مشاهدة النسخة كاملة : دعوة إلي الحديث في العمق (محمد يسلم ولد يرب )


ابو نسيبة
04-06-2012, 08:00 AM
دعوة إلي الحديث في العمق (محمد يسلم ولد يرب )

ما كان لمن تربطه بهذا الوطن العزيز وشائج الدم والرحم و القربى، ويتعلق به موطنا ومأوي، ويختاره مكانا للعيش ومثوى، أن يسكت عن قول كلمة الحق و توضيح الرؤية، والإسهام في إعلاء الحق، كما يملي ذلك الضمير، ويوجب ذلك الشرع الحنيف، حتى يتضح السبيل ويستبين الحق للجميع.
وأول ذلك وأهمه، التأكيد علي أولوية الحفاظ علي ثوابت هذا الوطن و قيمه، وما يضمن تماسكه وحفظ كيانه وهويته، ويعين علي مواصلة دوره في الإشعاع العلمي، ونشر الدين الإسلامي الحنيف، والدعوة إلي الله، كما دأب علي ذلك الشنقيطي حيثما حل وارتحل، تاجرا، أو زائرا، أو حتى عابر سبيل..
ثم التطرق بأمانة وموضوعية، و عدم انحياز لرأي دون آخر، في محاولة جادة لسبر الواقع، بكثير من الرويّة و التعقل، وأعمق مستوى ممكن من التحليل المتبصر، بحثا في الاختلالات أولا، والمزايا والمكاسب ثانيا، للخلوص ثالثا إلي التنويه بما يجب فعله أو تركه، حتى يتم التغلب علي تلك الاختلالات، ويتحقق الهدف المنشود من بناء وتشييد واعمار، وفقا للمبدأ السامي لخلافة الإنسان لله في الأرض، للعمل فيها علي ضوء شرعته ومنهجه.
والحق أن هذا المقصد الجليل، والواجب العظيم، يقع أول ما يقع علي عاتق ذوي الرأي السديد، والعلم الغزير، والفكر الثاقب من العلماء والمفكرين و المثقفين، الذين يحملون هم هذا الوطن ويستشعرون واجب النصح له والحرص علي مصالحه العليا.
ولعل من أبرز هؤلاء وأجلهم، العلامة الجليل، مفخرة البلاد وعزها، وسليل حملة لواء مجدها و سؤددها، من لا يسعني عند ذكره إلا قول الإمام مسلم للإمام البخاري، "دعني أقبل قدميك، يا مطبب الحديث في علله"! ، الشيخ محمد الحسن بن الدّدو.
فلقد أخذ القسط الأوفر من النصح للمسلمين، حين ذكر بموقف الشرع من علاقة الحكام و المحكومين، وما يخرم (بالحاء المعجمة) العقد مع من تولي أمر الرعية وما يوثقه، فأفاد بذلك و أجاد، في جرأة من لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يقول علي الله إلا الحق، لا يهم بعد ذلك، إعجاب من أعجب، وكره من كره، ما دام القول مرضاة للرب وأداء لواجب النصح لأئمة المسلمين و عامتهم، فجزاه الله عنا خير الجزاء.
إلي جانب ذلك سمعنا آراء فقهية أخري، لا أشك لحظة في صدق نوايا الذين أبدوها، ولا أحط من مكانتهم العلمية العالية، وحرصهم علي مصلحة البلاد و العباد.
جاءت مجمل تلك الآراء، تعقيبا أو تعليقا، تأكيدا أو توضيحا لقول الشيخ و موقفه، وصبت في مجملها علي التذكير بضرورة عدم الخروج علي ولي الأمر، من باب تفادي الفتنة ووجوب الفرار منها، في القول و الفعل، إذ من المعلوم، عندنا معشر أهل السنة والجماعة، أن السمع و الطاعة واجب شرعي، ما لم نر كفرا بواحا، ف "سلطان غشوم، خير من فتنة تدوم"
وإنني، علي خلا ف الكثيرين في فهمهم لمختلف الآراء الفقهية التي تم التعبير عنها، لا أجد تناقضا ولا تعارضا فيما ذكره علماؤنا وفقهاؤنا الأجلاء.
فواجب الابتعاد والفرار، قولا و فعلا، من كل ما قد يجر إلي أتون الفتنة، والحرب بين المسلمين، لا يتنافي مع تذكير الحكام بواجباتهم الشرعية، وتذكير المحكومين بحقوقهم في تولية من يختارون و عزل من لا يريدون !
كل ما هنالك أن التولية أو العزل، لا يكونان إلا بطرق سلمية، حتى ولو كان الكلام "مسلحا" أو شديدا في بعض الأحيان. فهذا شيخ ضعيف قد طعن في السن يقول لأبي بكر، رضي الله عنه حين خاطبهم قائلا: " لقد وليت أمركم، ولست بأفضلكم، فأطيعوني ما أطعت الله"، يرد عليه في عفوية وحماس، وقد رفع سيفه: "إن اعوججت، قوّمناك بسيوفنا" ، فلا ينكر عليه أبو بكر رضي الله عنه، ولا ينهره ولا يسجنه، ولا تقوم حرب، ولا فتنة، ولا هم يحزنون..
