مشاهدة النسخة كاملة : فقه الاختلاف..(سعيد إسماعيل علي)


أبو فاطمة
04-04-2012, 06:33 PM
فقه الاختلاف..(سعيد إسماعيل علي)

عندما مرَّ الخليفة أبو جعفر المنصور بالمدينة المنورة، وهو يقوم بأداء فريضة الحج، وطلب رؤية الإمام مالك، أخبر الخليفة إمامنا بأنه قرأ كتابه (الموطأ) فوقع منه موقعًا حسنًا ملأه بالتقدير والإعجاب؛ ما دفعه أن يقول للإمام أنه سوف يأمر ولاته في الأمصار المختلفة باعتماد هذا الكتاب، فإذا بالإمام يشعر بفزع بدا عليه واضحًا راجيًا الخليفة ألا يفعل، مع أن أمرًا مثل هذا لو وقع لكِتَاب أي مفكر معاصر فسوف تغمره السعادة.
ما الفرق بين الأمرين: قديمًا، وحديثًا؟
الفرق أن الموقف الأول كان يعبِّر عن فهم دقيق وعميق للإسلام، في وقت لم تكن فيه رايات الديمقراطية والتعددية مرفوعة بصيغها المعروفة، ولم تكن صيحات "الليبرالية" منشورة، بشكلها الذي نعرفه، لكن هذا الفهم الدقيق والوعي العميق للإسلام، جعل الإمام مالك يُدرك قيمة سنة "الاختلاف" التي خلق المولى عزَّ وجلَّ عليها مختلف البشر، منذ آدم عليه السلام، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وفي عصرنا الحاضر حيث رايات الديمقراطية، وصور التعددية، وصيحات الليبرالية، تحكمها "المصلحة"، التي تُعتقل كثيرًا في الدائرة الفردية الضيقة، إذا بفوز المناصر هو عين الديمقراطية، وفوز المخالف هو نتيجة إما تزييف مادي أو تزييف وعي أو سوء استغلال لدين إلى غير هذا وذاك من أمور تنتهي كلها في حقيقة الأمر إلى هدر لقيم الديمقراطية، وتزييف للوعي الليبرالي، وهدم لقاعدة الاختلاف وسنة التعدد.
وإن مَن تأمل جيدًا في قول المولى عزَّ وجلَّ في سورة الحجرات: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ 13)، يستطيع أن يلمس عدة معان:
- أن الاختلاف والتباين والتغاير سنة إلهية، قضى الخالق عزَّ وجلَّ أن يعيها الناس.
- أن الوعي بهذه السنة، سنة التغاير والتباين، لا بد ألا تظل محل وعي فحسب، بل لا بد أن تنتقل من حيز التفكير والفهم والفقه إلى رحابة التطبيق والسلوك وتنظيم الحياة، بأن يكون الاختلاف والتباين سبيلاً "للتعارف"، كناية عن تبادل الفكر والرأي والمنفعة.
- أن الفيصل في التفاضل بين الناس، ليس هذا وذاك مما يتصوره كثيرون، من مال وجنس ونوع، ومكان وزمان وأصل، وإنما هو "التقوى" التي هي "مجمع" الفضائل، ومكارم الأخلاق، ومناط التقدير، ورفعة الشأن عند المولى عزَّ وجلَّ.
- ولا بد أن يدفعنا هذا في الوقت نفسه، إلى أن نكشف زيف بعض رايات يرفعها دعاة ديمقراطية، وأنصار ليبرالية، مزيفون، بأن التباين والاختلاف مدعاة صراع لا "تعارف"، فكان الترويج لمقولة "صراع الحضارات"، وهي صورة من صور التواصل بين موجات فكر غربي، تمثل لدى دارون في نظريته التي قعّدت للصراع بين الأنواع، وماركس الذي قعّد للصراع بين البشر.
وهذا الذي قرره الخالق عزَّ وجلَّ، ونبّهنا عليه في آيات أخرى، مثل قوله تعالى في سورة الروم: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ 22) (الروم)، وفي سورة يونس: (إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ 6)، وغير هذه وتلك من آيات قرآنية.
ولا يتسع المقال الحالي بطبيعة الحال أن نتوقف عند كل آيات الاختلاف، لكن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن هذه الآيات كلها ينبغي أن تنبه كل ذي مرجعية إسلامية ألا يفزع من هذا الكم الغريب من المعارضات الحالية، ومن ثَمَّ ضرورة أن يتسم بسعة الصدر والصبر، والتزام الجدال بالتي هي أحسن، وأن من الأفضل أن يدفع بالتي هي أحسن؛ حيث غالبًا ما يُنتج ما يجعل العدو السابق وليًا حميمًا.
