مشاهدة النسخة كاملة : ترشيح الشاطر... نقاش هادئ (أشرف نجم)


أبو فاطمة
04-10-2012, 07:48 AM
ترشيح الشاطر... نقاش هادئ (أشرف نجم)

أعترف أنه من الصعب دائمًا الحفاظ على النقاش الهادئ وسط العواصف النقاشية الهوجاء التي يثيرها حدث من العيار الثقيل مثل قرار الإخوان المسلمين ترشيح نائب المرشد (خيرت الشاطر) لرئاسة مصر.. غير أني منذ البداية آليت على نفسي ألا أفقد هدوئي في النقاش، وألا أدع هواي وميولي السياسية تحكم ما أقول، فإن آفة الرأي الهوى.. حاولت- وأحاول دائمًا- أن أناقش بمنطق سليم يحترم العقل ويرمي للوصول للحق.. وهذه محاولة جديدة في هذا الاتجاه.
بادرت منذ اليوم الأول للقرار بطرح سؤال على صفحتي على الـ"فيس بوك" وعبر الإيميل على كل من حولي ربما يكون طليعة مجموعة من الأسئلة لاستجلاء الصورة... كان منطوق السؤال يقول: "كيف تنظر إلى ترشيح الإخوان المسلمين لخيرت الشاطر للانتخابات الرئاسية؟"... ثم وضعت عشر إجابات مقترحة للتصويت وتركت الباب مفتوحًا للجميع لإضافة ما يرونه من وجهات نظر.. وقد حاولت أن أكون متوازنًا قدر المستطاع في توزيع الإجابات المقترحة لتعكس ما أراه حولي من وجهات نظر متعارضة.
والحق أني لمست تجاوبًا كبيرًا مع السؤال، وبلغ عدد المشاركات التي تلقيتها (508) إجابات توزعت بين مؤيد ومعارض لخطوة الإخوان، وتنوعت فيها الآراء في كلا المعسكرين... ورغم أن الأرقام والنسب هنا ليست ذات دلالة دقيقة على توجه الشارع المصري لأن العينة منتقاة غير عشوائية وصغيرة نسبيًّا، إلا أنها يمكنها أن تعطينا مؤشرًا على الأقل على اتجاهات وآراء قطاع من الشعب المصري تجاه حدث ضخم كهذا.
أيد أكثر من نصف المشاركين خطوة الإخوان (297 يمثلون 58.5%) بينما عارض الخطوة بقية العينة (211 تمثل 41.5%)... وهي أرقام تدل بوضوح على الانقسام الحاد في المجتمع حول القضية... لكن ما يمكن أن يفيدنا أكثر هو الحجج والأسباب التي ساقها كل فريق ليدعم اختياره.. فدعونا نرى.
"نعم"... للشاطر رئيسًا
ساق المؤيدون للجماعة ثلاثة أسباب إجمالية للتدليل على صحة ما يقولون:
1. الحنكة السياسية وإتقان الجماعة لاستخدام آليات اللعبة السياسية:
وهو السبب الذي استحوذ على ثلاثة أرباع المؤيدين (221 يمثلون 74.5% من المؤيدين)، فقد اعتبر هؤلاء الخطوة ردًّا سياسيًّا موفقًا على محاولات تقويض مكاسب الثورة وتهديدات العسكر بحل البرلمان والجمعية التأسيسية للدستور وتلويحهم بورقة ترشيح عمر سليمان وشفيق، فجاءت الخطوة حنكة سياسية ومناورة ناجحة تحقق مرونة سياسية عالية ومحاولة من الإخوان للضغط على العسكر لخفض سقف طلباتهم، والحفاظ على مكاسب الثورة.
2. الحفاظ على تماسك الصف الداخلي للجماعة وتحالفاتها مع الإسلاميين:
فقد أرجع ما يقرب من ربع المؤيدين (64 يمثلون 21.5% من المؤيدين) القرار إلى أنه نتاج طبيعي لعملية شورى داخلية ناجحة ومحاولة لمنع انشقاق الصف الداخلي للإخوان وخروج موفق من المأزق السياسي للإخوان داخليًّا وخارجيًّا، وأضافوا أن هذا الاختيار يدعم تماسك التحالف الإستراتيجي بين الإخوان والإسلاميين عامة لا سيما حزب النور والسلفيين.