فما أروعه من مثل في الديمقراطية و حرية التعبير، واحترام الرأي الآخر، وقبول المعارضة، بل تزكيتها، ما دامت في حدود الشرع، من السلمية التي لا تنافي الجرأة علي الجهر بالحق، والحرص علي المصلحة العامة و تقديمها علي المصلحة الخاصة من طرف الجميع.. وعدم قمع للفكر ولا الرأي المخالف، حتى ولو كان المعاكس في الرأي أو القول، خليفة رسول الله صلي الله عليه وسلم الأول، وأفضل الصحابة و أجلهم..
هذا عن التجاذب في الآراء الفقهية حول علاقة الحاكم و المحكوم، مع الخلفية السياسية الواضحة لذلك التجاذب، لكن الأهم اليوم، حسب رأيي، هو الحديث بجد و صدق وعمق عن واقعنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بشكل يفيد في تنوير الرأي العام و توجيهه نحو الأقوم و الأصلح لحال و مآل البلاد و العباد..
فلا يكفي أن يخرج علينا خبير أو محلل سياسي في مقال مطول و موثق وممل، وان كان مفيدا، يستعرض فيه الفترات الرآسية للحكومات المتعاقبة، في عرض أشبه بالتوثيق منه بالتحليل والمعالجة..لينتهي بنصحنا بتأييد النظام القائم، لأنه الأفضل و الأصلح..
ولا يكفي كذلك أن يخرج علينا معارض متطرف، لا يعرف ما يعارض ولا ما يساند، ليقول لنا أن هذا النظام شر كله ولا خير فيه.. وبالتالي لابد من مصارعته ومنازلته كلف ذلك ما كلف.. ولوعلي حساب أمن و استقرار البلد، واطمئنان ساكنته علي أنفسهم وممتلكاتهم..
كل ذلك لا يفيد.. لسبب بسيط ووجيه، وهو أن عدم الحديث بصراحة عن المشاكل الحقيقية للبلد.. خطأ فادح، وتقصير مخل ومعيب..
فالمشاكل العميقة لبلدنا، من قبيل:
- ضبط آليات تداول السلطة بشكل سلمي و سلس، والتوافق عليها و احترامها، والتأكيد علي الطابع المدني للحكم في نظم الجمهوريات الحديثة، مع ضرورة الفصل بين السلطات، و مشكل هيمنة المؤسسة العسكرية علي السلطة منذ 1978..
- وكذا مشكل التوازنات القبلية و الجهوية والعرقية، و حتى الطبقية، علي التعيينات والمناصب القيادية، وتغليب الانتماء القبلي علي أي ولاء للدولة.. وما ينتج عن ذلك من خلل قيادي وسياسي بالضرورة..
- والهوية الحضارية للبلد، وهي الهوية الإسلامية-العربية-الإفريقية، و ما يتهددها، ومكانة البلد العلمية التاريخية وواجب الحفاظ عليها، والعمل علي مواصلة إشعاعه الحضاري، بإعطاء كامل العناية المادية و المعنوية للمحظرة والعلم والعلماء..
- والوحدة الوطنية وأولوية الحفاظ عليها و تعزيزها بخطوات عملية تتجاوز النوايا الحسنة، والحبر علي الورق.. عن طريق سن فوانين وتشريعات تقتضي التشجع المادي مثلا، علي التزاوج والتمازج بين مختلف مكونات الشعب.. ، وسن قرارات بتمدرس كل مكونة عرقية أو قبلية خارج ولايتها، وإنشاء الداخليات والمطاعم والمرافق المدرسية الأخرى اللازمة لذلك، فالمدرسة الحديثة تبقي هي القالب الأمثل لصناعة المواطن، علي حد قول ابيير بوردييه..
- وتفشي الأمية والجهل، خصوصا في صفوف مكونة اجتماعية مهمشة ثقافيا وتاريخيا، وضرورة محاربة ذلك، عن طريق تبني الدولة لأطفال هذه الشريحة ماديا والصرف عليهم حتى إكمال جميع مراحلهم الدراسية..وكذلك إصلاح التعليم العام بصرف أكبر الأجور ومنح كافة الامتيازات المادية والمعنوية للمعلمين والأستاذة، إذ يشكلون الحلقة الأهم في كافة العملية التربوية..
- وانتشار الفقر المدقع وإلحاح محاربته، عن طريف الحد من سوء توزيع الثروة الوطنية، وتكدس رأس المال في يد ثلة قليلة ومكونة اجتماعية شبه واحدة.. عن طريق اعتماد تمييز ايجابي، مثلا، في القروض والتمويلات لصالح الفئات الأكثر فقرا و تهميشا..
