مشاهدة النسخة كاملة : من أخلاق النهضة (محمد بديع)


أبو فاطمة
04-02-2012, 09:25 AM
من أخلاق النهضة (محمد بديع)

تحدثنا في المقال السابق النهضة الأخلاقية‏..‏ بداية التقدم؛ عن أهمية مكارم الأخلاق وسمو القيم وعلو المُثل التي جاءت بها جميع رسالات السماء لتحقيق النهضة‏ وعن حاجتنا إلى العيش تحت ما يمكن تسميته بـ"الضغط الأخلاقي" لأن حياتنا تحته تجعلنا ملتزمين بهذه الأخلاق, ومن يخرج عنها يفجر تمامًا كمن يخرج عن الضغط الجوي فينفجر, واليوم نتحدث عن بعض الأخلاق الأصلية, الضرورية والواجبة للنهضة.
الإخلاص:
بأن يجعل الفرد كل أعماله لله سبحانه ابتغاء مرضاته, وليس طلبًا للرياء والسمعة; فهو لا يعمل ليراه الناس, أو ليتحدثوا عن أعماله, ويثنوا عليه, وإنما يوجه كل حركاته وسكناته لله سبحانه وتعالى.. (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)) (الأنعام)، لذا فالإخلاص من أهم أعمال القلوب, وموضع نظر الله: "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم, ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"، فعندما يتربى الإنسان على أن عمل السر أفضل من العلانية, وتنتفي عنده الأنانية وتضخم الذات, ويستوي عنده المدح والذم, فعندئذٍ تتحقق ثمرات الإخلاص باستمرار العمل ودوامه مع تأييد الله وعونه في كل حال.
ومن الإخلاص ينبثق كل التوفيق وتحل البركة في الوقت والمال والأقوال والأفعال، لأنه خلاصة مكارم الأخلاق التي تؤسس لنهضة حضارية؛ حيث إن الفرد يعمل ابتغاء مرضاة الله ورضوانه ويخدم دينه ووطنه بلا غرض زائل أو عرض متغير.
الصدق:
مع الله.. بالوفاء بعهده والقيام على أوامره وتحقيق مراده...
ومع النفس.. بتخليها عن الشرور, وتحليها بالفضائل, وعلاج عللها, وسلاسة قيادها...
ومع الناس.. بصدق المشاعر، بالحب والتآلف, وصدق القول والنصيحة في المعاملة.
وكما يقول بعض العلماء: "فالصدق في ثلاثة أشياء لا تتم إلا به: صدق القلب بالإيمان تحقيقًا, وصدق النية في الأعمال, وصدق اللفظ في الكلام".
ومن شجرة الصدق تخرج أشجار المكارم من الأخلاق السامية.. كالصبر والقناعة والرضا (قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119)) (المائدة)، وأنى لوطن لا يكون الصدق لغة أبنائه ومعاملات بعضهم بعضًا أن يكتمل مجده أو أن يتم بنيانه؟، فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة, والكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار.
الأمانة:
والأمانة هي كل ما ائتمن الله عز وجل الإنسان عليه, من أمر ونهي لإصلاح الدنيا والآخرة، لذا فهي لازمة لبناة النهضة, بل إن الإيمان ينتفي أو ينقص إذا غابت الأمانة عن كيان المرء لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا إيمان لمن لا أمانة له, ولا دين لمن لا عهد له", وهي سمة بارزة في فضائل القيم الإنسانية, بخاصة الإسلامية في التعامل مع الغير بعكس من يوجبون الأمانة لجنسهم ويستحلون خيانة الأمانة مع غيرهم كما سجل القرآن الكريم (قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) (آل عمران: من الآية 75).
ومن الأمانة التي بها تنهض الأمم:
- استشعار عظم المهمة ومسئولية التكليف..(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)) (الأحزاب).
- أمانة الحديث.. فكم من الأزمات التي تحل بنا من ذكر ما يدور في المجالس المؤتمن على أحاديثها, وفي الحديث: "إذا حدث رجل رجلاً بحديث ثم التفت فهو أمانة".
- الأمانة في تولي المناصب والوظائف العامة والتيسير على الناس بأداء مصالحهم واعتبار ذلك واجبًا عليه وليس منةً عليهم؛ يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به".
- الأمانة في أداء حق الرعية.. فالمسئول مؤتمن على الناس ومصالحهم, وعليه أن يتقي الله فيهم: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته".
- الأمانة في رد الحقوق إلى أهلها, وبها تستقيم المجتمعات وتستقر حتى تستطيع أن تنهض وتبني مجدها.
- أمانة الكلمة.. فللكلمة أهمية ومكانة كبيرة, بالإضافة إلى أثرها البالغ في حياة الأمم; لذلك جاء التأكيد النبوي لأهميتها وخطورتها في آنٍ واحدٍ بقوله صلى الله عليه وسلم: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها, وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في نار جهنم سبعين خريفًا", فإذا كانت كلمة تدخل هذا الجنة وتدخل هذا النار, فإنها تكون سببًا في البناء والتنمية والنهضة, والكلمة تشمل كل أنواع الكلمات المنطوقة والمقروءة والمسموعة، وهذا ما يجب أن يلتزم به الإعلام، بحيث يجعل من أمانة الكلمة منهجًا يحافظ عليه, وهدفًا يعمل للوصول إليه, وقيمة عليا وميثاق شرف يلتزم به: "ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا".
