مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في فقه السكوت عند العلامة حمداً (محفوظ ولد إبراهيم فال)


أبو فاطمة
04-02-2012, 06:17 PM
قراءة في فقه السكوت عند العلامة حمداً (محفوظ ولد إبراهيم فال)

http://www.alakhbar.info/files/sam_0027.jpg

عُرف العلامة حمدا ولد اتاه بولوعه بنوع من التجديد لا يخلو من طرافة وإبداع يتجاوز حد الغرابة، ومن أحدث إبداعات العلامة دعوته إلى تعلم فقه السكوت، وذلك من خلال التلفزة الوطنية، لكن كلام الشيخ وسكوته وتجديده وتقليده وإبداعه وجموده أمور تحتاج إلى قراءة تراعي مقاصد الشيخ ودلالة كلامه وفحوى سكوته، وتدخل من أبواب من الفقه عودنا الشيخ التذكير بها، وأكثر الكلام عنها، وجانب السكوت تجاهها، ولا يزال يصدع بوجوب تعلمها، ويبلغها لمن يجهلها، ويبينها لمن يسكت عنها، ومن أشهر تلك الأبواب:
• فقه السياسة أو السلطة.
• فقه الفتنة.
• فقه الخروج.
وليسمح لي الشيخ أن أقدم لجمهوره الكريم شرحا لبعض فقهه؛ منطلقا من مقاصد الشيخ التي ظل يشرحها كتابة وكلاما، مراعيا سياق كلامه وظروف سكوته، وحيث تعارض عمل الشيخ وكلامه قدمت العمل؛ لأنه لا ينافي السكوت بخلاف الكلام، وتتضمن هذه القراءة المختصرة مقدمة عن الحاجة إلى فقه السكوت وأربعة فصول:
الفصل الأول: التعريف بفقه السكوت لغة واصطلاحا.
الفصل الثاني: أقسام السكوت.
الفصل الثالث: نصوص يتحتم السكوت عنها.
الفصل الرابع: التمذهب في فقه السكوت.
بالإضافة إلى مسائل في محلها، وتنبيهات في موضعها؛ وكل ذلك باختصار يقتضيه المقام.
مقدمة: في الحاجة إلى فقه السكوت
في زمن الثورات.. والنداء بالحريات.. وارتفاع الحناجر والأصوات.. بسقوط المستبدين من الطغاة.. تكون الحاجة جد ماسة إلى فقه السكوت؛ تقديما لما نزل على ما لم ينزل، وقد كان أئمة الإسلام قديما يتكلمون على ما نزل بالناس من نوازل، ويسكتون عما لم ينزل، ولا يتعجلون البلية قبل نزولها، أما إذا نزلت فالواجب رفع الأصوات وتجديد الخطاب واستحداث الأصول والفقه قبل أن تعلو أصوات الغوغاء أصوات الحكماء، وقبل أن يجرف السيل السادة الرؤساء، وقبل تأثر السفهاء من الولدان والنساء بكلام الأدعياء من العلماء ممن جهلوا وجانبوا فقه السكوت.
ولا بد حينها من أن يأخذ القوس باريها وتعاد للشيوخ الساكتين -بعض الوقت- المنابر الإعلامية، وسيكون في ذلك أبلغ رد على الذين كانوا يرون أن هؤلاء الشيوخ استهلكوا، وأن الحاجة إلى فقهاء جدد أمر محتم، وعلى جدد الفقهاء على الإعلام التأخر فالوقت وقت السابقين الأولين.
الفصل الأول: التعريف لغة واصطلاحا
السكوت لغة ضد الكلام، أما في الاصطلاح فبحسب المسكوت عنه ووقت السكوت والظرف العام، وقد يعتبر باعتبار الغلبة وضدها في الشأن السياسي، ولذلك فالأولى السكوت عن حد جامع مانع لفقه السكوت، ومحاولة معرفته من خلال التقسيم، وذكر المعاني المشابهة والمضادة؛ إذ بضدها تتبين الأشياء، ولذلك ذكرنا ذلك هنا:
معاني مشابهة؛ ومنها: الكتمان، التقية، التورية، المداهنة...
معاني مضادة؛ ومنها: البلاغ، البيان، الصدع بالحق، الشهادة لله، النصيحة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كلمة حق عند سلطان جائر، المعارضة السلمية...
الفصل الثاني: أقسام السكوت
وسنذكر الأقسام الثلاثة الكبرى: السكوت الواجب، والسكوت الحرام، والسكوت المستحب أو الأولى، ثم الألفاظ التي تعتبر ردة في فقه السكوت؛ وذلك على النحو التالي:
1. السكوت الواجب؛ ومنه:
• السكوت عن أمر الجائرين ونهيهم؛ تفاديا للفتنة.
• السكوت عن الأمر بأداء الأمانة، والحكم بالعدل؛ حذرا من الخروج، وحرصا على الولوج.
• السكوت عن فساد الفاسدين، وطغيان الطاغين، واستبداد المستبدين، واستضعاف المستضعفين؛ حفظا للاستقرار، ودرء للمفسدة.
2. السكوت الحرام:
• السكوت عن الناهين عن السوء حرام مهلك لقول السابقين الساكتين: (لم تعظون قوما الله مهلكهم) الآية.
