مشاهدة النسخة كاملة : الإسلام وطلب السلطة والتنافس عليها (عصام تليمة)


أبوسمية
04-07-2012, 08:02 AM
الإسلام وطلب السلطة والتنافس عليها (عصام تليمة)

اشتدت المنافسة بين الإسلاميين وغيرهم على الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية في مصر، ولا شك أن هذه المنافسة تفتح بابًا كبيرًا للنقاش الفكري الإسلامي حول عدد من القضايا، ولكن ما لفت نظري هو محاولة استمالة كل طرف لتلميع مرشحه بأنه الأقرب إلى الله من غيره، وهو كلام غير دقيق وغير مقبول، ومن المعايير التي رأيت البعض يضعها ويفاضل بها: أن معظم المرشحين طلبوا الترشح وهو مذموم شرعًا، والبعض لم يطلبها بل طلبته الإمارة، وهو ممدوح، وذلك استنادًا لنصوص وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: "إنا لا نولي على هذا العمل أحدًا سأله، ولا أحدًا حرص عليه" وفي رواية: "لا نستعمل على عملنا من أراده".
ومنها: "يا عبد الرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها"، وغيره من النصوص، وقوله تعالى: (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ)(النجم: من الآية 32).
وأحب أن أوضح هذه القضية التي تتشاجر فيها الأقلام، والألسن، والحملات الانتخابية، فأوضح النصوص التي وردت بالمنع، ثم أبين أدلتي على الموقف من التنافس على السلطة، وطلب السلطة والترشح لها، أما قوله تعالى: (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ)(النجم: من الآية 32) فإنه هنا محمول على التزكية الدينية وحدها، كادعاء القرب من الله، وادعاء امتلاك الحقيقة الدينية، أو التألي على الله بالحكم على النفس بأنها من أهل الإيمان وأهل التقوى، كما قال اليهود والنصارى مزكين أنفسهم هذه التزكية الدينية، يقول تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) (المائدة: من الآية 18) ومثل قوله: (وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى)(البقرة: من الآية 111).
أما توجه النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الأحاديث التي منع منها تولي الإمارة من طلبها، فيقول الدكتور محمد عمارة: ربما كان ذلك تشريعًا خاصًّا بمجتمع المدينة ودولتها، فرعيتها معروفة للرسول صلى الله عليه وسلم، وباستطاعته وكبار الصحابة أن يختاروا أكفأ العناصر للمناصب العامة دون ترشيح.
كما أن المجتمعات البسيطة والتي تتكون في غالبها من فصيل عقدي واحد وبيئة ومجتمع بسيط، يسهل عليها مثل هذه التصرفات، والأسلوب السياسي الإداري بهذا الشكل.
كما يوجد في القرآن الكريم نصوص دلَّت على جواز ترشيح النفس في أي عمل يبتغي به الإنسان صالح المجتمع، وخدمة دينه، فمن ذلك قوله تعالى بعد أن فسَّر نبي الله يوسف الرؤيا لملك مصر، ووضع لهم خطة اقتصادية تحميهم من مخاطر المجاعة المتوقعة: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ 54 قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ 55) (يوسف).
وقول سليمان عليه السلام: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي)(ص: من الآية 35)، فنبي الله سليمان هنا: طلب الملك، وتشوف إليه، ودعا الله أن يهبه الملك، وليس أي ملك طلب، بل طلب ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وهذا دليل قوي من القرآن الكريم في سيرة نبي من أنبياء الله، جمع بين النبوة والملك، في الدلالة على جواز الترشح، وطلب المنصب شريطة أن يهدف من وراء ذلك طاعة الله والعدل، وليس مصلحة شخصية.
وعندما أراد نبي الله سليمان أن يُري ملكةَ سبأ ما آتاه الله من قوة، وما توافر لديه في دولته وأفرادها من علم ومكنة، أراد أن يأتي له من بلاطه وجنوده من يأتيه بعرشها قبل أن تأتيه مسلمة، فقال: (يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ 38 قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ 39 قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ 40) (النمل).