الذاتية:
وهي الحافز الذي يدفع الإنسان من تلقاء نفسه إلى أداء عمل معين للوصول إلى غاية محددة, متحملاً كل الصعاب لتحقيق الهدف, دونما تكليف أو متابعة, فعندما يستشعر كل فرد مسئولياته تجاه أهله ووطنه وأنه سيحاسب يوم القيامة فردًا (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)) (مريم)، سيتحرك بذاتية وتلقائية وبلا انتظار لتكليف من أحد; إعذارًا إلى الله وقيامًا بواجبه, وفي قصة هدهد سليمان أوضح مثال على الذاتية, ومنه نتعلم أنه يجب ألا نقف عند المطلوب فقط, ولكن ينبغي أن نُعمل العقل والجهد في التفكير والابتكار لما فيه خير المجتمع, دونما ابتغاء مكانة ولا تحصيل منفعة شخصية.
الإيجابية:
شعور قوي يمنح الفرد القوة والثقة والقدرة على العمل فترات طويلة وبكفاءة عالية; فهي الطاقة التي تشحذ الهمة, وتدفع إلى البذل والعطاء.
وفي القصص القرآني ما يدعم هذا الخلق الكريم ويوجه إليه, ومن ذلك قصة النملة التي بإيجابيتها حمت قومها من تحطيم سليمان وجنوده لها ولقومها دون أن يشعروا, ومؤمن ياسين الذي جاء من أقصى المدينة يسعى ينادي قومه أن يتبعوا المرسلين ومؤمن آل فرعون والغلام, وأصحاب الأخدود, وغيرها من قصص قرآنية بثت في النفوس معاني الإيجابية لبناء أمة خالدة: "إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها", والفسيلة هي النخلة الصغيرة التي حتى في الحالة الطبيعية لا تثمر إلا بعد عشر سنين.
ولتحقيق الإيجابية في النفوس لا بد من فهم حقيقة فردية التكليف والإحساس بها, وعدم استصغار أي عمل, واستشعار عظم المسئولية وثقل الأمانة.
الإتقان:
فإتقان العمل قيمة عظيمة, قال رسول الله: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه", والبون شاسع بين من يعمل خوفًا من إنسان, يغيب عنه أكثر مما يوجد معه, وخداعه ما أيسره!! أو من قانون لا يطبقه إلا بشر مثله, وبين آخر يعمل تحت رقابة من لا يغيب عنه لحظة, ومن لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.. (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) (الحديد: من الآية 4), ولقد ضرب الله لنا مثلاً في الحمام الزاجل الذي لا يأكل ولا يشرب ويطير على أعلى ارتفاع يستطيعه حمايةً للرسالة والأمانة التي يحملها وليس خوفًا على حياته حتى يوصل الرسالة التي يحملها; فقيمة العمل عنده مقدمة على ما سواها, وهذا هو الصنف الذي عليه تبنى الأمم وبه تكون النهضة.
الجرأة في الحق:
فما أجمل القوة في الحق وفي الخير حين تتحرك وتنطلق لتنفع الغير, وتقف في وجه الظلم وترد المظالم, فيجبر بها الكسير ويفك بها قيد الأسير, وما أحوجنا إلى من قال فيهم رب العزة: (وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ) (المائدة: من الآية 54).
تلك القوة المفقودة هي المطلوبة اليوم لإقامة النهضة الحقيقية، فالحقوق المسلوبة لن يستطيع ردها إلا رجال لهم جرأة في الحق جبلوا عليها، وعندهم حرص على التضحية أشد من حرص عدوهم على السلب والنهب والعدوان.
علو الهمة:
فكلما سما الهدف سما الجهد المبذول لتحقيقه، لذا نجد أن العلماء عرفوا علو الهمة على أنه استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور، فالأمة الناهضة تحتاج إلى تلك النوعية من الناس التي تبذل وتتحرك وتطلب المعالي ولا تنفك عنها حتى تحصلها بالجهد والعرق:
قد رشحوك لأمر لو فطنت له.... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
لذا فنحن في أمس الحاجة إلى علو همتنا جميعًا، أفرادًا وهيئات ومؤسسات، حتى تتحقق الآمال التي يعدها الناس خيالاً ونراها حقيقةً، ونبعد عن سفاسف الأمور ونستثمر الأوقات فيما هو نافع ومفيد، وتربية أجيالنا الناشئة على ذلك، وليكن شعارهم:
إذا القوم قالوا من فتى خلت... أنني عنيت فلم أكسل ولم أتبلد
قبول الآخر:
فبناء نهضة حقيقية يستوجب توحيد كل الجهود، رجالاً ونساءً وشيوخًا، مسلمين ومسيحيين، وكل القوى، مهما تعددت توجهاتها أو مشاربها، وقبول بعضنا بعضًا، فمساحة المشترك بيننا كبيرة، ولا بد من الإقرار بوجود نقاط الاختلاف، ولا بد من تجاوزها والتعايش معها وعدم إقصاء الآخر أو الانتقاص من حقوقه لاختلافنا معه في بعض- أو حتى كل- ما ينادي به، فنهضة بلادنا مسئوليتنا جميعًا.
هذه بعض الأخلاق التي عليها تقوم النهضات وتبنى الأمم، فإذا أردنا بناء نهضة حقيقية وأن نتبوأ مكانتنا المستحقة بين الأمم فلنتمسك بالأخلاق الكريمة والخصال الحميدة، طاعة لربنا وبناء لوطننا. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

نقلا عن إخوان أون لاين