوم إلا على الثقة ، وإن فقدت أنهار بشكل سريع (انظر أزمة الرهن العقاري في أمريكا...).
3. ضرورة تفعيل الدبلوماسية الموريتانية: وأن تستفيد من إيجابيات العولمة ، فلا ينبغي أن تظل موريتانيا الحارس الوفي لأوربا دون أن تستفيد من دعم تنموي معتبر من طرف هذه الدول (تمويل مشاريع مدرة للدخل على أرض الوطن أو فتح الحدود للهجرة).
4. الفكر لا يعارض إلا بالفكر: ونعتقد أن الحوار مع السلفيين قد أعطى أكله ، لكن ينبغي أن يستمر وأن يخصص برامج تلفزيونية مكثفة لإشاعة الفكر الوسطي في البلد.
5. ينبغي أن يراعي في تحويلات العمال انتماءاتهم الجهوية ، وأن تعطى توصيات صارمة للمفتشين بضرورة التعامل بإنسانية مع نفسيات المدرسين.
6. ضرورة مراجعة أساليب الأبناء داخل البيوت ، وأن يتم تشجيع ثقافة الحوار والتشاور مع الأبناء
7. ضرورة الرفع ماديا ومعنويا من مكانة وزارة الثقافة والشباب والرياضة ، تجدر الإشارة إلى أن مخصصات هذه الوزارة لا تحظي بأكثر من1% من ميزانية الدولة ، في حين أن تتبع لهذه الوزارة تسع مديريات مركزية ، ست مؤسسات ذات طابع عمومي ، وثلاثة عشر مندوبية جهوية تفتقر في أغلبها إلى مقرات حكومية ، ولتحقيق هذا الهدف فإننا نقترح:
- تحويل هذه الوزارة إلى وزارة سيادية
- رفع ميزانيتها إلى 10% من ميزانية الدولة
- سن منظومة قانونية تلزم القطاع الخاص بتمويل الأنشطة الشبابية
8. ضرورة اعتماد استراتيجية وطنية للاستصلاح الترابي تقوم على مبدأ خلق الأطاب التنموية
9. التفكير في حلول جدية للقضاء على البطالة وذلك من خلال دعم المقاولات الإنتاجية الشبابية وكذا التفكير في خلق مجلس وطني للتشغيل
10. اعتماد اللامركزية في التخطيط التنموي: التصديق في أقرب الآجال على مدونة المجموعات المحلية واتخاذ إجراءات مالية مصاحبة لتمكين البلديات من أداء مهامها.
كتبت من أعماق قلبي ونتيجة لغيرتي وفخري بانتمائي لهذه الأمة المجيدة وبلاد شنقيط ، أرجو أن لا تبقي هذه السطور حبرا على ورق .

نقلا عن الأخبار