مشاهدة النسخة كاملة : الكلمة المأجورة.. (إخليهن ولد الرجل)


ابو نسيبة
04-05-2012, 07:02 AM
الكلمة المأجورة.. (إخليهن ولد الرجل)

يعتمد الحكام المستبدون في تدعيم ملكهم وقهر شعوبهم أول ما يعتمدون على شراء أصحاب الكلمة وسادة البيان وخصوصا علماء الدين منهم.
فحيث يوجد الاستبداد السياسي يوجد الأتباع المتملقون وأصحاب الكلمة المأجورة الذين يستخدمون معارفهم في خدمة المستبد والتشويش على مسيرة الإصلاح والغمز في قافلة الخير، فَيُحَرِّفُونَ الكلم، ويلون أعناق النصوص من أجل تزييف الحق وتدعيم أركان الباطل.
ويبدو من استقراء تاريخ الأمم والشعوب أن ظاهرة قلب الحقائق ولي أعناق النصوص ظاهرة قديمة ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ.
فقد حدث القرآن عن قوم من بني إسرائيل ( وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ).
فلم يُأتَ هؤلاء من نقص في العلم أو ضعف في الفهم بل هم دارسون للكتاب عالمون بأحكامه ، ولكنهم لم يتكيفوا به ولم تتأثر به حياتهم ... وكلما رأوا عرضا من أعراض الحياة الدنيا تهافتوا عليه، ثم يتأولون فعالهم الذميمة، ويقولون : « سَيُغْفَرُ لَنَا» ...
وهؤلاء نموذج لكثير من علماء البلاط الذين ألجمهم الطمع وحب الدنيا عن قول الحق، وقعدت بهم هممهم الواطئة من أن يحفظوا للعلم حقه، فاتخذوه وسيلة لتبرير خطيئات ظالم، والدفاع عن نزوات حاكم مستبد.
أرى الناس من داناهم هان عندهم ** ومن أكرمته عزة النفس أكرما
ولو أن أهل العلم صانوه صـانهم ** ولو عظمــوه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه، فهان، ودنســـــــوا ** محياه بالأطمـــاع حتى تجهمـا
فالعالم إنما ينال الهيبة، ويحتل المكانة عند الله وفي قلوب الناس إذا تقيد بمقتضى العلم الذي يحمل، وأخذا نفسه بالعزيمة، ولم يمالئ الظالمين.
أما أن يكون العلم مجرد وسيلة تستخدم في تدعيم الباطل وتشييد أركانه فذلك هو الضلال المبين، وتلك هي الغواية بعينها : (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ).
ومن هنا فقد ورد في الكلم النبوي التحذير من أئمة الضلال، أخرج الإمام أحمد في مسنده(27525) وصححه شعيب الأرنؤوط عن أبي الدرداء قال : عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه و سلم : (أن أخوف ما أخاف عليكم الأئمة المضلون).
فسماهم أئمة ووصفهم بأنهم مضلون، وذلك لأنهم علماء متمكنون في العلم، ولكنهم يلبسون الحق لبوس الباطل، ويزيفون الحقائق من أجل دراهم معدودة، وقد قال الله في شأن هؤلاء : (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ).
ومن تتبع تاريخ الشعوب المسلمة يجد أنه لم يستخدم شيئا في خدمة الاستبداد وتدعيم أركانه كما استخدم الدين، فقد ابتليت شعوب الشرق المسلمة بعلماء يُنَظِّرُونَ لحكم الفرد، ويخاصمون الحرية باسم الدين!!
فـ"الثورة" في فقه هؤلاء فتنة، و"تغير المنكر السياسي" في عرفهم خروج على السلطان، و"الحاكم المستبد المعطل لشرع لله" في مذهبهم خليفة لرسول الله!!
وعلماء البلاط لا يحتملون أن يجهر صوت بالحق، ويكرهون أي نداء بالإصلاح خشية أن يكشف زيفهم للجماهير الذين طالما خدعوها وتلاعبوا بعقولها باسم الدين.
