مشاهدة النسخة كاملة : لما ذا نعارض عزيز؟ (عبد الرحمن المصطفى)


أبوسمية
04-03-2012, 07:28 AM
لما ذا نعارض عزيز؟ (عبد الرحمن المصطفى)

بعيدا عن عرض القدرات اللغوية على صفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية من قبل غلمان الأغلبية، وبعيدا عن استغلال فرصة "الشهرة" في الدفاع عن "ازر الخاوي"، أريد أن أسطر حجتي وحجة غيري، وهم كثر، في معارضة نظام الغلمان، الذي يقوده الجندي في الجيش الموريتاني الرافض لتنفيذ أوامر قادته، محمد ولد عبد العزيز.
سمعنا كثيرا من شباب الأغلبية وكهولها توصيفهم الرومانسي للواقع الموريتاني، وكيف أن الله تبارك وتعالى حوله إلى جنة يحسدها الأعداء ويغبطها الأصدقاء، وهي مفردات لغوية لكل الحق في استخدامها وتطويعها لأي غرض كان وتحت أي ظرف كان!.
لقد قال عزيز في حملته إنه يحارب الفساد وينحاز للفقراء، ويمقت التلون السياسي، ويريد خلق طبقة سياسية جديدة تحيل ممتهني هذي المهنة إلى التقاعد، فقد آن لهم أن يستريحوا ويريحوا، وبعد أربع سنوات عجاف من حكم الرئيس عزيز – كان بإمكانه أن يقدم نظريا نصف البرنامج الانتخابي الذي تعهد به – بدا أننا نمعن في السير ولكن إلى القهقرى، فالبلد في حالة يرثى لها، فالفقراء يزدادون يوما بعد يوم والأغنياء يتناقصون كذلك، والحكومة باقية لا تهزها المشاكل ولا تزحزحها سلبيتها التي غطت على كل شيء، والسبب في ذلك هو أن الرئيس إنما انتقى أعضاءها على أساس ضمان الولاء لا على أساس الكفاءة والنزاهة، فلقد كان من إيجابيات معاوية – القليلة – تبادل الوزراء حتى يشعروا بأنهم يمكن أن يسقطوا فيستفيد الشعب من حماسة الجدد وخوف القدماء، وتلك سنة قضى عليها في الزمن العزيز.
الشعب الموريتاني شعب طبيعي لا يرنوا إلى "ما لا طمع فيه"، ولذلك كان يكفيه لو لم يضايق في رزقه، ويلعب على عقله، بضربه وسلب حريته وقيمته، ثم يقال له اسكت فأنت في نعمة ما حصل عليها جيرانك ولا الأبعدون، ولكنك بانتقادك لها إنما "تفركص" فيها، وسمع ذلك كثيرون ثم سرعان ما تراجعوا إذ إن الأماني والشعارات الجوفاء لا تطعم الجياع ولا تشفي المرضى، وبين التطبيق والتنظير بون شاسع.
في سلسلة متراصة متتالية من المقالات التي يكتبها متدربون جدد في صف الأغلبية، نرى العقل الأغلبي لا يطمح إلا إلى الشرح والتعليق لما يقوله عزيز وكأنهم يخشون "الخروج على النص" لأن من كذب عليه عمدا أو خطأ فسيتبوأ مقعده من سجن دار النعيم، والتهمة الجاهزة، وسيصدق فيها هذه المرة، هي تهمة من لا تهمة له "مفسد"، وهذا يجرني إلى تحرير مفهوم مرتكزات البرنامج الانتخابي لعزيز.
الفساد
تعني كلمة الفساد في جملة تعاريفها ذلك التصدع الذي يحدثه شخص ما في منظومة ما، سواء تعلق الأمر بالمال والأخلاق أو بالسياسة والاجتماع، وهي مجالات تفوّق في تصدعها نظام الغلمان الذي يرأسه عزيز، فالفساد المالي يزكم الأنوف، ويفقأ العيون، ويمكن اعتبار نماذج صارخة منه، كبيع ممتلكات الشعب الموريتاني بطريقة "تجارية" بحته، ينظر فيها إلى أهمية الزبون فقط، فأغلى ما تملكه موريتانيا هو الحديد والذهب والسمك والنفط والزراعة، وهي كلا بلا استثناء، قد بيعت مناصفها، وتحكم في اقتصادنا من لا يرعى فينا إلاًّ ولا ذمة، نتيجة الارتجالية وسوء التسيير، والتغول السلطوي الذي يجعل المستشار الخبير ينحني للرئيس القوي، وليت هذا كله كان يحدث عن "حسن نية"، ولكن التصرفات الجشعة الأخرى لا يمكن لها أبدا أن تحدث عن حسن النية هذا، فبيع ممتلكات الشعب للرئيس وحاشيته لا يمكن اعتباره إلا نهبا منظما، مع أنه لا يجوز من الناحية الشرعية خلط الوكيل والبائع في شخص واحد، وقديما قال ابن خلدون رحمه الله: (وآفة الرعية في تجارة الراعي)، وقال الرئيس المختار ولد داداه رحمه الله: (إن اجتماع السلطة والمال ممنوع في دولة يراد لها أن تصبح على غد أفضل)، فاللهم لطفك!.