• السكوت عن إنجازات ولي الأمر وعدم الثناء عليه بجميل الخصال وكريم الفعال من كبائر الإثم في فقه السكوت.
• السكوت عن الأمر بالسمع والطاعة –مهما كان المتغلب- من الموبقات.
3. السكوت المستحب أو الأولى:
تقدم لنا من قبل أن للوقت والظرف دور كبير في حكم السكوت؛ لأن الفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان، وفي حال –لا سمح الله- فاجأ تغيير للنظام السياسي، ولم يتبين بعد سقوطه أو بقاؤه؛ ففي هذه الحالة يكون حكم السكوت الاستحباب حتى ينكشف الغبار وينطفئ الأوار، واختلف في دلالة السكوت في هذه الحالة؛ هل هي الرضا أو عدمه على الخلاف الأصولي المعروف في الحكم على الساكت بالرضا أو عدمه، والراجح هنا النظر للمآلات والنتائج.
فإذا تبين أن النظام سقط وجاء آخر بدله؛ فدلالة السكوت حينئذ الرضا، بل قد يدل على الإذن قياسا على سكوت البكر المنصوص عليه في الحديث الصحيح "وإذنها صماتها" والعلة الجامعة في هذا القياس الخجل، وإن تبين أن النظام نجا وسلم فدلالة السكوت الإباء والامتناع.
وإذا رجح سقوط النظام على بقائه، وتوالت الأخبار والقرائن بانتهائه من غير حسم في ذلك؛ فالأرجح حينها شيء من التقية، واللوذ بحصن التورية يراعي الاحتمال ويترك للإنتقال مجال.
4. ألفاظ الردة في فقه السكوت:
هناك ألفاظ تصل الردة في فقه السكوت بناء على الفقه السياسي –كما مضى معنا التداخل بين الفقهين- وهذه الألفاظ هي:
• الشعب يريد إسقاط النظام.
• عهد الثورات.
• الربيع العربي.
• رياح التغيير.
• ارحل.. ارحل.. ارحل..
مسألة:
اختلف في اشتراط القصد في هذه الألفاظ على قولين، وذلك مبني على ترجيح أي الفقهين فقه السياسة أو فقه المقاصد؛ فمن غلب فقه السياسة قال لا تحتاج إلى قصد، ومن غلب فقه المقاصد قال الردة بها تحتاج إلى قصد، وقولها من غير قصد من الموبقات؛ لأنه من إشاعة فاحشة الثورات في الساكتين والساكتات.
الفصل الثالث: نصوص يتحتم السكوت عنها
هناك نصوص كثيرة بلغت حد التواتر من آيات القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم يتحتم في فقه السكوت السكوت عنها، وسنذكر أمثلة منها، ونعدل عن الإكثار من الأمثلة التزاما بفقه السكوت، وحذرا من الشغب وإثارة الشبهة؛ ومن تلك النصوص:
قول الله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيينه للناس ولا تكتمونه...)، وقوله: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى...)، وقوله أيضا: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود...) الآيات.
أما نصوص السنة؛ فمن أمثلتها قول النبي صلى الله عليه وسلم:
- أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.
- لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليوشكن أن يعمكم الله بعقاب من عنده.
- من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه...
الفصل الرابع: التمذهب في فقه السكوت:
من المعروف عن العلامة الدعوة للالتزام بالمذهب المالكي والتقليد المطلق له، لكن فقهي السكوت والسياسة يمليان مستوى من التبصر يقتضي الخروج عن المذهب بعض الأحيان، بل السكوت عن نصوص المالكية في معارضة السياسة لما عرف عن أئمتهم من الوقوف في وجه الظلم والقوة في الصدع بالحق.
فيجب السكوت عن قول مالك: "ألا إن أيمان البيعة باطلة" معارضة للإكراه الذي كان يتعرض الناس له فيحلفون على بيعة من لا يقتنعون به من الأمراء، وقصة وقوفه مع محمد ذي النفس الزكية في معارضته في خروجه على السلطة الجائرة، وما تعرض له من ابتلاء في سبيل ذلك.
ويجب سدل ستار السكوت على مواقف الإمامين البطلين سحنون ومحمد بن أبي زيد القيرواني، وكذلك يجب السكوت عن تراجم شهداء علماء المالكية من أمثال أسد بن فرات صاحب المدونة شهيد صقلية وابن جزي المالكي صاحب القوانين الفقهية وغيرهم.
والأولى هنا الوصية بكتاب أحكام السلطان للماوردي الشافعي.

نقلا عن الأخبار