مشاهدة النسخة كاملة : لا إماء ولا حرائر (نجيب عمر)


ابو نسيبة
04-01-2012, 08:42 AM
لا إماء، ولا حرائر/ (نجيب عمر)

قرأت مقال الكاتب المتألق/ أبو العباس ابراهام الذي ينتقد فيه على الرئيس/ جميل منصور استخدامه عبارة "الحرائر". وحيث أن كل كلام يقرؤه المرء يستتبع- رغما عنه - فيضا من المشاعر والأفكار المتنوعة، فقد أثار هذا المقال في ذهني جملة من الأفكار؛ أولها فكرة تستحثني على أن أدون تلك الأفكار. فما كان مني إلا أن استسلمت لتلك الرغبة في نقاط:
فكرت أولا: في أني أفهم جيدا: لحساب من يكون الهجوم المركز على حزب "الإسلاميين" في هذه الأيام من بعض الأقلام "المتجولة". فلا خفاء في ذلك.
غير أني بالقدر ذاته أعلم علم اليقين أن الكاتب/ أبو العباس ابراهام لا ينتمي بحال من الأحوال إلى ذلك النادي الذي ينوء - تطوعا أو متاجرة - بعبء السعي إلى تشذيب أظافر "الإسلاميين" لصالح السلطة الحاكمة، وفي الوقت الذي يشكلون فيه بحق رأس الحربة في قض مضجع تلك السلطة. فأبو العباس والإسلاميون هنا في الهم سواء.
ولن أضيع فرصة التصريح هن بما قد تعتبرونه مفارقة حقيقية، وهو أنه لا علاقة لي بحزب الإسلاميين، لا من قريب ولا من بعيد. ولا بالسيد جميل منصور، ولم يسبق لي أن رأيته إلا من خلال التلفزة الموريتانية التي يندر أن أفتحها أصلا. بل إني لست متمذهبا، لا سياسيا ولا إيديولوجيا. وقد يكون وسطي الفكري من أبعد من يكون عن تفكير الساسة الإسلاميين في البلد.
الفكرة الثانية: غاصت بي الذكريات في مشروعية الرق من أصله في الإسلام. ذلك أن المتتبع للحبر السائل بغزارة هذه الأيام حول شجب الرق وتجريده من كل مستند شرعي، يشعر بأن الرق ليس إلا جريمة شرعية لا أصل لها ولا فرع في ديننا الحنيف، على غرار ما هو موجود في أذهان الغربيين. وتذكرت قصة القرود السبعة في "صناعة الغباء" الذين انتهى الأمر بهم إلى التمسك بسلوك معين دون أن يتذكروا مصدر ذلك السلوك.
ثم فكرت ثالثا في أنه لا بد، أيها الإخوة، من البدء بتحديد الصعيد المشترك الذي ننطلق منه في نظرتنا إلى الأمور عموما، وإلى الرق خصوصا. (فالوصول إلى نتائج مشتركة يستلزم الانطلاق من مسلمات مشتركة). وهذا الصعيد يتراءى لي بالشكل الآتي:
نحن شعب مسلم؛ نختلف عن الغرب في أن مرجعيتنا توقيفية وليست عقلانية بحتة. ولسنا علمانيين، ولا يسرنا أن نكون كذلك. ومن لا يرضيه ذلك من الغربيين فليغمس يده في الماء البارد.
والدين الإسلامي أقر الرق، فليس لمن يدين بالإسلام أن يجعل مشروعيته محل خلاف. ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)). (الأحزاب: 36).
- صحيح أن سياسة الإسلام في الهدي النبوي كانت العمل على مكافحة الرق
- وصحيح أنه عمل على التخفيف من وطأته، كما في الحديث الذي معناه: (إخوانكم خولكم. إن الله ملككم إياهم ولو شاء ملكهم إياكم؛ أطعموهم مما تطعمون، واكسوهم مما تكسون، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون)
- وصحيح أن مسلك المسلمين انحرف كثيرا عن هذا الاتجاه بعد العهد النبوي، لاسيما في العهدين الأموي والعباسي،
- وصحيح أن معظم الأرقاء في موريتانيا يعاملون بغير ما أوصى به الشرع، فضلا عن أن الكثير منهم لم يكن مصدر استرقاقه مشروعا؛
- لكن هذا لا يبرر الكلام على الرق بأسلوب يسعى إلى نفي أصله الشرعي، أو إلى تأثيم الإسلام بإقراره مشروعيته.
أقول هذا الكلام، وأنا ألمح مقدار الإحراج الذي استشعره الرئيس جميل منصور في أن توجه إليه تهمة، ولو كاذبة، بشعوره بمشروعية الرق عند تلفظه بلفظ "الحرائر"، لأن له في اللغة العربية مقابلا يقال له "الإماء" !
-وقد أفهم تحفز الكاتب/ أبو العباس ابراهام لمناهضة كل ما يمت إلى الرق بصلة؛ فهو الشاب المتشبع بالثقافة الغربية، المفتون بالجدلية المادية، وبآراء ماركس وأنكلز، وباجتماعية "افيورباخ، وبنظريات "البروليتاريا" وما إلى ذلك.
ولا ضير في ذلك بالطبع؛ فدأب المثقف أن يكون على دراية بكل ما يمت إلى الثقافة بصلة؛ لاسيما مصادر الفكر الحديث.
لكني على يقين من أن دماءه الطيبة ستؤدي به أيضا، في نهاية الدورة الثقافية إلى الافتتان بفهم أبي حنيفة، وبتحري ابن حنبل، وحصافة الشافعي، ورزانة مالك.
ولا أخفيكم سرا في أن مقاله هذا كان له الفضل في تنبيهي إلى مسألة مهمة. وذلك أني سمعت أن البرلمان الموريتاني قد حرم كلمة "العبودية" المتضمنة للفظ "الإيماء"، ولم أكن أعرف أنه حرم لفظ "الحرية" المتضمنة للفظ "الحرائر". وكنت أعتقد -مخطئا على ما يبدو- أن مما يحول بين البرلمان وتحريم لفظ "الحرائر" هو فقر اللغة العربية التي لا يتضمن قاموسها منزلة بين المنزلتين يتمثل في وصف للمرأة غير (الحرة -الأمة).
لذا، فإني أطالب البرلمان الموريتاني أن ينعقد على جناح السرعة، ليزودنا بمصطلح غير "الأمة" المحرمة قانونا، و"الحرة" المحرمة بكونها تدل على أن هناك أمة!
والله ولي التوفيق

نقلا عن تقدمي