أما الأخلاق والسياسة، فإن الفساد فيهما لا تخطئه العين، فأي فساد في المنظومة المجتمعية أقوى وأشد وقعا من شيخ نيّف على السبعين، وهو يجادل بالباطل، في تحذلق واضح بلغة تعلمها في زمن الأخلاق و"كبر المعنى"، يسوق أدلة أوهى من بيت العنكبوت، وينشد أبيات شعر لا يؤالف بينها والفكرة التي يريد التعبير عنها إلى خروجهما "من مخرج شفوي"، تلك صاعقة الفساد الأخلاقي والسياسي والاجتماعي، وليته حمل "شيوخنا" فقط على النفاق، بل ها هو يدرب عليه فتية لمـَّا يستبصروا بعد، ويعرفوا "الدني امنين صادّة"، أيّ نظام هذا الذي يعبث بقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا؟ قد لا يكون ملوما – كثيرا – على ذلك رأس النظام فهو لم يعرف هذه القيم؛ لأنه لم يتربى فيها وإنما ساقه الله ليمتحنه بقيادة مركبة لا يعرف كابحها من دافعها، فهذا الامتحان والله!.
الفقراء
الفقير هو الذي بانت فقرات ظهره من الحاجة والجوع والشدة، وهي والله صفات كثرت في موريتانيا حتى أصبح عكسها هو الذي يحتاج إلى تعريف، لذلك انصب الخطاب العزيزي على دغدغة مشاعر هؤلاء، ووعدهم بتحويل آلامهم إلى آمال تبهج لها القلوب المحطمة، وتنبسط لها الوجوه الكالحة، فصدقوه ومضوا معه إلى نزال انتخابي حملوه فيها أمانتهم وراحوا "كأنهم من جؤاثى"، بلا أمل في الحياة، وقد خرج من أيديهم أغلى ما يملكون.
لقد كانت وعود عزيز للفقراء مسيلة للعابهم، ومحفزة لهم على أن يخوضوا معركتهم الفاصلة لإنجاحه، وقد فعلوا، وبعد وصول الطريق إلى منتصفه، لم يجدوا من ذلك سوى خطاب ممجوج، يدعي أن الدولة قائمة على توفير متطلباتهم الكمالية، أحرى الأساسية، مما يذكر بأبيات الخليفة العباسي الذي كان السلاجقة يحكمون الدولة باسمه، دون أن يكون له الحق في اختيار وجبة غدائه:
أليس من العجائب أن مثلي *** يرى ما قل ممتنعاً عليه
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعاً *** وما من ذاك شيء في يديه
بالضبط، فليس في أيدي الفقراء من دولة عزيز درهم واحد، بل ولا يتذكرهم إلا حين يحل به خطب يحتاج إلى جمع أو تفريق، والوسيلة دائما هي الحوت والتمر، وأود أن تفهموا معي أن المواد التي يعطي عزيز للفقراء لا علاقة لها بالميزانية ولا بالالتزامات المالية للرئيس، فالسمك لا يحتاج لأخذه إلا أن يخلى بين الشعب ومحيطه، والتمر هدية من الأشقاء.
إذاً أخلف عزيز وعده، وركب علينا، معاشر الفقراء، لينافس رجال الأعمال في صفقاتهم، التي قيل إنه يردد في مجالسه الخاصة اغتباطه بالتفوق على أغلبهم!.
وخلاصة الأمر أننا نعارض عزيزا لأنه وعدنا بمحاربة الفساد فامتهنه، والتزم لنا بدعم الفقراء فزادهم عددا، ثم أجهز على ما بقي لدينا من أخلاق ومسلمات، فلعب بها وأذهبها أدراج الرياح، لحد أنه أصبح يلعب على عقولنا، محاولا بذلك إنكار المحسوس، وطمس الماثلات، من قبيل لا مجاعة، ولا جفاف، وأنتم بخير، والمعارضة سارقة للمال والأفكار، واللحى علامة الكذب والفجور! وأنا حقيقة أود أن أسأل القريبين من عزيز، هل يظن هذا الرجل أنا الماثلين أمامه مصدقون له؟ أخشى أن يكون قد "كذب كذبة وجدّتْ اعليه"، وما هو والله إلا صاحب وجه من "تنقرده"، و"سارق وازعيم"!!.

نقلا عن الأخبار