وقد لاحظ الشيخ عبد الرحمن الكواكبي رحمه الله : أن الاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني، و( أنهما أخوان أبوهما التغلب وأمهما الرياسة، أو هما صنوان قويان بينهما رابطة الحاجة إلى التعاون لتذليل الإنسان...)[الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع العباد/45].
والحقيقة أن الدين الذي يقف في وجه الحرية، ويوطد أركان الاستبداد هو دين آخر غير دين الإسلام، قد يكون اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك، ولكن المؤكد أنه ليس دين الإسلام.
ونحن لا ننكر أن ناسا وظفوا تعاليم الإسلام في خدمة الاستبداد والوقوف في وجه تحرر الشعوب الطامحة لنيل حقوقها، فإذا ما ثار شعب وانتفض لكرامته واجهوه بسلطان الدين، ليوقفوا مسيره..ولكن ذلك تحريف وتزييف لا يعبر عن تعاليم الإسلام.
وما أكثر ما عانى شعبنا الموريتاني من علماء لبسوا عليه وغيبوا عنه الحقائق، وروجوا له فقه الخنوع، فمنذ أن استقلت الدولة الموريتانية وحكامها يوظفون بعض من نال حظا من العلم ورق تدينه في تثبيت قبضتهم على سدة الحكم.
وقبل يومين خرج علينا بعض من هؤلاء - الذين يبدو أنهم لم يأخذوا الدرس والعبرة من حكم والد الطايع – ليهاجموا قافلة الخير، ويغمزوا في العلماء الربانيين وفي دعاة الإسلام، وليروجوا لفقه الخنوع والذل والاستسلام، حتى قال أحدهم بكل جرأة وفي تلاعب سافر بحقائق الإسلام : "ألا يدرون أننا أسري لدي الغرب، وأن الرئيس ووزرائه لو خالفوا بعض مواد الدستور أو مبادئ حقوق الإنسان أول النهار لسقطوا آخره!"
وهي مقولة شبيهة بما حكاه القرآن عن قوم من المنافقين: ( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ) [المائدة : 52]
ونسأل هذا الفقيه ما العيب في سقوط الحاكم؟ أليس خيرا له أن يسقط من أن يدخل النار؟!!
سيدي الفقه..أراك ناصحا غير أمين..
وقال الفقيه : " جربوا السكوت .. استعملوا الأيدي التي وهبكم الله عز وجل لتغطية أفواهكم متى سألتم عن بعض الأمور التي لا تعرفون.. تعلموا قول لا أدري، لماذا الاندفاع نحو الكلام في أمور خطيرة".
ولم يكتف الفقيه بدعوة المسلين للسكوت، وتغطية الفم بل دعا إلى وضع فقه الخنوع في النظام الدراسي وتقريره كمادة ثابتة تدرس للطلاب، حتى ينشأ جيل داجن لا يحسن شيء غير فعل الحيوان الأليف.
ونحن نسأل هنا: لمصلحة من يقال هذا الكلام؟ أهو الحرص على خدمة الدين؟ أم هو الحرص على تبليغ "تعاليم الإسلام" والنصح للمسلمين؟ كلا وربي. بل هو الطمع والحرص على دراهم السلطان والخوف من غضبه هو الذي دفع الفقيه لدفن الحق وقلب الحقائق.
وإلا فإن النصوص صريحة في التحذير من الركون إلى لظالمين، والدعوة إلى الانتفاض ضدهم وتغيير منكرهم السياسي، واعتبار ذلك من أفضل الجهاد، واعتبار الشهيد فيه سيد الشهداء.
وهي صريحة كذلك بإلزام العلماء بالنهوض بأعباء ميراث النبوة، والوفاء بمقتضى الميثاق الذي أخذه الله عليهم بالجهر بالحق وبيانه، والصدع به وعدم كتمانه.. للهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهديين.

نقلا عن الأخبار