3. حق سياسي للإخوان كأي فصيل آخر:
بينما لم يعتبر القرار حرية وحقًّا سياسيًّا للجماعة مثلها مثل غيرها من القوى السياسية سوى قلة قليلة (12 يمثلون 4% من المؤيدين).
وبالنظر إلى هذه النتائج نلحظ غياب (عقلية الحرية) في النظر إلى القضايا السياسية، وهي نتيجة طبيعية لعقود طويلة من الديكتاتورية وغياب الحريات، فأنا أزعم أن مثل هذا السؤال لو سئل في الغرب لحاز السبب الثالث على أغلبية المشاركين... غير أن الأمر عندنا ربما يحتاج لعقود أخرى لنصل إلى مثل ذلك.
ولا يمكن لأحد أن يشكك في أن الحفاظ على وحدة الصف الداخلي للجماعة وتماسك تحالفاتها الخارجية كان في خلفية عقول أصحاب القرار طوال الوقت، فالتنوع الفكري والرؤى المتباينة للمشهد تجلت في هذه القضية كما لم يحدث من قبل، وليس أدل على ذلك من تقارب أعداد المؤيدين والمعارضين للقرار من أعضاء مجلس الشورى العام... غير أن اصطفاف الجميع في النهاية خلف القرار ودعمه وتبنيه والدفاع عنه أبرز نجاح القيادة في تحقيق وحدة الصف.. وهو أمر يحسب لهم لا شك في ذلك.
غير أن إرجاع معظم المؤيدين سبب تأييدهم إلى ما اعتبروه حنكة سياسية ومهارة في استخدام أدوات السياسة أمر يستحق الوقوف عنده والتساؤل: هل تمثل هذه اللحظة تحولاً جذريًّا في أداء الجماعة لتلعب سياسة على أصولها؟ وهل يمكننا اعتبار الجماعة قد شبت عن الطوق سياسيًّا وكادت تصل إلى مرحلة النضج السياسي؟ أم أن هذه أمنيات لم تتحقق بعد وتستعجل عقولنا تخيلها؟
ربما ستأتينا الأيام القادمة بإجابات شافية عن هذه الأسئلة وغيرها... فلننتظر ونراقب.
"لا"... للإخوان في الرئاسة
ساق المعارضون للجماعة أربعة أسباب إجمالية للتدليل على صحة ما يقولون:
1. نفاق سياسي .. وتراجع وحنث بالوعود:
وهو السبب الرئيسي الأول الذي استند إليه نحو ثلث من عارض القرار (59 يمثلون 27.8% من المعارضين)... وأشار هؤلاء إلى تعهد الجماعة السابق بعدم تقديم مرشح للرئاسة ثم تغيير موقفها الآن بعد تردد.. مما أفقدها مصداقيتها أمام الشعب.
ورغم محاولاتي إلا أني فشلت في إخفاء تعجبي من هذا الكلام.. فالمعروف في عالم السياسة وعالم الإدارة أن القرارات ترتكز على دراسة الواقع (الداخلي والخارجي)، فإذا ما تغير هذا الواقع لزم من ذلك تغير القرار بما يحقق المرونة المطلوبة.. وهو أمر بين لا يحتاج برهانًا.. ولا يمكن لعاقل إنكار المتغيرات التي طرأت على الحالة السياسية المصرية خلال العام الماضي بما رأت معه الجماعة ضرورة تغيير موقفها.. وهو حق أصيل لها بلا شك.
2. التآمر على الثورة.. وعقد صفقة مع العسكر:
وهو السبب الرئيسي الثاني الذي استند إليه أكثر من ربع من عارض القرار (54 يمثلون 25.6% من المعارضين)... وفي تفاصيل ذلك قال المعارضون إن هذا القرار هو خطوة غير مفهومة وغير مبررة وفي غير مصلحة الثورة، بل واعتبرها البعض مراوغة متفقًا عليها مع المجلس العسكري ليكون الشاطر وسيطًا ممتازًا بين العسكر والإخوان للتعايش بينهم.