ولعل ما ينبغي لفت النظر إليه هنا أن صدق الوعي بسنة الاختلاف هي التي أثرت الفقه الإسلامي بكمٍّ من الأفكار والأحكام والمذاهب، ما لم يتوافر لحضارة ما، وأصبح من العبارات الشائعة عند السؤال عن الحكم أو الرأي في قضية أن مشكلة ما البدء بمقولة: "فيها قولان..!!"، كأن هذا قد أصبح قاعدة ينبغي الاحتكام إليها.
وفي العلوم التربوية والنفسية، عرفنا علمًا ضخمًا يقوم على "الفروق الفردية"، وبناء عليه قامت حركة ضخمة من الاختبارات والمقاييس التي ترصد صور الفروق والاختلاف، وكان من الضروري أن ينعكس هذا على ما يصعب حصره، والإشارة إليه من تأكيد ضرورة التنويع في طرق التعليم، ومحتويات التعلم، وتنويع مراحل التعليم وأنواعه، حتى يمكن مقابلة اختلاف الميول والقدرات والاستعدادات.
ولعل هذا أقوى مبرر يجعل القهر والاستبداد مما يغاير سنة الله في خلقه، ومن ثم وجبت معارضته، بل والسعي تحت مظلة الجهاد لإسقاط نظم الحكم التي تقوم على هذا القهر وذاك الاستبداد؛ حيث إن أبرز مظاهره: تسييد وجهة نظر واحدة يراها الحاكم المستبد ويسعى بكل أجهزته الثقافية والإعلامية والتعليمية أن "يقُدّ" ملايين الناس على قدها، وهو ما رأيناه، وما زلنا في الكثرة الغالبة من المجتمعات العربية والإسلامية، تلك المجتمعات التي من المفروض أن تكون هي الأولى من غيرها في رفع رايات الحرية والديمقراطية والتعددية والاختلاف.
وسنة الاختلاف هذه تتطلب السير في خطوات ثلاث: أولها الاعتراف، أي أن يعترف كل طرف مختلف بالطرف الآخر، وحقه في أن يرى ما يراه غيره، وفقًا لقواعد المنطق والمنهج العلمي المنضبط.
ثاني الخطوات: التعرف، أي لا بد من أن يسعى كل طرف من الأطراف المتباينة المختلفة إلى فهم الرأي المغاير واستيعابه، ودراسته من مختلف أركانه وجوانبه.
الخطوة الثالثة، هي سدرة المنتهى في القضية، ألا وهي "التعارف"، وهو بمعنى التفاعل الذي لا ينبغي أن ينتهي إلى خصومة وتقاتل، وإلا لم نصل إلى الغاية المنشودة، وهذا التفاعل ربما ينتهي بأحد الأطراف إلى التخلي عن وجهة نظره، والإقرار بصحة رأى الآخر، وقد ينتهي إلى الاتفاق على صيغة مشتركة، وقد، وقد،،، عديد من الاحتمالات المتوقعة.
ولعل أخطر جريمة نشاهدها يوميًّا على العديد من شاشات التلفاز هي هدر مثل هذه القواعد والأصول، حتى ليشعر المشاهد وكأن مقدم البرنامج يسعد أكثر كلما احتدم الاختلاف، واشتعلت حرارة التباين؛ لأن القضية تحكمها سياسة "الإعلان" وليس الوعي والتنوير والمصلحة الوطنية، وبالتالي يحكمها كم الدخل المالي الذي يتدفق كلما اشتعلت نيران الاختلاف.
لكن هذا لا يعني المنع والمحاربة، وإلا وقعنا فيما لا نتمناه، وإنما لا بد من التفكير في مواجهة هذه المشكلة الخطيرة، التي تؤجج نيران الاختلاف وتنحرف به إلى التخاصم والتضارب، وهو الأمر الذي أصبح المشكلة الكبرى في مصر الآن، وكأننا أصبحنا كما يقول سبحانه وتعالى في سورة الحشر: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ 14).
فمن يكون المنتصر؟ لا أحد، وليت الأمر يمكن أن يقتصر على فريق دون فريق، ولكن الوطن كله هو الخاسر، ولا قيام لمواطنين أحرار بغير وطن حر، كما لا وطن حر بغير مواطنين أحرار، ومعيار الحرية هنا وهناك هو العمل وفقًا لسنة الله في خلقه.. الاختلاف المؤدي إلى التعارف، لا إلى التنابذ!.

نقلا عن إخوان أون لاين