- وكذلك مشكلة الرق المخالف للشرع أصلا وروحا ومقصدا، وواجب القضاء علي جميع مظاهره و مخلفاته وضرورة محاربته في الدور والمنازل والقرى والخيام والبيوت، وذلك من طرف الأئمة والعلماء.. قبل غيرهم،
- والتبعية المطلقة للمساعدات الخارجية في الغذاء، والعجز الفاضح عن تحقيق أي نوع من أنواع الاكتفاء الذاتي ولو في الخضروات والبقول، كالبصل و البطاطا والجزر والطماطم، التي لازلنا نستوردها بالعملة الصعبة من المغرب و السنغال، نظرا لأن الزراعة عندنا تعاني من معوقات هيكلية، وبنيوية، تاريخية، مستعصية علي كل الحلول، تتمثل في مشكل ملكية الأرض وعدم استفادة المزارعين المباشرين، الفعليين، الذين يزرعون الأرض بأيديهم وبأدواتهم البدائية، في حين تصرف المساعدات والتمويلات إلي المتنفذين المفسدين، الذين لا يزرعون ولا يبذرون، وتظل الأرض التي لا يحيون ولا يستصلحون ملكا لهم!
- والنقص الحاد في الشفافية الذي يحيط باستغلال ثرواتنا المعدنية، ومنح الرخص، والتعاقد مع الشركات الأجنبية، وتوضيح ملابسات و ظروف بيع ثروتنا السمكية، وطرق وآليات تفويت الصفقات العمومية، وسبل توسيع دائرة المستفيدين منها، فالشفافية المطلقة يجب أن تضمن في كل صفقة عمومية مهما كان حجمها ومستواها، حيث يجب الكشف في وسائل الإعلام عن أدق تفاصيل الصفقات العمومية، بنشر حجمها، قطاعها، هوية منفذها، مبلغها المحدد، آجال تنفيذها، الضمانات الممنوحة من طرف الجهة المنفذة، وآليات الرقابة و هويات ومؤهلات القائمين عليها..
أضف إلي ذلك النظرة المتجذرة والمستعصية للدولة، والمال العام، و المرافق العامة، و مؤسسات الدولة، ككيان خارج عنا، شبيه بإدارة المستعمر، وبالتالي استباحة التحايل والغش في التعامل مع الدولة..،
ذلك، وغيره من جملة مشاكلنا العميقة، يضاف إلي ما أسميه " تأبيد الأطر القديمة البالية لتحرك الفرد" ، في انحيازه، و قناعاته، وعمله، وسلوكه ،وممارساته.. مهما كان مستواه العلمي و الثقافي ...مما يكون له الأثر البالغ، لا محالة، علي عقلية الطاقم البشري المهيأ علميا لقيادة وطننا العزيز... إذ ينعكس هذا التأبيد لتلك المجالات القديمة لتحرك الفرد، عن قصد أو عن غير قصد، علي بنية الدولة وكيانها..وهو ما أعطانا، بعد خمسة عقود من الاستقلال، دولة متخلفة في كافة المجالات، حتى الرياضة البدنية..
دولة لازالت تتعصي وتمانع التحديث والحداثة والتجديد والعصرنة والتمدن، في البنية، و الهيكل، والأسس..
هذه في العمق أهم المشاكل الحقيقية التي تعانيها موريتانيا الحديثة، موريتانيا الدولة، موريتانيا الوطن، الذي يفترض أن يكون الحاضن والراعي لجميع المواطنين، علي قدم المساواة..
لذلك أدعو ساستنا، مفكرينا، علماءنا، مثقفينا، طليعتنا، إلي الحديث في العمق عن هذه المشاكل الحقيقية للبلد..
ولئن كان لي من رأي سريع أدلي به في نهاية هذه المقالة، فلن يكون ذلك الرأي إلا إيماني الراسخ، وقناعتي التي لا تتزعزع في أن حل كل هذه المشاكل لا يوجد إلا في الإسلام، ديننا الحنيف، لحمة مكونات شعبنا المختلفة، وصمام أمان واستقرار بلادنا، ملاذنا الأول و الأخير، ومصدر الهام شبابنا المتطلع إلي غد افصل..
فلن يتم تقدم، ولا بناء، ولا عصرنة ولا رقي، ولا ازدهار، في بلادنا إلا عن طريق الإسلام..
ولتعميق هذا الرأي لا بد من مقالات أخري..مني و منكم .. فلا تبخلوا، بالجهد قي التفكير والتضحية بالوقت، مهما بلغت كثرة المشاغل.. من أجل الحديث في العمق، عن مشاكل هذا الوطن وهموم أهله، وسبل علاجها.

نقلا عن الأخبار