ونظرية المؤامرة هي نظرية قديمة يفسر أصحابها كل الأحداث بناءً عليها، غير أن هذه النظرية تنامت وتكاثرت وتضخمت خلال عقود الاستبداد، وحرص النظام السابق على زرع الشك في قلوب الجميع ضد الجميع، وهو نهج استمر وربما تنامى بعد الثورة، حتى وصلنا إلى ما يمكنني تسميته (نظرية الصادين) ففي لحظة تكون (صاد الصفقة) جاهزة لتفسير الأحداث على أنها معادية للثورة، فإذا ما فشلت فلا مناص من استخدام (صاد الصدام) الذي هو أيضًا مؤامرة على الثورة.
لعلي لا أبالغ إذا ما قلت إن تقدمًا في الحالة السياسية لا يمكن أن يحدث نحو الأمام بدون البدء فورًا في إجراءات لإعادة الثقة بين جميع القوى الوطنية.. فهل نسمع ونعمل ونجتهد؟
3. سعي للسيطرة والاستحواذ على السلطة .. نتيجة الغرور بالقوة والتهور:
وهو السبب الثالث الذي استند إليه نحو ربع من عارض القرار (47 يمثلون 21.3% من المعارضين)؛ حيث قالوا إن غرور الإخوان بقوتها التنظيمية وقدرتها التصويتية أدى إلى خوضها مغامرة غير محسوبة العواقب وتصعيدًا غير مبرر للصدام مع العسكر بسعيها للاستحواذ على كل السلطات وإقصاء الآخرين.
وهذه هي الصاد الثانية التي حدثتكم عنها (صاد الصدام) التي هي جزء من نظرية المؤامرة... لكن الأعجب هو هذه المصطلحات التي لم أجدها في قاموس "الديمقراطية" من مثل "الاستحواذ" و"السيطرة" و"التكويش" و"حب السلطة"... ففي كل ديمقراطية في العالم تجري انتخابات تفرز أغلبية وأقلية، فتعطى الأغلبية السلطات كاملة لتنفيذ برنامجها الذي انتخبها الشعب من أجله، وتمنح عدة سنوات تطول أو تقصر، تتابعها أثناءها الأقلية وتعارضها، ويراقب الشعب ويقيم... فإن أحسنت أعاد الثقة فيها وإن أساءت أسقطها في الانتخابات التالية.
لم يقل أحد يومًا أن الحزب الديمقراطي الأمريكي "سيطر واستحوذ وكوش" على السلطة لأن منه الرئيس والحكومة وأغلبية البرلمان.. وكذا الحال في كل ديمقراطية في الدنيا.. فهل نحن بدعًا من العالم؟
4. عناد سياسي خاصة مع الإسلاميين.. مما سيفتت الأصوات الوطنية لصالح الفلول:
فقد أرجع نحو ربع من عارض القرار (47 يمثلون 21.3% من المعارضين) سبب قرار الإخوان إلى العناد السياسي مع المرشحين والقوى السياسية، لا سيما الإسلاميون وعلى وجه الخصوص الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ثم حازم أبو إسماعيل.
ولأن السياسة لا تعرف كلمة "العناد" خاصة في قضية مركزية وهامة كالترشح للرئاسة، فمن الصعب تفسير الأمر على هذا النحو والتصديق بأن مجلس شورى الإخوان قد وجد إمكانية للتنسيق مع أي من المرشحين على الساحة ثم انحاز- عنادًا- إلى اختيار قد يفهم على أنه حنث بالوعود وتقلب في الرأي وحب للسلطة.
أما موضوع تفتيت الأصوات فدعونا نرجئ نقاشه لسؤالي الثاني الذي سأطرحه قريبًا عليكم- إن شاء الله- حول تأثير ترشيح الإخوان للشاطر على المعركة الانتخابية نحو قصر الرئاسة.
وعلى الرغم من كل ذلك.. فإني أشعر بسعادة غامرة، وفخر عظيم بهذا الحراك السياسي الكبير الذي تموج به الساحة السياسية المصرية، فهو بلا شك- رغم سلبياته الكثيرة- أنفع للوطن من أجواء الاستبداد السياسي التي عشناها طوال عقود.
اللهم قيض لمصرنا من يقودها إلى بر الأمان، يعلي شأنها، وينصف مظلومها، ويحرس أمنها.. اللهم اختر لمصرنا قائدًا ربانيًّا يسمع كلام الله ويسمعها، وينقاد إلى الله ويقودها، ويحكم بكتاب الله وتحرسه... آمين.

نقلا عن إخوان أون لاين