وقول تعالى عن نبي الله إبراهيم: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ 124) (البقرة).
وهناك نصوص من السنة والسيرة لا حصر لها كذلك تبين تنافس وترشيح الصحابة أنفسهم لمواضع المسئولية، وإن كانت مسئولية أخروية، ودعوية، فمن ذلك: عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند استعداده لقتال بني قريظة: "لأعطين الراية غدًا رجلاً يحبه الله ورسوله، ثم يفتح الله على يديه"، وقد اختلفت مواقف الصحابة تمنيًا لرفع اللواء، في عدة روايات، فقد قال عمر بن الخطاب: فما أحببت الإمارة قط إلا يومئذ وتطاولت إليها، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم دفع اللواء إلى علي رضي الله عنه.
وفي رواية أخرى عن عمر قال: فتساورت (تطاولت) لها رجاء أن أدعى لها، وفي الرواية الأخرى: أي حرصت على ذلك حتى أظهرت وجهي وتصديت لذلك؛ ليتذكر مكاني فأعطاها، كما قال: (رجاء أن أدعى لها).
وفي رواية: فلما كان الغد تبادر لها أبو بكر وعمر.
وفي رواية ثالثة: فغدا الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجون أن يعطيه الراية.
كما أن هناك سابقة تاريخية تدل على ذلك، فقد ذكر ابن كثير في قصة انتخاب عثمان بن عفان رضي الله عنه: "أن القوم خلصوا من الناس في بيت يتشاورون في أمرهم، فكثر القول، وعلت الأصوات، وقال أبو طلحة: إني كنت أظن أن تدافعوها، ولم أكن أظن أن تنافسوها ثم صار الأمر بعد حضور طلحة إلى أن فوض ثلاثة منهم، ما لهم في ذلك إلى ثلاثة، ففوض الزبير ما يستحقه من الإمارة إلى علي، وفوض سعد ما له في ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف، وترك طلحة حقه إلى عثمان ابن عفان رضي الله عنه، فقال عبد الرحمن لعلي وعثمان: أيكما يبرأ من هذا الأمر، فنفوض الأمر إليه، والله عليه والإسلام، ليولين أفضل الرجلين الباقيين؟ فسكت الشيخان علي وعثمان، فقال عبد الرحمن: إني أترك حقي من ذلك.
يقول الدكتور عبد الكريم زيدان: فسكوت علي وعثمان رضي الله عنهما دلالة ضمنية، ولكنها صريحة وواضحة على ترشيح نفسيهما لمنصب الخلافة، وهذا الترشيح منهما في الحقيقة هو من قبيل الدلالة على ما ينفع المسلمين لما يحسّه كل منهما من نفسه من كفاءة وقدرة على خدمة المسلمين عن طريق تولي منصب الخلافة بانتخاب المسلمين له.
فمن يجد في نفسه كفاءة وكان قد استوفى الشروط المتطلبة في المنصب، فله أن يرشح نفسه ما دام يبغي المصلحة العامة ويبتعد عن التكالب، ويجتنب الافتئات على مَن هو أولى منه، ويؤيد هذا الاتجاه الإمام الماوردي في الترشح للإمامة فيقول: (وليس طلب الإمامة مكروهًا فقد تنازع فيها أهل الشورى، فما رد عنها طالب، ولا منع منها راغب، واختلف الفقهاء فيما يقطع به تنازعهما مع تكافؤ أحوالهما، فقالت طائفة: يقرع بينهما، ويقدم من قرع بينهما.
ويقول عن الترشح للقضاء: "إن كان طلب القاضي لحاجته إلى رزق القضاء المستحق في بيت المال كان طلبه مستحبًا، وإن كان لرغبة في إقامة الحق، وخوفه أن يتعرض له غير مستحق كان طلبه مستحبًا، فإن قصد بطلبه المباهاة والمنزلة فقد اختلف في كراهية ذلك مع الاتفاق على جوازه".
أردت بهذه الوقفة أن يكف المروجون للمرشحين من إشهار سيف الدعاية الدينية على المخالفين، أو بسط بركتهم بالتزكية لشخص دون آخر، فرجاء لا تضعوا الإسلام ونصوصه في حرج في المقابلة بين الأشخاص، فالإسلام أعلى وأرقى من ذلك، وهي منافسة نريدها شريفة لا نلبس عباءة الدين لمرشح دون أحد، وكل ما يهمنا هنا: من يتحقق بترشحه: العدل، والمساواة، والحرية والكرامة الإنسانية للناس جميعًا.

نقلا عن إخوان أون لاين