مشاهدة النسخة كاملة : حصاد الربيع العربي (أسامة عبد الرحمن)


ابو نسيبة
04-09-2012, 09:07 AM
حصاد الربيع العربي (أسامة عبد الرحمن)

إن الربيع العربي الذي انطلق من تونس إلى أجزاء أخرى من الساحة العربية، وخلق حراكاً في الساحة العربية التي ران عليها الجمود السياسي، وانسداد الأفق قد أفرز وضعاً جديداً داعياً للديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات والعدالة والمساواة وسيادة القانون واستقلال القضاء ومحاربة الاستبداد والفساد .
لقد سقطت بعض الأنظمة الاستبدادية التي استأثرت بالسلطة والثروة لعقود وسيطرت على المشهد السياسي واحتكرته وأقصت الرأي الآخر والفكر المختلف .
ومثلت تونس ومصر صورة مشرفة ومشرقة للحراك الذي أذكت شرارة جذوته طلائع شبابية في تظاهرات سلمية رفعت مطالبها المشروعة، وحشدت لها أنصاراً على الساحة المجتمعية، واستقطبت الاهتمام المحلي والعالمي من خلال وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي . وتشكلت في كل من تونس ومصر صورة الوضع السياسي الذي بدت فيه الديمقراطية الحقيقية حاضرة من خلال الانتخابات النزيهة التي قادت إلى مؤسسات برلمانية ديمقراطية وتشكيل سياسي ديمقراطي، وإن لم يستكمل في بعض الأحيان الوضع الديمقراطي المتكامل .
وفي أجزاء أخرى من الساحة العربية كانت الصور مختلفة وكانت كارثية في بعضها، وتمثل في بعضها دخول الخارج عسكرياً، وفي بعضها الآخر دخوله سياسياً وفي بعضها الآخر أيضاً مأزق قاتم يبدو عصياً على الحل .
كان البعض قد رأى أن ما تمر به المنطقة العربية هو فوضى، وأنها ربما كانت منتجاً أمريكياً، إذ سبق أن بشرت الإدارة الأمريكية بالفوضى الخلاقة في المنطقة . وربما جاءت قضية التمويل الأجنبي لبعض المنظمات غير الحكومية في مصر، ومن بينها منظمات أمريكية، ليجد فيها البعض مبرراً لما ذهب إليه وتأكيداً لدور أمريكا في خلق الربيع العربي .
ولكن يرى آخرون أن الربيع العربي هو محض إرادة عربية صرف، انطلقت من طلائع شبابية في تظاهرات سلمية رافعة مطالبها المشروعة في ظل وضع متأزم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، واستئثار النظام الاستبدادي بالسلطة والثروة وترك القاعدة المجتمعية العريضة نهباً للفقر والفاقة والبطالة . إن اعتبار الربيع العربي منتجاً أمريكياً يعطي الإدارة الأمريكية ميزة لا تستحقها ولا تدعيها وينزع عن الإرادة الشعبية العربية حقاً هي أولى به وشرفاً هي جديرة به .
وفي كل الأحوال فإن تداعيات الربيع العربي لن تكون مقتصرة على حدودها، ولن تكون محصورة في زمانها، فقد أنضجت وعياً شعبياً واسعاً طلباً للحقوق وإصراراً على السعي في سبيل تحقيقها .
وإذا كان إفرازات الربيع العربي وتداعياته قد استقطبت الإعلام بكل أطيافه على الصعيدين المحلي والعالمي، ومن خلال الفضاء الإعلامي والمعلوماتي الواسع، بحيث بدت القضية الفلسطينية غير حاضرة بقوة، فإن محصلة الربيع العربي ستصب في مصلحة القضية الفلسطينية، حين تكون الإرادة الشعبية ذات دور فاعل في ظل أطر ديمقراطية حقيقية وحين تنقشع الغيمة التي ألقت بظلالها على الحقبة الراهنة .
وبديهي أنه في هذه الحقبة الراهنة ينصرف الاهتمام على الساحة المحلية إلى الشأن المحلي بصورة أساسية، وحين يتم تحقيق الأهداف الأساسية على هذا الصعيد ستكون القضية الفلسطينية حاضرة بقوة، وهي بالطبع ليست منفصلة عن تلك الأهداف بحكم ارتباطها العضوي بكينونة الأقطار العربية ووحدتها في مواجهة العدو الصهيوني الذي يمثل تهديداً للأمة .
لعل الربيع العربي كانت له آثاره أيضاً في الوضع السياسي الفلسطيني الداخلي، فلقد بدت حماس مبتهجة ببعض إفرازاته، وخصوصاً إثر صعود الإسلاميين في كل من تونس ومصر، ومثلت زيارة إسماعيل هنية لكل من تونس ومصر وغيرهما من أقطار عربية وغير عربية، صورة لذلك الابتهاج الذي انفتحت فيه ساحات كانت مغلقة أمام قيادات حماس، في وقت بدت فيه السلطة الفلسطينية الخاسر من سقوط النظام المصري الذي كان داعماً لها إلى أبعد الحدو، ومناهضاً لحماس من منطلق مخاصمته للإخوان المسلمين في مصر، ومن منطلق تناغمه مع التوجه الصهيوني والأمريكي الذي يصنف حماس في قائمة الإرهاب . غير أن حماس تبدو خاسرة أو في طريقها إلى الخسارة جراء الوضع المتأزم في سوريا وتفاقم الأحداث الدامية على ساحتها والوضع السياسي الصعب الذي تواجهه، وهو ما دفعها إلى التفكير في البحث عن مقر لها خارج سوريا وقد يكون كسباً لفتح، وفي مثل هذه الصورة تبدو قيادات كل من فتح وحماس كاسبة في موقع وخاسرة في موقع آخر . ولعل هذا ما دفع البعض إلى الاعتقاد بأن كلاً من فتح وحماس حاولت قراءة الواقع الجديد وتداعياته ومكاسبه وخسائره ومثّل ذلك ضغطاً على كلتيهما للالتفات إلى المصالحة .
وتظل القضية الفلسطينية أكبر من مكاسب القيادات الفلسطينية وخسائرها وهي حاضرة في صميم الإرادة الشعبية العربية التي لها الفضل في انطلاقة الربيع العربي، ومطالبه المشروعة من أجل حياة ديمقراطية حرة وكريمة . ولا يمكن أن تكون هذه الانطلاقة،
بهذه المطالب النبيلة للشعب العربي منتجاً أمريكياً، ولا فوضى خلاقة بشرت بها .

نقلا عن دار الخليج